ستارت الجديدة والعلاقات الأميركية الروسية   
الأحد 1431/4/26 هـ - الموافق 11/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 10:21 (مكة المكرمة)، 7:21 (غرينتش)
طلعت مسلم


مضمون الاتفاق
الآثار السياسية والعسكرية
هل تعيد الدفء إلى علاقات روسيا وأميركا
هل تعود موسكو إلى حضن واشنطن
انتقادات لمعاهدة ستارت الجديدة

وقع الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف في الثامن من أبريل/ نيسان الحالي في العاصمة التشيكية براغ على اتفاقية جديدة بين البلدين حول تقليص حجم الترسانة النووية الإستراتيجية لدى البلدين.

وصرح أوباما خلال مراسم التوقيع بأن هذه الاتفاقية تعتبر هدفا أساسيا في مجال الأمن النووي وذات أهمية في علاقات البلدين، وأضاف أنها خطوة فقط على طريق إجراء مزيد من التخفيض في ترسانة البلدين النووية.

وأشار إلى أنه اتفق مع ميدفيديف على إجراء مزيد من المناقشات حول مشروع الدرع الصاروخية الأميركية واضعين نصب أعينهما التشاور والتعاون في هذا المجال.

كما ناقش الرئيسان إمكانية فرض عقوبات في مجال الطاقة على إيران بسبب البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل، حسبما أعلنه مسؤول أميركي رفيع المستوى.

من جانبه أكد ميدفيديف على استمرار الخلافات بين البلدين حول الدرع الصاروخية معربا عن أمله في التوصل إلى حل وسط في هذا المجال. ودعا القوى النووية الأخرى إلى الانضمام إلى الجهود الروسية والأميركية لتخفيض الترسانة النووية على الصعيد العالمي.

مضمون الاتفاق
"
يشترط تصديق الكونغرس الأميركي والمجلس التشريعي الروسي لكي تصبح المعاهدة سارية المفعول, ولا تشتمل المعاهدة على أي قيود على الدفاع أو الدرع الصاروخية والأسلحة التقليدية سواء بالنسبة للتجارب أو التطوير سواء الحالية أو المخطط لها بواسطة الولايات المتحدة
"
يحدد كل طرف أسلحته النووية الإستراتيجية خلال سبع سنوات من تاريخ سريان مفعول المعاهدة مع احتفاظ كل طرف بهيكل قواته الإستراتيجية داخل هذه الحدود:

انتشار 1550 رأسا حربيا، مركبة على الصواريخ العابرة للقارات التي تطلق من القواعد البحرية والقاذفات الثقيلة المجهزة للتسليح النووي بواقع رأس واحد لكل، وهو ما يعتبر أقل بـ74% من حدود ستارت عام 1991 وأقل بـ30% من حدود الرؤوس الإستراتيجية المنشورة وفقا لمعاهدة موسكو عام 2002.

يتحدد عدد وسائل توصيل الأسلحة النووية إلى أهدافها من قواذف الصواريخ العابرة للقارات والصواريخ التي تطلق من قواعد في البحر، وكذا القاذفات الثقيلة المجهزة للتسليح النووي المنشورة وغير المنشورة بـ800 قاذف أو قاذفة كحد مشترك.

يتحدد حد خاص بالقواذف المنشورة للصواريخ العابرة للقارات وتلك التي تطلق من قواعد بحرية، وكذا القاذفات الثقيلة المجهزة بالتسليح النووي بـ700 قاذف، وهو حد أقل من نصف عدد وسائل التوصيل المحدد في ستارت الأولى.

يشتمل الاتفاق على نظام للتحقق يجمع بين عناصر ستارت 1991 وعناصر مصممة خصيصا لحدود المعاهدة الجديدة تشتمل على التفتيش والعرض في الموقع، وتبادل المعلومات والإبلاغ عن الأسلحة الإستراتيجية الهجومية والمنشآت التي تغطيها المعاهدة، ومواد لتسهيل استخدام الوسائل الفنية الوطنية والتبادل التليمتري.

كما يشتمل على تحديد زمن المعاهدة بعشر سنوات ما لم يسبقها اتفاق تال، وقد يتفق الطرفان على مد العمل بالمعاهدة لفترة لا تزيد عن خمس سنوات، وكذا تشتمل المعاهدة على عبارة خاصة بالانسحاب منها متبعة في كل معاهدات نزع السلاح، وينتهي العمل بمعاهدة موسكو لعام 2002 بمجرد أن تصبح المعاهدة الجديدة سارية المفعول.

ويشترط تصديق الكونغرس الأميركي والمجلس التشريعي الروسي لكي تصبح المعاهدة سارية المفعول. ولا تشتمل المعاهدة على أي قيود على الدفاع (أو الدرع) الصاروخي والأسلحة التقليدية سواء بالنسبة للتجارب أو التطوير سواء الحالية أو المخطط لها بواسطة الولايات المتحدة وقدراتها الضاربة التقليدية.

الآثار السياسية والعسكرية
يمكن تلخيص الآثار السياسية والعسكرية لمعاهدة ستارت الجديدة بالمزايا الآتية: تقدم المعاهدة تسلسلا لعمليات التحقق يمكن من التأكد من أن كل طرف يعرف ما يفعله الجانب الآخر بما يحقق درجة من الثقة في النفس، كما تخفض أعداد الأسلحة النووية الإستراتيجية بما يقلل من مخاطر الحوادث أو السرقة بالإضافة إلى خفض التهديدات ضد الدول عموما وغير النووية بصفة خاصة، كما أن التخفيضات العميقة تساعد على تقوية معاهدة منع الانتشار النووي، وإن كانت لا تلبي مطالبها من التقدم بإخلاص نحو النزع الشامل للأسلحة النووية.

هل تعيد الدفء إلى علاقات روسيا وأميركا
يرى البعض أن المعاهدة وسيلة هامة لتحسين العلاقات الروسية الأميركية التي تشكل عنصرا هاما لمعالجة المشاكل المشتركة مثل المشروعات النووية الإيرانية وقضية كوريا الشمالية.

وتقوم هذه الفكرة على أنه رغم أن هناك خلافات حادة بين الولايات المتحدة وروسيا حول موضوعات عديدة من السياسة الخارجية فإن عملية ضبط التسلح من خلال المعاهدة يمكن أن تقوي العلاقات الأميركية الروسية وتحد من دوافع الدخول في سباق جديد للتسلح، وأن التخفيضات المتتالية في الترسانات الإستراتيجية يمكن أن تسهل التقدم نحو أهداف حيوية أخرى ذات أهمية لأمن الأطراف بما في ذلك مخزونات المواد النووية على اتساع العالم ومعالجة البرنامج النووي الإيراني.

"
لا نظن أن المعاهدة ذات تأثير كبير على علاقات روسيا وأميركا، حيث إنها تلبي حاجات الدولتين الناجمة عن ارتفاع تكلفة المحافظة على الأسلحة النووية ومخاطرها، بينما لا تحقق عائدا أمنيا هاما
"
لا نظن أن المعاهدة ذات تأثير كبير على علاقات روسيا وأميركا، حيث إنها تلبي حاجات الدولتين الناجمة عن ارتفاع تكلفة المحافظة على الأسلحة النووية ومخاطرها، بينما لا تحقق عائدا أمنيا هاما حيث من الواضح أن استخدام هذه الأسلحة والتهديد به أصبح غير مقبول ولا مستساغ دوليا، كما أن وجود الأسلحة النووية لدى كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وفي الاتحاد الروسي بعد ذلك لم يفد في الصراع بأفغانستان بالنسبة للاتحاد السوفييتي كما لم يفد الولايات المتحدة في العراق مؤخرا، ولم يمنع من اختطفوا الطائرات في سبتمبر/أيلول 2001 من القيام بما قاموا به.

كذلك فإن التطور الكبير في الأسلحة التقليدية جعل الأسلحة التقليدية شديدة التأثير بحيث تقترب من نتائج الأسلحة النووية من دون المشاكل المتعلقة بالإشعاعات والنتائج المعنوية السيئة.

والحقيقة أن التطور الرئيسي في العلاقات الأميركية الروسية حدث بانهيار حلف وارسو ومن بعده الاتحاد السوفييتي حيث انتهى الصراع العقائدي وانتقلت العلاقات الروسية الأميركية من مرحلة الصراع الذي يهدف إلى إقصاء الطرف الآخر إلى المنافسة الهادفة إلى تحقيق مكاسب أكثر من الطرف الآخر ولو على حسابه.

وإذا كانت المعاهدة تزيد من تقارب روسيا والولايات المتحدة فإنها تمثل علامة على طريق العلاقات بين البلدين، ولكنها ليست نقطة تحول في هذه العلاقات.

ولقد اتضحت حقيقة هذه العلاقات من خلال تأخر التوصل إلى الاتفاق رغم أن المعاهدة السابقة قد انتهى مفعولها في ديسمبر/كانون الأول 2009 وكان الطبيعي أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق جديد قبل نهاية عام 2009، كما أن كلا الطرفين قد احتفظا لأنفسهما بخط الرجعة بأن تركت الولايات المتحدة الباب مفتوحا لاستخدام الأسلحة النووية أمام مواجهة الأزمة مع إيران وكوريا الشمالية، بينما احتفظت روسيا لنفسها بالحق في الانسحاب من المعاهدة إذا شعرت بأن الدفاع الصاروخي الأميركي عند انتشاره يضعف من توازنها الإستراتيجي.

هل تعود موسكو إلى حضن واشنطن
الغالب أن المعاهدة لا تؤثر كثيرا على الموقف الروسي من المشروع النووي الإيراني رغم مناقشته بين رئيسي الدولتين نتيجة لارتباط روسيا بمصالح قوية مع إيران بعضها جزء من المشروع النووي الإيراني، ولذا فإن روسيا ترفض أية عقوبات يمكن أن تؤثر على الشعب الإيراني، وإن كانت أيدت العقوبات السابقة وتستعد لتقبل بعض العقوبات الجديدة بشرط ألا تؤثر على الشعب الإيراني.

هنا لا بد من أن نتذكر أن روسيا وقبلها الاتحاد السوفييتي من أشد معارضي الانتشار النووي، ونلاحظ أنه رغم أن الولايات المتحدة سربت الأسرار النووية إلى بريطانيا، ثم لم تعترض على المشروع النووي الفرنسي، فإن الاتحاد السوفييتي عارض امتلاك أيا من حلفائه للسلاح النووي.

انتقادات لمعاهدة ستارت الجديدة
هناك انتقادات للمعاهدة سواء من الجانب الروسي أو الأميركي، حيث انتقد أحد الجنرالات الروس المعاهدة بأنها جرى التوقيع عليها في براغ وهي أرض تابعة لحلف شمال الأطلسي، وأن العرض الأميركي بانضمام روسيا إلى الدرع الصاروخية من فانكوفر إلى فلاديفستوك يمنح الولايات المتحدة ميزة القدرة على توجيه ضربة استباقية إلى روسيا، كما تغض النظر عن الانتشار العسكري لحلف الناتو في جورجيا ولاتفيا وليتوانيا وإستونيا وكرواتيا والمجر، كما تسمح للولايات المتحدة برعاية زراعة مئات الأطنان من الهيروين وإرسالها إلى المدن الروسية. والذريعة هي أن المزارعين الأفغان فقراء وزراعة المخدرات هي سبيلهم الوحيد إلى كسب العيش.

"
المعاهدة لا تقدم أية ضمانات للدول غير النووية بعدم تهديدها باستخدام الأسلحة النووية ضدها أو استخدام هذه الأسلحة فعلا ضدها من دولة نووية، مما يبقي العالم تحت خطر التهديد النووي، ولا يتقدم خطوة نحو النزع الشامل لهذه الأسلحة
"
وبمراجعة ما عرف عن المعاهدة لا نجد دليلا على ما يقوله الجنرال المذكور، فمكان التوقيع على المعاهدة غير ذي تأثير على نتائجها، وبالنسبة لزراعة الهيروين فليس لها علاقة بالمعاهدة، أما باقي العناصر فهي ما يتطلب تقديم أدلة تربط المعاهدة بما ورد على لسانه.

لكن الانتقادات الرئيسية للمعاهدة هي أنها لا تتجه فعلا إلى تخليص العالم من الأسلحة النووية بل رغم تخفيض الأسلحة الإستراتيجية تحتفظ لنفسها بحق التهديد باستخدام الأسلحة النووية في ضربة أولى.

كما أنها لا تقدم أية ضمانات للدول غير النووية بعدم تهديدها باستخدام الأسلحة النووية ضدها أو استخدام هذه الأسلحة فعلا ضدها من دولة نووية، مما يبقي العالم تحت خطر التهديد النووي، ولا يتقدم خطوة نحو النزع الشامل لهذه الأسلحة، وإذا كان مخزون الأسلحة النووية لدى الولايات المتحدة وروسيا يشكل 90% من المخزون العالمي فإن بدء تخفيض الأسلحة النووية لباقي الدول النووية ولو بأعداد بسيطة يشكل بداية هامة وحيوية لتخليص العالم من الأسلحة النووية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة