إليوت أبرامز آخر قلاع المحافظين الجدد   
الثلاثاء 1428/10/18 هـ - الموافق 30/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 12:41 (مكة المكرمة)، 9:41 (غرينتش)


علاء بيومي

رجل غامض
خوف على اليهود الأميركيين
لا لعملية السلام
مبعوث الإدارة لإسرائيل وليهود أميركا
يدري ما يفعل

يستحق إليوت أبرامز نائب مستشار الأمن القومي الأميركي لقب آخر قلاع المحافظين الجدد في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، فمؤهلات أبرامز السياسية والأيديولوجية تضعه في مصاف أكبر المحافظين الجدد الذين أثروا على إدارتي الرئيس جورج دبليو بوش الأولى والثانية، وذلك على غرار ريتشارد بيرل وبول ولفويتز ودوغلاس فايث.

وبتوالي أخطاء وفضائح الإدارة الأميركية والمحافظين الجدد خلال السنوات الأخيرة وعلى رأسها العراق تخلت الأسماء السابقة عن مناصبها لأسباب مختلفة وبقي أبرامز وحده قلعة صامدة يدافع عن تراث المحافظين الجدد وأفكارهم خاصة فيما يتعلق بواحدة من أهم قضاياهم وهي قضية الصراع العربي الإسرائيلي التي يبدو أن أبرامز هو أحد أهم المؤثرين فيها داخل الإدارة الأميركية منذ نهاية عام 2002.

رجل غامض
"
من الصعب على وسائل الإعلام تتبع أخبار أبرامز ومعرفة ما يفكر فيه والتنبؤ بمواقفه السياسية التي أثارت انتقادات واسعة في الفرص القليلة التي تسربت فيها لوسائل الإعلام الأميركية خلال فترة عمله بإدارتي الرئيس بوش
"
تشير المعلومات المتاحة عن أبرامز إلى أنه صهر نورمان بودهورتز أحد أهم مؤسسي تيار المحافظين الجدد، وأنه زميل قديم لبيرل وفايث وغيرهم من رموز المحافظين الجدد، كما أنه ينتمي إلى أسرة يهودية أميركية ليبرالية، وتحول في السبعينيات لليمين وأصبح مساندا لرونالد ريغان وعمل بإدارته كما هي حال أغلب المحافظين الجدد.

وقد أدين في قضية إيران/كونترا التي باعت من خلالها إدارة الرئيس ريغان أسلحة لإيران واستخدمت عائدها بشكل غير قانوني لدعم متمردي الكونترا في نيكاراغوا بأميركا اللاتينية، وكان أبرامز أحد أبطال الفضيحة وأدين قضائيا بحجب معلومات عن الكونغرس.

وأمضي عقد التسعينيات معزولا سياسيا يعمل في مراكز أبحاث يهودية أميركية تابعة للمحافظين الجدد، وعلى رأسها مشروع القرن الأميركي الجديد، وهو أبرز مشاريع المحافظين الجدد الفكرية.

وفوجئ الكثيرون بتعيين أبرامز بمجلس الأمن القومي الأميركي في ولاية جورج دبليو بوش الأولى تحت رئاسة مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس، وتشير تقارير صحفية إلى أن رايس أعجبت بعمل أبرامز كثيرا بسبب خبرته الواسعة وقدرته على اتخاذ القرارت، ووعيه الإستراتيجي الذي يمكنه من النظر إلى أكثر من خطوة للأمام.

وتقول تلك التقارير إن رايس عندما انتقلت إلى وزارة الخارجية في ولاية بوش الثانية أرادت اصطحاب أبرامز معها ليكون مساعدا لها ولكنها خشيت معارضة مجلس الشيوخ ووسائل الإعلام بسبب خلفيته وإدانته في فضيحة إيران كونترا.

لذا فضل الجميع إبقاء أبرامز في منصبه بمجلس الأمن القومي مع ترقيته وتوليه ملف نشر الديمقراطية الذي منحه الرئيس بوش أهمية كبيرة في ولايته الثانية خاصة في منطقة الشرق الأوسط بعد أن فشلت القوات الأميركية في العثور على أسلحة دمار شامل في العراق، كما ترى كتابات مختلفة.

ويعزز من قدرة أبرامز على البقاء في منصبه التزامه الصمت والبعد عن الإعلام بقدر ما أمكن، وقد يعود ذلك إلى ارتباطه بفضائح سياسية سابقة، ولكنه أمر عزز فيما يبدو بأسهمه لدى الإدارة الأميركية.

ففي الوقت الذي تعرض فيه أشخاص مثل ولفويتز وفايث وبيرل لانتقادات إعلامية كبيرة خاصة بسبب حرب العراق، وهي انتقادات ساهمت بدون شك في رحيلهم، بقي أبرامز خلف الستار يعمل في صمت.

لذلك كان من الصعب على وسائل الإعلام تتبع أخباره ومعرفة ما يفكر فيه والتنبؤ بمواقفه السياسية التي أثارت انتقادات واسعة في الفرص القليلة التي تسربت فيها لوسائل الإعلام الأميركية خلال فترة عمله بإدارتي الرئيس جورج دبليو بوش.

خوف على اليهود الأميركيين
"
أبرامز يخشى من تراجع أعداد اليهود الأميركيين وانصهارهم في المجتمع الأميركي بفعل قوى العلمانية والتزاوج المختلط، ويطالبهم بمزيد من التركيز على التعليم الديني وزيارة إسرائيل لتقوية الروابط اليهودية ومقاومة قوى الذوبان
"
الفرص القليلة المتاحة للتعرف على فكر أبرامز تعود إلى كتاب كتبه في التسعينيات عن اليهود الأميركيين وبضع مقالات كتبها عن اليهود في السياسة الأميركية على موقع ديني أميركي يدعى بليف نت، ويبدو أبرامز في كتاباته واحدا من الأبناء المخلصين للأقلية اليهودية الأميركية، ناشطا في قضاياها، واعيا بهمومها ومؤسساتها وقياداتها.

فهو يخشى من تراجع أعداد اليهود الأميركيين وانصهارهم في المجتمع الأميركي بفعل قوى العلمانية والتزاوج المختلط، ويطالبهم بمزيد من التركيز على التعليم الديني وزيارة إسرائيل لتقوية الروابط اليهودية ومقاومة قوى الذوبان.

ويعبر عن انتقاده للتوجهات العلمانية واليسارية لليهود الأميركيين، فهو يرى أن الإفراط في العلمانية أضعف الروابط اليهودية الدينية، وأن الإفراط في اليسارية يضر بعلاقة اليهود الأميركيين بالحزب الجمهوري، وبالمسيحيين المتدينين المساندين لإسرائيل في الولايات المتحدة، خاصة أن أبرامز عبر عن انتقاده القوي للكنائس الليبرالية الأميركية التي تساند الفلسطينيين وتتعاطف معهم على حساب إسرائيل من وجهة نظره.

ويقول إن إسرائيل دفعت ثمن وقوفها مع أميركا في الحرب الباردة، في حين وقف العرب مع الاتحاد السوفياتي مما جعل الكنائس الليبرالية تنظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم حركة مقاومة ضد الاحتلال.

ويتساءل عما إذا كان يفترض أن تقف إسرائيل مع الاتحاد السوفياتي لكي ترضي الكنائس الأميركية الليبرالية، ويقول إن تلك الكنائس تعتقد أن عنف الفلسطينيين ضد الإسرائيليين نابع من الاضطهاد، ولا تريد أن تصدق أن العنف قد يعود "للكراهية القاتلة والتحيز الديني".

ويطالب اليهود الأميركيين بالانفتاح على الجماعات المسيحية المتدنية التي تؤمن بحق إسرائيل الديني في أرضها، كما يطالبهم بالانفتاح على الحزب الجمهوري، ويستبشر خيرا بإقبال الشباب اليهودي الأميركي على الحزب الجمهوري، ويأمل أن يمثل ذلك تيارا ينهي سيطرة اليهود الليبراليين على يهود أميركا.

ويذكر أحد التقارير المكتوبة عن أبرامز وخلفيته أن ليلى المرياتي التي عينت عضوا بلجنة الحريات الدينية الأميركية التي كان أبرامز أول رئيس لها شعرت بتحيز أبرامز حين رفض مصاحبة فريق من اللجنة إلى إسرائيل للبحث عن مشاكل الحريات الدينية هناك، باعتبار أنه لا توجد مشكلة حريات دينية بإسرائيل، ولكنه زار السعودية ومصر وكاد يتسبب في أزمة دبلوماسية بسبب تجاهله لأكبر قيادة دينية إسلامية في مصر لولا تدخل السفير الأميركي لدى القاهرة لإصلاح ما أفسده أبرامز.

لا لعملية السلام
"
أبرامز يعتقد أن عملية السلام لم تعد على إسرائيل إلا بالتنازلات، وأنها كشفت حقيقة موقف الفلسطينيين وهو موقف لن يرضى بأي تنازلات إسرائيلية مهما كان حجمها، لأن هدف الفلسطينيين الحقيقي هو إزالة إسرائيل
"
وينتقد أبرامز في كتاباته عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية واتفاقات أوسلو، ويقول إنها لم تعد على إسرائيل إلا بالتنازلات، وإنها كشفت حقيقة موقف الفلسطينيين وهو موقف لن يرضى بأي تنازلات إسرائيلية مهما كان حجمها، لأن هدف الفلسطينيين الحقيقي هو إزالة إسرائيل.

ويقول إن عرفات رد على تنازلات إيهود باراك الكبيرة بانتفاضة الأقصى، ويرحب في مقالاته التي نشرها في أوائل عهد الرئيس جورج دبليو بوش بقدوم شارون إلى السلطة، ويقول إن شارون رجل يدرك أن السلام لن يقوم على أساس من التنازلات بل على أساس من القوة، وإنه قادر على أن يمنح الإسرائيليين الأمن من خلال مواجهة عنف الفلسطينيين بشد وحزم.

ويرى أن العرب يهاجمون شارون بسبب مواقفه خلال حرب لبنان، ولكن المجازر التي ارتكبت في حق الفلسطينيين قامت بها كتائب لبنانية مسيحية، كما أن شارون تعرض لانتقادات واستقال من منصبه (وزير الدفاع)، وهذا يكفي.

كما يذكر أولمرت الجميع بأن أراضي لبنان محتلة من قبل السوريين، وأن السبب الأساسي لدعم أميركا لإسرائيل هو حرص أميركا على الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن عرب إسرائيل يتمتعون بحقوق سياسية أكثر من تلك التي تتمتع بها شعوب أي دولة عربية.

مبعوث الإدارة لإسرائيل وليهود أميركا
وتقول التقارير المختلفة التي نشرت عن أبرامز إن معارضته لعملية السلام واتفاقات أوسلو هي من أساسيات تفكيره، وإن ذلك يعود إلى إيمانه القديم مثل عدد كبير من المحافظين الجدد بأن السلام يقوم على القوة وليس على أساس من التنازلات أو المفاوضات.

ولكن لا يبدو أن لدى أبرامز –كما يظهر فيما كتب عنه– رؤية واضحة لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أساس من المفاوضات، حيث يبدو أن أبرامز يؤمن بأن مسار عملية السلام هو الفشل، وأنه لا ينبغي على أميركا بأي حال من الأحوال الضغط على إسرائيل لتقديم أي تنازلات.

فقد هاجم أبرامز كلينتون بسبب دبلوماسيته النشطة في مجالات مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية، حيث رأى أبرامز أن كلينتون كان يخاطر بأمن إسرائيل من أجل بناء مجده الشخصي قبل ترك الرئاسة الأميركية.

كما انتقد خارطة الطريق في بدايتها ورفض مبدأ الضغط على إسرائيل في أي حال من الأحوال، ولكنه عاد وساندها بعد ما بدا له وللمتابعين في إسرائيل أن الخارطة لا تفرض سقفا زمنيا محددا، وأنها تمنح إسرائيل الوقت والغطاء لتفادي الضغوط.

وتقول التقارير المنشورة عنه إنه هو رسول الإدارة الأميركية إلى إسرائيل والمنظمات اليهودية الأميركية، حيث ينصت إليه بوش، ويستبشر المسؤولون الإسرائيليون والقيادات اليهودية الأميركية برؤيته، كما تذكر تلك التقارير أنه مرافق دائم لرايس في رحلاتها في المنطقة وأنه يتخلف عنها عادة ليبقى في المنطقة فترات إضافية لكي يتحدث مع المسؤولين الإسرائيليين.

"
التقارير المنشورة عن أبرامز تقول إنه رسول الإدارة الأميركية إلى إسرائيل والمنظمات اليهودية الأميركية، وإن بوش ينصت إليه، ويستبشر المسؤولون الإسرائيليون والقيادات اليهودية الأميركية برؤيته
"
كما يرى بعض المحللين أن قوة أبرامز الإضافية تكمن في علاقاته القوية والمباشرة بأهم مستشاري شارون وإيهود أولمرت وبمستشاري نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني لعملية السلام والشرق الأوسط، وأنه يسافر أحيانا ليلتقي مستشاري أولمرت ومن قبله شارون في أوروبا وأماكن أخرى ليستمع لرؤاهم ويطمئنهم، ويبقى خلال ذلك على اتصال بمستشاري تشيني.

ويقول بعضهم إن صلات أبرامز ونفوذه ومواقفه جعلته أحيانا سبب إزعاج لكوندوليزا رايس خاصة خلال حرب إسرائيل على لبنان في صيف 2006، حيث وقف موقفا متشددا يطالب إسرائيل باستمرار الحرب وتوسيعها لتصل إلى سوريا كما تشير بعض التقارير على عكس رايس التي كانت تشعر بالخسائر التي تكلفها الحرب لأميركا وسمعتها ومصالحها لدى الدول العربية.

يدري ما يفعل
وتشير تقارير حديثة نشرتها مجلة يهودية أميركية إلى أن أولمرت أكد خلال اجتماعه بقادة يهود أميركيين في صيف العام الحالي أن زيارات رايس المتكررة للمنطقة لإحياء عملية السلام ما هي إلا "عملية" لن تقود إلى نتائج أكثر من فتح بعض المعابر للفلسطينيين بموافقة إسرائيل داخل الأراضي المحتلة، وهي تصريحات تنصلت منها الخارجية الأميركية.

وتشير تقارير أخرى إلى أن علاقات أبرامز الوثيقة بالقيادات الإسرائيلية ووعيه بحقيقة مواقف الإدارة الأميركية جعلته يقف أحيانا موقف النقيض لبعض القيادات اليهودية الأميركية، حيث ساند خطة شارون للانسحاب الأحادي من غزة في الوقت الذي عارضتها فيه منظمات يهودية أميركية أخرى.

كما ساند سياسات الرئيس بوش في وقت عارضتها فيه منظمات يهودية أميركية، ويقول بعض المراقبين إن مواقفه السابقة أدت إلى غضب بعض المنظمات والقيادات اليهودية الأميركية منه وإعلان شكها في مواقفه ونواياه، والتساؤل حول ما إذا كان أبرامز قد تغير.

لكن مواقف أبرامز تلك لم تزعج مناصريه ومتابعيه الذين يعرفونه على حقيقته من أمثال دانيال بايبس المعروف بمواقفه المتطرفة تجاه المسلمين والعرب الأميركيين ومنظماتهم وتجاه عملية السلام وحقوق الشعب الفلسطيني، حيث كان يقف في وجه منتقدي أبرامز مؤكدا لهم أنه يعرف جيدا ماذا يفعل وأن لا داعي للقلق عليه.
ــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة