التداعيات المستقبلية لاغتيال الشيخ ياسين   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ إبراهيم غرايبة

قبل اغتيال الشيخ أحمد ياسين كانت قضية الإعلان الإسرائيلي عن نية الانسحاب من غزة من طرف واحد تحرك أسئلة مستقبلية عدة، مثل: هل سيكون لحماس دور رئيسي في إدارة غزة؟ وما العلاقة المتوقعة مع السلطة الفلسطينية وأجنحتها وبخاصة محمد دحلان الذي يشكل قوة مؤثرة في السلطة وفي غزة؟ وهل سيكون لمصر دور في مستقبل غزة كما كان الوضع بين عامي 1948 و1967؟

وكان اغتيال الشيخ أحمد ياسين مناسبة لأسئلة عدة عن مستقبل غزة وحماس والقضية الفلسطينية، وربما أضاف مدخلا جديدا للتفكير المستقبلي في الأسئلة الأساسية الأولى عن مستقبل غزة وحماس والسلطة.

يبدو اغتيال الشيخ ياسين عصي التفسير، أو أنه يحتمل تفسيرات كثيرة لها علاقات متعددة بمدخلات القضية الفلسطينية، وأهمها على الأغلب هو الشأن الداخلي الإسرائيلي. فربما تكون عملية الاغتيال هي من الحملة الانتخابية لشارون، وربما تكون مؤشرا على رحيله المتوقع قريبا، فيكون تحمله مسؤولية قرار اغتيال الشيخ لا يؤدي إلى تبعات على حزب الليكود والحكومة الإسرائيلية القادمة.

وربما تكون العملية تصفية للجناح المعتدل في قيادة حماس، وهذه مقولة يؤيدها الكاتب الإسرائيلي عوفر شيلح في صحيفة يديعوت أحرونوت (22/3/2004) كما اغتيل من قبل إسماعيل أبو شنب لدفع حماس إلى التطرف ودوامة العنف أو على حد تعبير شيلح لإنقاذ العنف، وبخاصة بعد إعلان حماس للهدنة وسعيها في حوار مع فتح والفصائل الفلسطينية ومصر وأوروبا.


يرى شارون أن فرصة بقائه في الحكم تعتمد على استمرار التصعيد مع الفلسطينيين، وقد تكون جريمته في اغتيال الشيخ ياسين هروبا إلى الأمام وتصعيدا للمواجهة من أجل كسب المعركة الانتخابية
ربما تكون القراءة الإسرائيلية التي دفعتها لاغتيال الشيخ أحمد ياسين مفادها أن العمل العسكري قد ضعف كثيرا منذ الانتفاضة التي اندلعت أواخر سبتمبر/ أيلول 2000، فقد استشهد واعتقل عدد كبير من نشطاء المقاومة وقادتها، ولم تعد الأجهزة العسكرية للمقاومة قادرة على عمل كبير.

وبالطبع فإن الاحتلال الأميركي للعراق يضاف إلى المزايا الإقليمية لإسرائيل، فقد زادت قوتها، وهي تضرب أيضا بسيف الولايات المتحدة التي عززت هيمنتها وحضورها في المنطقة، ولا شك أن الخريطة الإقليمية بعد العراق تبدي حالة من الضغط الكبير على دول المنطقة، وبخاصة سوريا والسعودية.

وربما يكون شارون يرى أن فرصته في البقاء والاستمرار في الحكم تعتمد على استمرار التصعيد مع الفلسطينيين، وقد تكون جريمته في اغتيال الشيخ هروبا إلى الأمام وتصعيدا في التوتر والمواجهة، ودفعا للإسرائيليين كما الفلسطينيين إلى حالة حرب وشعور بالتهديد يدفع الناخب الإسرائيلي إلى إعادة اختيار شارون، فالجريمة إذن وفق هذه المنظور هي في سياق الحملة الانتخابية لشارون الذي بدأت شعبيته تتراجع كما تشير استطلاعات الرأي الإسرائيلية.

حماس تبدو في الساحة الفلسطينية -خاصة في غزة- أكثر قوة وحضورا من أية فترة سبقت، وتملك من الموارد البشرية من المؤيدين، والاتجاه الإسلامي والوطني المتنامي بقوة، وقد حققت بالإضافة إلى قوتها الجماهيرية حضورا سياسيا وطنيا، وكانت مكونا سياسيا وجماهيريا في نسيج الشعب والمجتمع والمؤسسات الفلسطينية يحظى باحترام وقبول، وحققت تقدما سياسيا وإعلاميا خارج فلسطين في العالم العربي والإسلامي على المستوى الشعبي والرسمي، فقد شاركت في حوارات ولقاءات مع قادة معظم الدول العربية والإسلامية، ولا يخفى التأييد الشعبي والجماهيري لحركة حماس في جميع أنحاء العالم.

ويمكن القول إن حماس حققت نموذجا نادرا في تاريخ العمل الوطني والمقاومة، وقد يكون سابقة أو نادر المثال، فقد استطاعت أن تتجنب النزاع الفلسطيني-الفلسطيني، وحافظت على هدفها المباشر في المقاومة والعمل وهو الاحتلال فقط، فلم تشارك في أعمال عنف استهدفت أهدافا غير إسرائيلية، واقتصرت ساحة المقاومة على فلسطين فقط، حتى ما يمكن اعتباره أهدافا إسرائيلية خارج فلسطين تجنبتها حماس، وهي في التزامها بهذا المنهج وصبرها عليه حققت احتراما وتأييدا فلسطينيا وعربيا ودوليا على المستوى الرسمي والإعلامي والجماهيري.

وتبدو لدى القوى العربية والدولية المؤثرة في الشأن الفلسطيني شريكا ناضجا يمكن الحوار والتعاون معه، ولا يتيح الفرصة أمام خصوم محليين أو إقليميين للإيقاع بحماس أو استدراجها أو التحريض عليها أو تجاهلها أيضا.

وبالطبع فإن استشهاد الشيخ أحمد ياسين خسارة كبيرة سياسية ومعنوية وتنظيمية، ولن تكون سهلة في وقعها على معنويات الشعب الفلسطيني وكوادر حماس، ولن يكون تعويضه سهلا أيضا.

فالشيخ ياسين قائد نشأ في الحركة الإسلامية وواكب تاريخها الطويل وعاش أحداثها جميعا، وبدأ خطوات العمل الفلسطيني الوطني والإسلامي مؤسسا ومشاركا به خطوة خطوة، وكان عنصرا أساسيا في بناء المؤسسات الفلسطينية الاجتماعية والتعليمية التي أصبحت عريقة ومؤثرة في المجتمع الفلسطيني، ومعلما اجتماعيا وإنجازا كبيرا يوضح كيف يستطيع المجتمع الأهلي بعصامية وإصرار وصبر أن يعوض غياب الدولة، وأن يتحايل على الاحتلال والاضطهاد والإبادة بالاستمرار بل والنمو والتطور، حتى إن الشعب والمجتمع الفلسطيني اليوم لا يقل في مستواه الاقتصادي والتعليمي والتنموي عن الدول العربية المجاورة مثل مصر والأردن وسوريا ولبنان.

وقد كان لأحمد ياسين في ذلك دور أساسي وفضل كبير، وليس هذا تجاهلا بالطبع لدور قيادات ومؤسسات أخرى، ولا شك أن التأييد الإسلامي الكبير في العالم العربي والإسلامي -خاصة في دول الخليج- فضل كبير في مساعدة الفلسطينيين على تدبير أمورهم والقدرة على المقاومة.

ولكن حماس تبدو قوية وغنية بمؤسسيتها ومواردها البشرية وعمقها المجتمعي والعربي والإسلامي والحالة الشعبية والجماهيرية في فلسطين والعالم العربية والإسلامي أكثر مما هي قوية بقادتها، فهي اليوم أكبر من أي قائد، بل إنها هي التي تعطي للقادة أهميتهم وحضورهم وتأثيرهم، وليس العكس.


يبدو واضحا أن الشعب الفلسطيني يمتلك من إرادة المقاومة والقدرة عليها ما يجعل التفكير في المستقبل لا يعطي مجالا لاحتمال الهزيمة والقبول بها أمرا واقعا
المشهد اليوم يبدو حربا إسرائيلية هائلة مزودة بكل أدوات التقنية الحديثة تواجه شيخا كبيرا يقترب من السبعين من عمره، ولم يكن متخفيا، بل يعيش حياته العادية في بيته، وتغير عليه طائرة من الجو بصاروخ وهو يصلي الفجر مع الناس وبين الناس.

هذا المشهد يبدو سورياليا خرافيا يجعلنا نصدق أسطورة هرقل في حربه وحيدا مع التنين والآلهة الشريرة والمزاجية، ولكن هرقل في هذا المشهد شيخ يبلغ السبعين من العمر، ويعاني من الشلل فلا يقدر على الحركة إلا بمعونة الناس على كرسي متحرك، ولا يستطيع أن يتناول طعامه أو شرابه أو يذهب إلى الحمام إلا بمعونة الناس، ويعاني من أمراض مزمنة، فلا يكاد يسمع، ولا يكاد يخرج صوته من حنجرته، وهو مع ذلك كله يخوض حربا مع إسرائيل، فتشن عليه حملة هائلة مزودة بكل أدوات التقنية والحرب.

إن ما حدث يمثل في حقيقته انتصارا كبيرا للمقاومة، بل ودفعا معنويا كبيرا لكل فلسطيني وعربي ومسلم، طفلا كان أو بالغا، رجلا أو امرأة، مريضا أو معافى، إذ كيف تقف دولة لعلها الأقوى عسكريا في المنطقة وتدعمها القوة الأولى في العالم في مواجهة شيخ مشلول؟ ألا تبدو هي الضعيفة المهزومة والمأزومة مع نفسها وشعبها؟

وتظهر شهادة الشيخ أحمد ياسين أن المقاومة فعل عظيم يهز أقوى الجيوش وأعتاها، وهو أيضا فعل يقدر عليه كل صاحب حق، فالقوة في الحق، والضعف في الباطل، ويبدو واضحا أن الشعب الفلسطيني يمتلك من إرادة المقاومة والقدرة عليها ما يجعل التفكير في المستقبل لا يعطي مجالا لاحتمال الهزيمة والقبول بها أمرا واقعا.

كيف استطاع مثل الشيخ أحمد ياسين بضعفه الجسدي أن يلحق بأعتى احتلال وأبشعه في التاريخ والجغرافيا خسائر وهزائم بالغة الأثر؟ بل وكيف يستطيع رجل مقعد كبير في السن يحتاج إلى مساعدة من الناس ليؤدي أبسط حاجاته أن يقهر مثل هذا الاحتلال ويقود مثل هذه المقاومة، وينجز مثل هذه المؤسسات والحركات والشبكة الإسلامية والوطنية القوية والمؤثرة؟

الشيخ أحمد ياسين أثبت في حياته أن حماس قادرة ومؤثرة، وأثبت باستشهاده أنها مرشحة لمزيد من القوة والانتشار والتأثير.

وبالطبع فإن الشيخ ياسين هو مؤسس حركة حماس، كما أسس أيضا مؤسسات تعليمية واجتماعية عريقة ومؤثرة في المجتمع الفلسطيني، ومن ثم فهو مسؤول سياسيا ومعنويا وإستراتيجيا عن فعل المقاومة والعمل العام، وهو هدف إستراتيجي، ولكن هذا لا يلغي ولا يخفف من غرائبية المشهد الذي يقترب من المهرجانات الوثنية الضاربة في عمق التاريخ.

ومن يدري، فربما تكون قصص فطائر الدم حقيقية ومكونا أساسيا في الفكر الصهيوني، فالقس المسيحي الذي ذبح وأعد فطيرة في طقس يهودي في ثلاثينات القرن العشرين في دمشق كان شيخا كبيرا متفرغا للعبادة والكنيسة.

ولكن لماذا اختارت إسرائيل في حربها مع حماس أن تغتال الشيخ أحمد ياسين؟ القراءة الأولية البسيطة تشير إلى أن حماس أقرب ما تكون إلى شبكة اجتماعية ومؤسساتية وتنظيمية ممتدة في نسيج المجتمع الفلسطيني لا ينقص منها ولا يضعفها غياب أي شخص فيها، فهي ليست هرما يجلس على قمته قائد يحتكر المعلومات والقرار والأهمية.

فقوة حماس وأهميتها بمؤسسيتها ومواردها البشرية وعمقها المجتمعي والعربي والإسلامي والحالة الشعبية والجماهيرية في فلسطين والعالم العربي والإسلامي أكثر مما هي قوية بقادتها، فهي اليوم أكبر من أي قائد، بل إنها هي التي تعطي للقادة أهميتهم وحضورهم وتأثيرهم، وليس العكس.

وقد يكون الشيخ أحمد ياسين برمزيته وأهميته مكسبا إعلاميا في الوسط الإسرائيلي المتطرف، وبالطبع فإن شارون لن يخسر شيئا مع العرب والمسلمين والمجتمع الدولي، وليس في وارده محاولة كسب الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي، والعالم لن ينتخب شارون حتى لو أعجب به، ولكن من ينتخبه هم الإسرائيليون الذين عرف شارون تماما كيف يخاطبهم بدليل أنه استطاع أن يقنعهم بانتخابه مرتين.

ومن ثم فإن أي تحليل أو محاولة لتقدير أثر اغتيال الشيخ ياسين على مستقبل حماس أو المقاومة تبدو عبثية، فالمقاومة هي في حالة من كسب التأييد لن تدفعها إلى الأمام كثيرا عملية الاغتيال، ويتوقع أن كل ما كان يمكن للمقاومة أن تفعله لم تتردد في عمله، وليست في حالة انتظار عملية اغتيال لشيخ أو قائد حتى تزداد أو تتصاعد أو تكتسب مزيدا من التأييد والإقبال الجماهيري.


قوة حماس وأهميتها بمؤسسيتها ومواردها البشرية وعمقها المجتمعي والعربي والإسلامي، فهي اليوم أكبر من أي قائد، بل إنها هي التي تعطي للقادة أهميتهم وحضورهم وتأثيرهم وليس العكس
وبالطبع فإنها لن تضعف ولن تتراجع لأن الشيخ أحمد ياسين لم يكن له دور مباشر فيها، ومن ثم فإن شارون لن يخسر شيئا كان يمكن تجنب خسارته، ولكنه سيكسب أو هو يحاول أن يكسب أصوات الناخبين، حتى لو أن عمليات جديدة وقعت أو ستقع بسبب عملية الاغتيال فإنها ستكون رصيدا إضافيا في الانتخابات القادمة.

وبالطبع فإن إسرائيل لم تكن تخوض حربا وهمية وإن كان يمكن تجنبها، ولم يكن اختيار الشيخ ياسين اختيارا غريبا أو غبيا أو مستهجنا من الناحية الإستراتيجية. وتحتاج إسرائيل في حربها هذه أن تستفز حماس وتبعدها عن هذا المسار والاختيار، وتدفعها إلى عنف أعمى على غرار العنف المنتسب إلى الإسلام والذي رأيناه في أنحاء عدة من العالم.

الأحداث الأخيرة رغم قسوتها وشدتها على حماس والفلسطينيين تكشف عن ضعف إسرائيلي وفرص للعمل العربي والفلسطيني وثغرات في الجدار الذي يبدو مسدودا، فالمقاومة العراقية تشكل ضغطا كبيرا على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي هي في صالح القضية الفلسطينية، لأن تحقيق الاستقرار في العراق وبناء مصداقية أميركية ودولية لدى العراقيين والعرب يبدأ بفلسطين، والولايات المتحدة تبدو اليوم بحاجة إلى العرب أكثر من قبل للتعاون معها في العراق، وصارت الجامعة العربية بالنسبة للولايات المتحدة مؤسسة مهمة تسعى لودها، وكانت من قبل تتجاهلها تماما.
________
كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة