دلالات "اتفاقية الصداقة" بين ليبيا وإيطاليا   
الخميس 1429/9/19 هـ - الموافق 18/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:06 (مكة المكرمة)، 12:06 (غرينتش)


السنوسي بسيكري

- الاقتصاد جوهر الاتفاق
- الظروف الدولية والمسارات السياسية
- ليبيا.. إدارة الأزمة مع إيطاليا
- الجدل الغربي حول الاتفاق
- سابقة مهمة للدول المستعمَرة

توقيع اتفاق بين ليبيا وإيطاليا تدفع إيطاليا بموجبه خمسة مليارات دولار على مدى السنوات الخمس والعشرين المقبلة تعويضا عن الحقبة الاستعمارية حدث مهم وسابقة لم يعرفها العالم العربي الذي رزح معظم دوله تحت نير الاستعمار في القرن الماضي.

تصريحات رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني ومعاونيه وطاقم الحكومة الإيطالية أكدت أن "اتفاقية الصداقة" بين روما وطرابلس تنهي النزاع عن فترة استعمار إيطاليا لليبيا بين الأعوام 1911-1943، وهي كما جاء على لسان برلسكوني "اعتراف كامل ومعنوي بالضرر الذي ألحقته إيطاليا بليبيا إبان الفترة الاستعمارية".

وتشمل الاستثمارات التي ستتم بموجب هذه الاتفاقية شق طريق سريع ساحلي من غرب ليبيا إلى شرقها، بالإضافة إلى التزام إيطاليا بإنجاز مشاريع سكنية، وتقديم منح دراسية للطلبة الليبيين في الجامعات الإيطالية، وتشجيع الشركات الإيطالية على اقتحام السوق الاستثمارية في ليبيا.

كما نصت الاتفاقية على تقديم السلطات الإيطالية منحا لضحايا حقول الألغام التي زرعتها القوات الإيطالية في عهد موسوليني في الحرب العالمية الثانية لوقف زحف قوات الحلفاء.

وبالمقابل ينص الاتفاق على تعاون بين طرابلس وروما في مكافحة الهجرة غير الشرعية.

"
اعتماد إيطاليا على النفط والغاز الليبيين بشكل كبير يجعل مسألة الاعتذار والتعويض هامشية في ظل التطورات ذات الأثر المباشر على إمدادات الطاقة التي يشهدها العالم
"
الاقتصاد جوهر الاتفاق

التبادل التجاري بين البلدين يصب في صالح ليبيا، ليس لأن الفائض في الميزان يميل لكفة طرابلس، بل لأن المعطيات الجيوسياسية الراهنة تخدم الأجندة الليبية.

فاعتماد إيطاليا على النفط والغاز الليبيين بشكل كبير يجعل مسألة الاعتذار والتعويض هامشية في ظل التطورات ذات الأثر المباشر على إمدادات الطاقة التي يشهدها العالم، وهي تطورات تنذر بتغير نسبي في مناطق الطاقة الحيوية مع استمرار حالة التأزم في منطقة الخليج جراء الاحتلال الأميركي للعراق والتصعيد تجاه إيران، وتفجر النزاع في القوقاز وازدياد التوتر بين الغرب وروسيا المصدر الرئيسي للنفط والغاز لقطاع مهم من أوروبا.

يقابل هذا ازدياد الأهمية الحيوية للنفط الأفريقي، وارتفاع إنتاج ليبيا من الخام الأسود بنسبة 50% في الأعوام القليلة الماضية ليصل سقف إنتاجها إلى مليوني برميل يوميا مع توقعات بأن يصل إلى ثلاثة ملايين برميل قبل نهاية عام 2012.

ومن المعلوم أن إيطاليا تستورد نحو 25% من احتياجاتها النفطية و33% من الغاز الطبيعي من ليبيا.

من ناحية أخرى فإن اعتماد ليبيا على الآلات والمعدات ومستلزمات التشغيل، بالإضافة إلى شركات الإعمار والمقاولات الإيطالية ذو أهمية نسبية منخفضة وقابل للتغير في مرحلة لم تحسم فيها طرابلس بعد خياراتها الإستراتيجية، وتحتدم فيها المناقشة على الاستثمار في مجال النفط وتنفيذ مشاريع الإعمار من قبل الشركات الأميركية والأوروبية والآسيوية.

وبالتالي يصبح مطلب جذب فائض رأس المال الليبي الكبير ملحا وضروريا بالنسبة لصانع القرار الإيطالي الذي يسيطر عليه التفكير البراغماتي، وتتراجع لديه المسائل الأيديولوجية عند مصادمتها للمصالح الاقتصادية والمالية، في حين تظل الشراكة مع إيطاليا خيارا يمكن إيجاد بديل عنه بالنسبة لليبيا.

فالاتفاق بالنسبة للطرف الإيطالي لا يعدو كونه صفقة تجارية يطغى حساب الربح فيها على ما عداه، ولذلك لم يتلعثم برلسكوني عند الرد على الانتقادات التي وجهتها الصحافة الإيطالية للاتفاق باعتباره باهظ الكلفة عند قوله "لا ينظرون إلى المزايا التي ستحصل عليها شركاتنا.. إن اتفاق الصداقة يتيح لإيطاليا سهولة الحصول على الغاز الليبي الذي يعد الأفضل في العالم"، الأمر الذي صادق عليه العقيد القذافي بالتأكيد على أن إيطاليا سيكون لها "الأولوية في البترول والغاز والأشكال الأخرى من الاستثمار".

الظروف الدولية والمسارات السياسية
تتسم العلاقات الليبية الإيطالية بسمات خاصة نسجت ملامحها العلاقات التاريخية لفترة الاستعمار وما بعد خروج الإيطاليين من ليبيا عام 1943، ثم عودة الدفء في العلاقات وتطور الروابط الاقتصادية بعد اكتشاف وتصدير النفط مطلع عقد الستينات من القرن الماضي، حين أصبحت إيطاليا الشريك التجاري الأول لليبيا في العقود الأربعة الماضية.

غير أن هذا لا يعني استقرار العلاقات السياسية بين البلدين، إذ شهدت علاقات طرابلس بروما فترات توتر اقتربت من القطيعة في المرحلة التي أيدت فيها روما السياسة الأميركية الأوروبية المتشددة ضد ليبيا في ثمانينات القرن الماضي إلى درجة أنها سمحت باستخدام أجوائها وأراضيها لانطلاق الطائرات الأميركية والبريطانية لقصف طرابلس وبنغازي.

وبالرغم من اتفاق الأجنحة السياسية الرئيسية التي تناوبت على الحكم في إيطاليا على حيوية العلاقة مع ليبيا، فإن السياسة الليبية في عقد الثمانينات وردود الفعل الغربية تجاهها لم تترك للحكومات الإيطالية مساحة للمناورة، خصوصا وأن الطرف الليبي تجاوز كل قواعد اللعبة السياسية، وأخضع تعاطيه مع الغرب للمعيار الأيديولوجي الصرف، ووظف ما توفر لديه من إمكانيات لفرضه كسياسة خارجية.

"
هذا الاتفاق يشكل سابقة للدول المستعمَرة لكي تسعى للحصول على تعويضات
"
ليبيا.. إدارة الأزمة مع إيطاليا

في مرحلة لاحقة شهدت ليبيا تراجع تأثير الأيديولوجيا على السياسة بعد الهزة العنيفة التي واجهها النظام الليبي نتيجة لاحتدام الصدام مع الغرب، وجنوحا إلى النزعة البراغماتية في إدارة الأزمات مما حدا بالدبلوماسية الليبية لأن تجعل من الحقبة الاستعمارية أحد أهم ملفات السياسة الخارجية، وانعكس أثر ذلك بشكل مباشر على مسار العلاقات الليبية الإيطالية حتى بعد بوادر قبول عودة ليبيا إلى المجتمع الدولي.

وبالفعل تمت التوأمة بين الإلحاح الليبي والتغيرات الدولية السياسية والاقتصادية، بحيث لم يبق للإيطاليين خيار آخر للتغلب على ما اعتبروه عائقا حقيقيا أمام إعادة تأسيس العلاقة مع ليبيا وفق مبادئ وقواعد تخدم المصالح الإيطالية.

الدبلوماسية الليبية ركزت على التعويضات وجعلت من ملف المنفيين الليبيين إلى الجزر الإيطالية، إبان الغزو الإيطالي، الذين تقدر الخارجية الليبية عددهم بأربعة آلاف منفي، جوهر التعاطي مع الملفات الشائكة التي عرقلت تطور العلاقات بين البلدين.

ويرى مراقبون أن رد الفعل الليبي الحاد على تصرفات كالديرولي، وزير الإصلاح في حكومة برودي، ثم موقف طرابلس من قرار ضمه إلى حكومة برلسكوني الجديدة بعد إعادة انتخابه في أبريل/نيسان الماضي إنما هو تفرع عن المسار الذي اختطته طرابلس للضغط على روما فيما يتعلق بمطالبها لمعالجة حقبة الاستعمار من جهة، ومن جهة ثانية لمواجهة الضغوط الإيطالية المتزايدة فيما يتعلق بالمهاجرين غير الشرعيين الذين تنطلق قواربهم من السواحل الليبية.

ومن الملاحظ أن التصعيد الليبي بشأن ضم كالديرولي للحكومة الجديدة يتعدى نقطة المساس بالمشاعر الدينية للعرب والمسلمين، وقد أثبتت الدبلوماسية الليبية قدرة على احتوائها والتعاطي معها بنفس أطول مما كان في مناسبات وحوادث مشابهة.

إلا أن ما يفسر هذا التصعيد الذي بدا قويا في تصريح سيف الإسلام نجل العقيد القذافي بقوله "إذا ما تم تعيين ذاك الوزير من جديد فإن ذلك ستكون له آثار كارثية على العلاقات بين إيطاليا وليبيا"، هو تقدم مسار التفاوض بشأن القضايا الكلية الشائكة تقدما تكلل باتفاقية الصداقة مناط النقاش في هذا المقال.

من ناحية ثانية فقد شكل الموقف الليبي من كالديرولي اختبارا لتعاطي روما مع المطالب الليبية، بالرغم من اتفاق اليسار برئاسة برودي مع حكومة رئيس الوزراء برلسكوني اليمينية على رفض الموقف الليبي، واعتبار تعيين كالديرولي شأنا داخليا ومطالبتهم ليبيا أن "تهتدي في البدء وقبل كلِّ شيء إلى الديمقراطية".

إلا أن ذلك بدا كبرياء زائفة إذ ما لبث كالديرولي أن قدم اعتذارا عن مواقفه وتصريحاته ليتم تخطي الأزمة مع طرابلس.

منحى التركيز على الحقبة الاستعمارية والمنفيين شهد صعودا حادا منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي ارتبط بتحولات في السياسة الخارجية بعد تطور النزاع مع الولايات المتحدة الذي أدى إلى ضربات جوية في مدينتي طرابلس وبنغازي استهدفت مقر إقامة العقيد القذافي، وكذلك تراجع نزاعات طرابلس مع جاراتها، مع عدم استبعاد الحاجة للتركيز على هذا الملف لدواعي التفاعلات المحلية واحتواء حالة الاحتقان الداخلي.

من ناحية أخرى فإن الاتفاق يأتي في سياق روح توَّاقة طغت على كيان صانع القرار الليبي لتحقيق مزيد من الاختراقات في العزلة التي فرضت على ليبيا، وفي سياق سلسلة من الإنجازات المتتالية في فترة زمنية قصيرة لا بد وأنها ستكون حاسمة وفاعلة في رد الاعتبار للنظام الليبي، ومن ثم التمهيد لتمرير جوهر سياسته الخارجية الحالية ومحور ارتكازها، وهو التوجه صوب أفريقيا ولعب دور ريادي فيها، وقد بدت إيطاليا هدفا سهلا لتحقيق هذا الإنجاز.

وفي هذا السياق تأتي تصريحات العقيد القذافي في خطابه بمناسبة ذكرى وصوله للحكم بأن هذا الاتفاق يشكل سابقة للدول المستعمَرة لكي تسعى للحصول على تعويضات.

كما أنه لم يتردد في دعوة دول المغرب العربي لتحذو حذو ليبيا في الضغط على فرنسا للتوصل إلى اتفاق مشابه، وذلك في زيارته الشهر الماضي لتونس.

الجدل الغربي حول الاتفاق
برلمانيون ومعارضون إيطاليون انتقدوا عدم الوضوح في اتفاقية الصداقة، استنادا إلى أن الاتفاقية لا تتفق وتعهدات روما الدولية ذات الأهمية الحيوية والبعد الإستراتيجي، كما طالب رسميون غربيون بإيضاحات من الخارجية الإيطالية.

"
من المتوقع أن يشكل الاتفاق الليبي الإيطالي قوة دفع تزحزح الصلف الفرنسي باتجاه الاعتذار عن الاستعمار، وسيكون بمثابة ورقة ضاغطة لحشد مزيد من القوى السياسية في الجزائر وحتى في فرنسا لدفع باريس إلى تغيير موقفها
"
وقد علق رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الإيطالي لامبرتو ديني بما سماه تناقضا بين الاتفاقية وميثاق حلف شمال الأطلسي، وذلك في إشارة إلى ما ورد على لسان العقيد القذافي عشية توقيع الاتفاق، وتناقلته وسائل إعلام ليبية وإيطالية، من تضمين الاتفاقية بندا متعلقا بعدم سماح إيطاليا لحلف شمال الأطلسي باستخدام أراضيها لشن عدوان على ليبيا.

وهذا الأمر لم تقره رئاسة الوزراء الإيطالية، فسارعت بالرد بأن "اتفاق الصداقة يستثني التزام البلاد بالتعهدات السابقة وفق مبادئ الشرعية الدولية".

ولا يتصور أن يشكل التضارب بين الطرفين في هذه المسألة عائقا أمام تطبيق الاتفاق، ولا يتوقع أن تقدم روما على تضمين بند كهذا دون التشاور مع شركائها في الحلف.

والمسألة بالبديهة مصادمة لميثاق الحلف، ومن المحتمل أن لا يتعدى الأمر الطمأنة الشفهية من قبل الطرف الإيطالي دون التعهدات الموثقة.

إلا أن الخلاف سيظل مادة لتبرير وقف العمل بالاتفاق من قبل الطرف الليبي، وفي شق التعاون الكامل لمكافحة الهجرة غير الشرعية تحديدا وذلك في حال نشوب أزمة سياسية بين الطرفين.

سابقة مهمة للدول المستعمَرة
لم يكن لقرار روما بالاعتذار ودفع تعويضات عن فترة استعمارها لليبيا أثر إيجابي مباشر على الدول التي استعمرت المنطقة العربية، فقد صدر عن الخارجية الفرنسية ما يؤكد عدم نية فرنسا أن "تحذو حذو إيطاليا في قرارها مكتفية بسياسة القيام بخطوات صغيرة تجاه الجزائر دون الإعراب عن الندم".

غير أن القرار الإيطالي شكل سابقة ليست ثانوية كما يؤكد المؤرخ الفرنسي جان بنجامين ستورا، بل إنه كما قال "إشارة قوية تأتي معاكسة تماما لخطاب عدم إعلان الندم".

وبالتالي من المتوقع أن يشكل الاتفاق قوة دفع قد تزحزح الصلف الفرنسي باتجاه الاعتذار، وسيكون بمثابة ورقة ضاغطة لحشد مزيد من القوى السياسية في الجزائر، وحتى في فرنسا لدفع باريس إلى تغيير موقفها.

غير أن التغير في الموقف الرسمي الفرنسي في المدى القصير لن يحدث بمجرد ممارسة ضغوط من الطرف الجزائري، بل سيعتمد على التحولات في العلاقات الدولية سياسيا واقتصاديا وعلى التنسيق المغاربي.

وإن كانت التحولات في العلاقات الدولية تعضد توجه باريس في الوقت الراهن فإنها قد تناقض مصالحها في المدى المتوسط والطويل اللذين ينذران بتحولات مهمة بسبب السرعة التي تتسم بها التطورات على الساحة الدولية في هذه المرحلة.
__________________
كاتب ليبي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة