الصراعات الحضارية.. الأيديولوجيات الأسرية   
الجمعة 1427/1/11 هـ - الموافق 10/2/2006 م (آخر تحديث) الساعة 0:41 (مكة المكرمة)، 21:41 (غرينتش)


سيغورد أن. سكيربك

مهما كان تعريفنا للحضارة وأيا كانت المنطقة التي نرسم فيها الخط الفاصل بين الحضارتين الغربية والشرقية, فإننا جميعا ندرك أن هناك فروقا بين الشرق والغرب, كما أننا نعي أن تلك الفروق قد لا تمثل أسسا للصراعات فحسب بل للحوار كذلك.

فالصراعات تنشب في الغالب عندما ترى حضارة ما نفسها أعلى من غيرها في كل مناحي الحياة, بحيث لا يعود مؤيدوها يرون أي مبرر لانتقاد أو تقييم مواقفهم, كما لا يرون مبررا للتعلم من الحضارات الأخرى.

"
الصراعات تنشب عندما ترى حضارة ما نفسها أعلى من غيرها, بحيث لا يعود مؤيدوها يرون أي مبرر لانتقادهم أو تقييم مواقفهم, كما لا يرون مبررا للتعلم من الحضارات الأخرى

"

فليس الاختلاف السياسي أو المصالح الاقتصادية كل ما قد يقود إلى نشوب الصراعات, بل هناك مواضيع مدنية كاختلاف المثل فيما يتعلق بالتكوين الأسري واختلاف الأسس الأخلاقية التي تنظم من خلالها العلاقات بين الجنسين والتي قد تؤدي بدورها إلى التنافر والعداء بين أي حضارة وحضارة أخرى.

فمن وجهة نظر ليبرالية غربية تعتبر عادات وتقاليد الحضارة الشرقية –خاصة الإسلامية- رجعية, أبوية وقمعية ضد النساء.

كما أن الغربيين غالبا ما يتحدثون عن الزيجات المرتبة سلفا في مقابل المثل الغربية التي تعتبر الحب الرومانسي وحرية اختيار رفيق الحياة أهم أسس الزواج.

ولدى الغربيين قلق من عادة ختان البنات, فضلا عن اعتبارهم التمييز الصارم بين الجنسين فيما يتعلق ببعض الوظائف سببا في استخدام ناقص أو غير مجد للقوة العاملة المتوفرة.

لكن النظرة الشرقية لهذه المسألة مختلفة تماما, فالغرب عندهم متهم بالفجور, يستغل النساء ويستخدمهن كأدوات جنسية بحتة, بل إن بعضهم ينتقد هذه الحضارة استنادا إلى نتائج دراسات إحصائية تمت في دول أوروبية.

تقول إحدى تلك الدراسات إنه لن يتزوج من بنات السويد الحاليات سوى نصفهن.

وتقول نتائج دراسة أخرى إن نصف الزيجات في بريطانيا تنتهي إلى الطلاق, فضلا عن نتائج دراسة ثالثة تظهر أن نساء أوروبا الجنوبية لا ينجبن من الأولاد سوى نصف ما يحتاجه سكان بلادهن ليحافظوا على عددهم الحالي.

ويتبين مما سبق أننا نواجه اتهامات متبادلة بين الشرق والغرب, وربما أمكننا تصور حوار بينهما لمعرفة ما إذا كانت هناك أرضية تسمح بتعلم كل منهما من الآخر.

فوعي الشخص لنسبية مثله الثقافية قد يجعله أقل تعصبا لنظرته الأحادية المتعجرفة وأقل ثقة بالتصريحات الجوفاء حول التسامح, التي تفترض أن كل الثقافات متساوية في القوة وفي الضعف.

ومن الصعوبة بمكان إيجاد مقاييس حيادية لمقارنة الحضارات, فقد عرفت الإنسانية خلال تاريخها تجارب عدة أظهرت كيف تبزغ الحضارات وكيف تأفل.

واختلف الباحثون في أسباب ذلك, فمنهم من عزاه إلى التحديات الخارجية من كوارث طبيعية أو هجمات عسكرية, ومنهم من أرجعه إلى تفاعلات تأكل الحضارة من داخلها.

ومن بين الأمور التي تنخر الحضارة من الداخل اختلال تكوين الأسرة ومدى قدرتها أو عجزها عن إنجاز وظائفها الإنتاجية على المستويين البيولوجي والثقافي.

"
تقلص المواليد يعود في الأساس إلى المثل التجارية للحب وللأسرة وغياب احترام البنية المؤسساتية للأسرة أكثر مما يعود إلى تغير في الخيارات عند المرأة الحديثة

"

وقد أصدر عالم الاجتماع الأميركي كارل زيمرمان كتابا بعنوان "الأسرة والحضارة" قدم فيه عدة مقارنات تتعلق بتغير عادات الأسر الغربية قديما, وما نتج عن ذلك من انحطاط وانهيار حضارات عدة.

وقدم زيمرمان أدلة يعتقد أنها كافية للبرهان على أن انحطاط الحضارتين الإغريقية والرومانية كان لسبب مشترك تمثل في تغيرات شملت المؤسسة الأسرية.

وعدد الكاتب بعض ما ميز هذا الانحطاط بما في ذلك تزايد الطلاق المبكر وإهمال الدلالة الحقيقية للزواج, وتقلص نسب الولادة وما صاحب ذلك من تقلص العدد الإجمالي للسكان, والتغني بالسمات السلبية للأبطال التاريخيين وتعديد فضائل الماضي, وانتشار النظريات التي تعتبر الزمالة أو الأشكال الرخوة للعائلة وسائل لحل المشاكل.

ولم يعد من تزوجوا عبر عادات أسرية قديمة يستطيعون مواصلة تلك العادات في ظل تهرب الأجيال الجديدة من تنفيذ أوامر من هم أكبر منهم سنا, وانتشار معاداة البناء على أساس الأسرة, خاصة في المدن وبين من ينتمون للحلقات شبه الثقافية.

وتشير بيانات عدة إلى أن التغييرات الحديثة في الأنماط الغربية الخاصة بالنظم الأخلاقية وبالتشكيلات الأسرية تشبه إلى حد كبير ما كان قد حدث في فترات سابقة, وهذا يشير أيضا إلى أن على المحامين الغربيين عن الحداثة أن يكونوا أكثر انتقادا لأفكارهم المتعلقة بالمثل الثقافية لجعلها أكثر اهتماما بالمستقبل.

وقد شهدت الدول الغربية في الفترة الأخيرة انحطاطا دراماتيكيا في نسب الإنجاب بحيث أصبحت أقل بكثير من الحد الأدنى, فالإحصاءات المعتمدة على نمو الولادات حتى عام 1992 جعلت خبراء الديموغرافيا الأوربيين يتنبئون بأن متوسط نسبة المواليد لا يتعدى 1.5 عند الجيل الجديد من النساء في دول الاتحاد الأوروبي.

لكن ما يثبط الهمم هو غياب خطة سياسية واقعية لزيادة نسبة المواليد تلك, مما جعل غاستون تورن رئيس وزراء لكسمبورغ السابق يقول بأن أوروبا تقترف انتحارا جماعيا.

ففي الظروف العادية, يجب على بلد ما أن يدق ناقوس الخطر عندما يصل انحطاط نسب الولادة إلى مستوى يقل عن ثلثي ما يحتاجه سكانه.

وبما أن هذا لم يحدث في الدول الغربية في السنوات الأخيرة, فإن ذلك قد يفسر بالركون إلى قاعدة ترى تحليل الأزمات الثقافية أمرا محظورا, خاصة أن تناقص نسبة الإنجاب يرجع إلى التحرر النسوي, وأي انتقاد لتلك الظاهرة ينظر إليه على أنه تعبير عن موقف رجعي مناهض للإناث.

بيد أن هناك مبررات للتشكيك في هذا التفسير, ومبررات للقول بأن تقلص المواليد يعود في الأساس إلى المثل التجارية للحب وللأسرة وغياب احترام البنية المؤسساتية للأسرة أكثر مما يعود إلى تغير في الخيارات عند المرأة الحديثة.

وقد طلبت من مؤسسة غالوب عام 1975 إجراء دراسة استبيانية يتكشف من خلالها ما إذا كان تقلص الإنجاب عند النرويجيات عائد إلى خيارهن أولا وقبل كل شيء، أو إلى أسباب أخرى. فكانت نتائج إجابتهن على السؤال "ما هو عدد الأطفال الذي يناسب الأسرة النرويجية؟" على النحو التالي: 1% منهن قلن "لا أطفال" وقالت 2% "طفل واحد" بينما قال 44% "طفلان" وقال 41% "ثلاثة أطفال" و10% منهن "أربعة فأكثر" ورد 4% بالقول "لا أدري".

"
الحضارة الغربية الحالية لا يمكن أن تمثل أنموذجا على المستوى العالمي, لكن ذلك لا يعني أن المدافعين عن الحضارة الشرقية يمكن أن يثقوا بأنهم يمتلكون الحل النهائي لنمط حياة مستقبلي ناجع

"

ويظهر من توزيع الإجابات أنه حتى في تلك الفترة كانت الرغبة الأولى في إنجاب الأطفال تتجاوز ما كان النساء يصبون إليه, إلى حد وجود عدم ملاءمة بين المثل والواقع, وهذا يتعارض مع الدعاية الشائعة.

وقد أجريت دراسة لنفس القضية في ثمانينيات القرن الماضي شملت عددا من البلدان الغربية, وأظهرت نفس النزعة, بل بدرجة أكثر حدة.

فعدد الأطفال الذي تصبو إليه الأوروبيات هو طفل لكل واحدة منهن, رغم أن ذلك أكثر مما يتوقعن, وقد أظهرت المقارنات أن عدد الولادات الفعلية في الدول التي شملتها الدراسة, ما عدا أيرلندا, كان أقل من المستوى الإنجابي, فإن الرغبة الإنجابية فاقت في كل هذه البلدان النسبة الدنيا للإنجاب.

وهذا ما يجعلنا نقرر أن السبب الذي يحول بين الدول الأوروبية وبين الوصول إلى المستوى العادي للإنجاب لا يمكن أن يرجع إلى الرغبات الأولية للنساء.

إن المعلومات السابقة تدل على أن الحضارة الغربية الحالية لا يمكن أن تمثل أنموذجا على المستوى العالمي, لكن ذلك لا يعني أن المدافعين عن الحضارة الشرقية يمكن أن يثقوا بأنفسهم بشكل مفرط يجعلهم يعتقدون أنهم يمتلكون الحل النهائي لنمط حياة مستقبلي ناجع.

وبدلا من أن يكون هناك صراع بين المدافعين عن هذه الحضارة أو تلك بشأن من يمتلك المقومات الأفضل لحضارة موجهة إلى الازدهار المستقبلي, نأمل أن يكون هناك مناخ صحي لإجراء حوار بناء بين هؤلاء وأولئك من الذين يعترفون بأن هناك بعض الخلل في حضاراتهم, كي يتعلموا مع بعضهم البعض.
__________________
كاتب نرويجي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة