السودان.. عودة حتمية للمفاوضات.. والجدوى غير مضمونة   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: عبد الوهاب الأفندي*

-الحل العسكري والمناورات.. خيارا الحكومة والتمرد
-أسباب تذبذب المفاوضات عند الطرفين
-اتفاق ماشاكوس.. تفاؤل في غير محله

في ما تتصاعد الضغوط الخارجية والداخلية على الحكومة السودانية لتعود سريعا إلى مفاوضات السلام التي قطعتها في مطلع سبتمبر/ أيلول الجاري احتجاجا على هجمة المتمردين على حامية توريت الحكومية والاستيلاء عليها، لا تبدو الحكومة السودانية في عجلة من أمرها للاستجابة لهذه الضغوط. ولكن لا يبدو أن هناك بديلا لمثل هذه العودة في ظل الخيارات المتاحة أمامها، وعليه فإن مسألة العودة هي مسألة وقت. والعوامل التي ستحكم هذه العودة هي العوامل الخارجية في الأساس.

وحسب الحسابات الحالية فإن الوقت الذي ستضطر فيه الحكومة إلى العودة سيكون في الغالب مطلع العام الجديد، هذا بالطبع إذا لم تنفجر الحرب في الخليج، مما يعني أن أنظار العالم ستتجه إلى العراق وما حوله مما يتيح للحكومة فترة إضافية تخف فيها الضغوط.

الحل العسكري والمناورات.. خيارا الحكومة والتمرد


يمكن الجزم بأن الحكومة ستعود حتما إلى مائدة المفاوضات في الأشهر القليلة القادمة كما يمكن الجزم بأن هذه المفاوضات لن تحقق تقدما يذكر، وستظل تراوح مكانها كما هو حالها منذ مطلع التسعينيات
والسؤال المحوري هنا هو: ما الخيارات البديلة أمام الحكومة غير مائدة المفاوضات؟

الرهانات الحكومية
هناك ما يكفي من الدلائل على أن الخيار المفضل لكل من الحكومة وقوات التمرد ممثلة في الجيش الشعبي لتحرير السودان هو الحل العسكري مدعوما بما يخدمه من المناورات السياسية والدبلوماسية. فالحكومة عززت هذا التوجه بحملاتها العسكرية مدعومة بما عرف بسياسة "السلام من الداخل"، وهي الإستراتيحية التي تدعو إلى تقويض الدعم السياسي للتمرد عبر عقد صفقات مع القوى السياسية والمليشيات المناوئة لحركة التمرد. وكانت قمة هذه المناورات عقد اتفاقية الخرطوم للسلام في أبريل/ نيسان 1997 مع أبرز الفصائل المناوئة لجون قرنق. ولكن هذه الاتفاقية تعرضت للانهيار بسبب الخلافات حول تطبيقها، مما مثل نكسة لجهود الحكومة في هذا الاتجاه.

الحل العسكري أيضا يواجه صعوبات معروفة، أبرز دليل عليها كان السهولة التي تمكن بها المتمردون من اجتياح معاقل الحكومة في توريت وكبويتا.. ولكن أهم دليل على إدراك الحكومة لاستحالة الحل العسكري هو قبولها بوقف إطلاق النار في منطقة جبال النوبة.. فقد كانت هذه هي المنطقة الوحيدة التي راهنت فيها الحكومة باستمرار على حل عسكري صرف، إذ لم تقبل إدخالها في إطار التفاوض كما لم تسمح قط لمنظمات الإغاثة بالدخول إليها.

وقد كان هناك ما يشجع ترجيح الحل العسكري في تلك المنطقة.. فهي تقع في شمال السودان مما يعني إمكانية عزل قوات التمرد هناك عن مصادر دعمها في الجنوب. وهي في منطقة داخلية معزولة عن الاتصال بأي دولة أجنبية قد تشكل مصدر دعم خارجي. إضافة إلى ذلك فإنه ليس هناك إجماع في أوساط قبائل النوبة لحركة التمرد فضلا عن أن المنطقة تسكنها قبائل أخرى منافسة.. وبالنظر إلى كل هذه العوامل فإن اقتناع الحكومة الظاهر باستحالة الحل العسكري وقبولها بصفقة لوقف قتال تشكل خطوة مهمة في طريق اطراح الحل العسكري.


في آخر مسودة طرحها الوسطاء فإن الفترة الانتقالية تبدأ بأن يأخذ زعيم حركة التمرد الموقع الذي كان يحتله في السابق الدكتور حسن الترابي (أي أن يكون له حق الفيتو على كل قرارات الرئيس) وتنتهي باقتراح انتخابات حرة تحت رقابة دولية خلال 18 شهرا من توقيع الاتفاق
رهانات التمرد

قوات التمرد، بالمقابل، لا تزال تراهن على الحل العسكري، إضاقة إلى خيارها الموازي الذي يمكن أن يطلق عليه خيار "السلام من الخارج". فقوات التمرد اعتمدت إستراتيجية مشابهة لسياسة الحكومة المتمثلة في بناء تحالفات سياسية تهدف إلى عزل الحكومة سياسيا، وبالتالي تسهيل إسقاطها دون الحاجة إلى حلول وسط عبر المفاوضات.. ولكنها أضافت إلى هذا تعزيز تحالفاتها الدولية إقليميا ودوليا لعزل الحكومة وإضعافها، هذه الإستراتيجيات واجهت أيضا صعوبات كما ظهر من عجز التجمع الوطني الديمقراطي المعارض من حشد الدعم السياسي لإسقاط الحكومة، ومن تصدع التحالفات الإقليمية. وقد كان هذا الخيار يواجه إشكالات أخرى، أبرزها أن الشركاء السياسيين في الداخل والحلفاء في الخارج لا يشاركون حركة التمرد أجندتها المتمثلة في الحل العسكري الكامل والانفراد بالسلطة أو الهيمنة عليها.

ولكن تعثر الخيارات العسكرية-السياسية البديلة للسلام لا يعني أن الأطراف يئست من تحقيق النجاح على هذا الصعيد، لأن الحالة السياسية في السودان لا تزال غير مستقرة وحافلة بالمفاجآت التي تنعش آمال كل طرف في قرب تحقيق الهدف المنشود.. فقد أحيا انهيار نظام حكم منغستو الشيوعي في إثيوبيا عام 1991 ووصول أنظمة حكم حليفة للسودان في إثيوبيا وإريتريا آمال الحكومة السودانية في القضاء التام على التمرد عسكريا.. وتعززت هذه الآمال حين فقدت الحركة قواعدها في إثيوبيا وأخذت بالتصدع، ثم تراجعت بسرعة أمام ضربات الحكومة في صيف عام 1992 لدرجة فقدان مقر قيادتها في توريت.

ولكن التطورات اللاحقة بالمقابل أنعشت آمال حركة التمرد بقرب النصر، خاصة حين تردت العلاقات بين السودان ومعظم جيرانه، وأصبح إسقاط النظام هدفا للولايات المتحدة التي اتهمته برعاية الإرهاب ووصل بها الأمر إلى قصف العاصمة السودانية بالصواريخ في صيف عام 1998.. ثم جاء الانشقاق في الحزب الحاكم في نهاية عام 1999 ليعطي الشعور للحركة بأن "الفرج" بات وشيكا.

أسباب تذبذب المفاوضات عند الطرفين


الحكومة الآن في وضع سياسي واقتصادي أفضل بكثير من وضعها في أي وقت مضى، فإن احتمال انصياعها لمطلب التفكيك الطوعي عبر التفاوض هو بعيد غاية البعد
وبسبب هذه التذبذبات فقد كان هناك دائما طرف يفتقد إلى الجدية في التفاوض، وفي غالب الأحيان كان الطرفان يفتقدان الجدية، لأن نتائج الخيار التفاوضي كانت ستكون حتما دون الحد الأدنى المطلوب، وهو عند الحكومة يعني الاستمرار في الهيمنة على السلطة دون تغيير كبير في برنامجها أو حتى أشخاص المسؤولين، بينما هو عند الحركة يعني على أقل تقدير الانفراد بحكم الجنوب مع مشاركة فاعلة في نظام مركزي علماني الطابع. ولا يخفى أن هناك تعارضا واضحا بين هذين المطلبين، إضافة إلى اعتقاد عند حركة التمرد بأن الحكومة الحالية غير قادرة على تلبية مطلبها الأساسي في علمانية الدولة، لأنه لا يعقل أن تقبل حكومة تستمد شرعيتها من طابعها الإسلامي أن تكون أداة علمنة الدولة.

الرؤية الأميركية
الإشكال بالنسبة لكل هذه الأطراف هو أن القوى الدولية لا ترى بديلا عن الحل التفاوضي. وهذا بدوره يكشف عن تناقض في الموقف الدولي عبر عنه أحد قادة التمرد حين قال لمسؤول أميركي إنكم تتهمون الحكومة السودانية بكل كبيرة، وتسعون لعزلها وربما إسقاطها، ومع ذلك تطالبوننا بالتفاوض معها. فهل يعني هذا أننا لو اتفقنا مع الحكومة السودانية أنكم ستواصلون هجومكم علينا معا؟ ولم تكن عند المسؤول إجابة شافية ولكن يتضح من الموقف الأميركي أن التفاوض ليس هو فقط أداة لحسم قضية الجنوب بل أيضا لتحقيق المطالب الداخلية والخارحية الأخرى.

عمر البشير (يسار) بجانب حسن الترابي
وترى الإدارة الأميركية أن التفاوض يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع تكثيف الضغوط على الحكومة، ولهذا نجدها دعمت التصعيد العسكري الذي قادته دول الجوار لصالح المعارضة في نهاية عام 1996، وقامت بفرض عقوبات على السودان وفرض المزيد منها.

وتظهر ملامح الموقف الأميركي من الطريقة التي أعلن بها قرار الرئيس السابق بيل كلينتون بفرض عقوبات اقتصادية على السودان في أواخر عام 1997. فقد أعلن القرار ومفاوضات الإيجاد منعقدة في نيروبي وأرسل كلينتون مبعوثا خاصا لإبلاغ القرار لرئيس وفد المفاوضات وزير الخارجية حينها علي عثمان محمد طه في إشارة واضحة إلى الهدف من الضغوط.

البديل عن المفاوضات أمام أميركا وحلفائها هو بالطبع تكثيف العقوبات أو التدخل العسكري المباشر أو غير المباشر. وقد جربت العقوبات وجرب التدخل غير المباشر (عبر دعم دول الجوار التي تدعم التمرد)، ولم تتحقق الأهداف المرجوة. وهناك ضغوط متزايدة على الحكومة الأميركية من الكنائس ومراكز القوى الأخرى لإعلان نية التدخل العسكري أو على الأقل للتحرك نحو الدعم المباشر لحركة التمرد، ولكنها لم تحسم أمرها بعد في هذا الاتجاه، كون السودان يحتل مرحلة متدنية في سلم أولوياتها.

ولكن الإدارة الأميركية اكتشفت باكرا أن الحكومة السودانية رغم أدبياتها النارية التي تدعو للمواجهة مع أميركا ترتجف رعبا كلما خالت أن أميركا بصدد التدخل ضدها أو بصدد استخدام مجلس الأمن لفرض عقوبات. ولهذا فإن الإدارة أخذت تستخدم التهديد بالتدخل لإجبار الحكومة لتغيير سياساتها.

ولا شك أن هذه التهديدات ستستخدم مجددا لإجبار الحكومة للعودة إلى المفاوضات، ولا شك أنها ستأتي أكلها وتجبر الحكومة على العودة إلى نيروبي، ربما في مطلع العام القادم أو نهاية العام الحالي. ولكن هذا لن يكون نهاية المطاف ولا يعني أن النتائج ستكون سلاما وشيكا.

اتفاق ماشاكوس.. تفاؤل في غير محله

عمر البشير (يسار) بجانب جون قرنق
لقد أنعش اتفاق ماشاكوس الذي أبرم في يوليو/ تموز الماضي الآمال بأن السلام بات قاب قوسين أو أدنى، بل أخذ البعض يتحدث عن صفقة أميركية تكون ثمرتها موافقة حكومية على فصل الجنوب وتعاون في الحرب على الإرهاب، مقابل السماح للحكومة بالبقاء والتخلي عن المعارضة الشمالية. ولكن بعض المتابعين للشأن السوداني نبهوا في حينه إلى أنه من السابق لأوانه التفاؤل (أو في حالة مصر والمعارضة الشمالية، التشاؤم) بقرب حسم النزاع. لأن اتفاق ماشاكوس وإن كان في ظاهره حسم بعض المسائل الشائكة مثل قضية الدولة والدين، إلا أن هذا الحسم لم يكن قاطعا بدليل التفسيرات المختلفة للاتفاقية التي ظهرت قبل أن يجف مداده، كما أن هناك الكثير المهم مما لم يحسم.


الإدارة الأميركية اكتشفت باكرا أن الحكومة السودانية رغم أدبياتها النارية التي تدعو للمواجهة مع أميركا ترتجف رعبا كلما خالت أن أميركا بصدد التدخل ضدها أو بصدد استخدام مجلس الأمن لفرض عقوبات. ولهذا فإن الإدارة أخذت تستخدم التهديد بالتدخل لإجبار الحكومة لتغيير سياساتها
الحكومة السودانية التي توهمت أن أهداف الإدارة الأميركية هي تحقيق صفقة تعزز سلطة الحكم كما عززت اتفاقية أديس أبابا عام 1972 حكم الرئيس نميري اكتشفت سريعا أن هدف المفاوضات هو تفكيك الحكم لا تعزيزه، مما جعل الحكومة في وضع من يستفتى في وسيلة الإعدام التي يفضلها. فكل الخيارات المطروحة تعني إنهاء نظام حكم الإنقاذ والاستبدال به في المرحلة الأولى تحالفا واسعا يضم قوى سياسية أخرى وفي نهاية المطاف بحكومة منتخبة. وفي آخر مسودة طرحها الوسطاء فإن الفترة الانتقالية تبدأ بأن يأخذ زعيم حركة التمرد الموقع الذي كان يحتله في السابق الدكتور حسن الترابي (أي أن يكون له حق الفيتو على كل قرارات الرئيس) وتنتهي باقتراح انتخابات حرة تحت رقابة دولية خلال 18 شهرا من توقيع الاتفاق.

وإذا كان الفريق عمر البشير قد أرسل الدكتور الترابي إلى السجن فإنه لن يكون في عجلة إلى تنصيب "شيخ" جديد تكون له هذه المرة سلطة دستورية لا عرفية على قراراته. وإذا كان البشير قد انتزع السلطة من حكومة منتخبة عام 1989 فليس هناك ما يشير إلى أن رأيه قد تغير في جدوى ومرجعية الانتخابات.

وبما أن حكومة البشير لم تأت إلى السلطة بانتخابات، وبما أنها خلقت عداوات وإحنا مع أطراف كثيرة، فإن فقدانها السلطة لن يعني فقط فقدان المناصب والجاه والمغانم، بل قد يعني بداية محنة طويلة لأهل الحكم وأنصارهم تتمثل في المطاردة والمساءلة ونزع الممتلكات وما هو أسوأ.


يتضح من الموقف الأميركي أن التفاوض ليس هو فقط أداة لحسم قضية الجنوب بل أيضا لتحقيق المطالب الداخلية والخارحية الأخرى
وبالنظر إلى هذه المخاوف إضافة إلى كون الحكومة الآن في وضع سياسي واقتصادي أفضل بكثير من وضعها في أي وقت مضى، فإن احتمال انصياعها لمطلب التفكيك الطوعي عبر التفاوض هو بعيد غاية البعد.

من هنا فإنه يمكن الجزم بأن الحكومة ستعود حتما إلى مائدة المفاوضات في الأشهر القليلة القادمة كما يمكن الجزم بأن هذه المفاوضات لن تحقق تقدما يذكر، وستظل تراوح مكانها كما هو حالها منذ مطلع التسعينيات.

_______________
*كاتب ومحلل سياسي سوداني مقيم في بريطانيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة