نوبل ومحنة الروهينغا: حتى أنت يا أونغ تشي!   
الأربعاء 15/1/1434 هـ - الموافق 28/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:40 (مكة المكرمة)، 11:40 (غرينتش)
عبد الله علي إبراهيم

قام الرئيس أوباما بزيارة لميانمار (بورما) يوم الاثنين الموافق 19 نوفمبر/تشرين الثاني. وهي الأولى لرئيس أميركي. وجاءت الزيارة تفاؤلاً منه بوجهة الإصلاح التي يستنها الجنرال ثين شين رئيس بورما، العضو في الطغمة العسكرية التي تولت الحكم في 1962، فأثمرت انتخابات حرة في2012 قَبِل الجنرالُ بنتيجتها، وهو ما لم يفعله رفاقه في انتخابات 2010.

وصار لخصوم الطغمة -وعلى رأسهم أونغ سان سو تشي الحائزة جائزة نوبل لنضالها من أجل الديمقراطية- وجود معارض شرعي في البرلمان. من جهة أخرى جاءت الزيارة في وقت انزعجت فيه دوائر حقوق الإنسان للترويع الذي يلقاه شعب الروهينغا المسلم (800 ألف نسمة) في ولاية أراكان بغرب البلاد.

واعترضوا على زيارة أوباما وقالوا له: لربما استعجلت. فرد عليهم أنه لا يريد بزيارته تزكية حكومة ميانمار، ولكنه ينشرح لبشريات إصلاح بدأ فيها، لابد أن يجري مجراه ويشمل بصورة مباشرة رفع الأذى عن الروهينغا. وهناك من رد تصميم أوباما على زيارة ميانمار إلى أنه يريد أن يرى بلداً شكل بعض آفاق جده أوباما الذي عمل في خدمة أحد الضباط الإنجليز ببورما/ميانمار.

ما استغربته دوائر حقوق الإنسان حقاً هو صمت السيدة تشي زعيمة المعارضة الحالية عن شجب صنوف الأذى الجسيم الذي يقع منذ شهور على الروهينغا الذين صار نكران حقوقهم في وطنهم مضرب المثل، حتى وصفتهم الأمم المتحدة بأنهم الأكثر اضطهاداً في العالم 

ما استغربته دوائر حقوق الإنسان حقاً هو صمت السيدة تشي زعيمة المعارضة الحالية عن شجب صنوف الأذى الجسيم الذي يقع منذ شهور على الروهينغا الذين صار نكران حقوقهم في وطنهم مضرب المثل، حتى وصفتهم الأمم المتحدة بأنهم الأكثر اضطهاداً في العالم.

وما استعجبته تلك الدوائر أن تشي ليست مجرد سياسي معارض من سائرهم، بل حاملة لجائزة نوبل في 1991 التي استحقتها بجهاد سياسي وروحي طويل ضد خروق فاحشة للطغمة العسكرية الطويلة العمر في بلادها. ولم تستلم الجائزة في طقوسها المعروفة إلا في يونيو/حزيران من هذا العام، بالنظر إلى التحفظات الأمنية عليها، حتى تكلل جهادها بتغييرات سياسية سمحت لها بحرية الحركة.

اكتنف حرجٌ عظيمٌ جولة تشي في الولايات المتحدة بعد تسلم جائزة نوبل في يونيو/حزيران الماضي لتزايل صوتها الجهير في الدفاع عن حقوق الإنسان حين جاء وقت محنة مواطنيها الروهينغا. ففي فرصة النقاش بعد كلمة ألقتها سألها طالب من تايلند عن إحجامها -وهي من ألهم الناس جميعاً الدفاع المستميت عن حقوق الإنسان- عن إدانة خروق حكومة بلدها وأهلها البوذيين الثيرفادا لحقوق الروهينغا.

وقيل إنها أجابت -وقد تغير صوتها وأحتد- فقالت إنه ينبغي ألا ننسى أن التعدي على تلك الحقوق وقع من الجانبين. وعليه فالأمر ليس أمر إدانة طرف دون طرف. فهي تدين كل مخالفة لحقوق الإنسان من أين جاءت. والتزمت أونغ تشي بهذه التسوية الأخلاقية (moral equivalence) التي استنكرت خرق كل من الروهينغا المسلمين والبوذيين لحقوق الآخر الإنسانية.

يرجع الروهينغا إلى تجار عرب تحطمت سفينتهم في القرن الثامن الميلادي، فأقاموا بولاية أراكان التي بينها وبين ميانمار جبال، بينما يفصلها عن بنغلاديش (1971) نهر الناف. وقيل إن الاسم "روهينغا" محرف من "رهام" التي هي تحريف باكر لـ"الرحمة" التي سألها التجار العرب من الله شفقة لحالهم مع البحر. ثم لحقت بهؤلاء العرب هجرات تتالت من البنغال. ولم تصبح أراكان -المملكة القروسطية المستقلة- جزءاً من بورما إلا في 1784.

فعمل البورميون فيهم استئصالاً بالقتل والطرد إلى بنغلاديش الحالية. وبقي منهم بها نفر قليل حين احتل الإنجليز بورما في 1824. وضاعفت ملابسات الحرب العالمية الثانية سوء أوضاعهم. فقد احتموا بالبريطانيين. ولما انسحب الإنجليز من بورما ذاق الروهينغا الأمرّين من البوذيين والغزاة اليابانيين معاً.

فهاجر منهم 22 ألفا إلى البنغال. وبدؤوا جهاداً مسلحاً ضد حكومتهم في 1947 طلباً للاستقلال عن بورما. وهو جهاد أجهز عليه انقلاب الجنرال ني وين الذي حمل عليهم عقدين لإخضاعهم باسم الوطنية البورمية والبوذية الثيرفادا. فلجأ 200 ألف منهم إلى البنغال. وهدموا لهم بـِيَعاً ومساجد وأثقلوا عليه بالسخرة. واتصل الاضطهاد فهاجر منهم في 1990-1991 ربع مليون نسمة إلى بنغلاديش. ويوجد منهم 111 ألف على حدود بلدهم بتايلند.

وصنوف اضطهاد الروهينغا متعددة، كحرمانهم من الجنسية الميانمارية بنص قانون للجنسية صادر في 1982. فهم الغرباء بلا منازع في وطنهم. فلا يحصون من ضمن سكان البلد، وليس لقوميتهم وجود ضمن قائمة قوميات ميانمار المائة والثلاثين. وجرى وصفهم بأنهم مسلمون بنغال بدون. وصار منحهم الجنسية موضوع ابتزاز، مثل أن يصوتوا لحزب العسكريين إن أرادوها، ثم يتنصل الحزب بعد قضاء وطره.

وبخست ميانمار الروهينغا حقوقهم. فلا حق لهم في التعليم على الدولة، ولا يسمح لهم بملكية الأرض، ولا أن يلدوا أكثر من طفلين. وكذلك هم محرومون من السفر وحرية الحركة -حتى من قرية إلى أخرى- إلا بضمان سداد الضريبة. وتحرمهم الدولة من حق الدفاع عن النفس متى وقفوا أمام المحاكم. ولا يسمح لهم بالعمل في الجيش أو الشرطة.

وليس مستغرباً أن يطلب رئيس بورما طرد كل الروهينغا أو وضعهم في ذمة الأمم المتحدة لإعادة توطينهم. ولخصت أمنستي إنترناشونال في يوليو/تموز 2012 جور ميانمار بحق الروهينغا بقولها إنهم بين كماشة أمن الدولة وتعصب البوذيين. فالجماعتان تقتلانهم وتحطمان ممتلكاتهم. وهم عرضة للاغتصاب، ويسخرون للبوذي والحكومة، ويفرضون عليهم الحبس التحفظي. ولا يسمحون لهم ببناء المساجد أو تعميرها بغير إذن الحكومة، حتى إنه لم تبنَ مدرسة إسلامية أو مسجد منذ 20 عاماً.

الروهينغا عرضة للاغتصاب، ويسخرون للبوذي والحكومة، ويفرضون عليهم الحبس التحفظي، ولا يسمحون لهم ببناء المساجد أو تعميرها بغير إذن الحكومة 

من الواضح أن فشل تشي في التعاطف مع محنة الروهينغا خصيصة في الحركة الديمقراطية لاستعادة الحقوق الأساسية في ميانمار. فالمنظمات البوذية المدنية التي ناضلت من أجل الديمقراطية أصمت آذانها عن عذابات الروهينغا. بل أطلقت العودة للديمقراطية عقدة لسان بعضها لتكشف أثقال حزازاتها التاريخية اللئيمة عليهم.

فقال كو كو قاي -وهو من طليعة جيل الثمانينيات- إنهم صمتوا عن كل ذكر للروهينغا زمنا طويلا. ولا يغرنك ذلك. فقول قاي معيب. فقد صار بوسعه بعد هذا الصمت -كما قال- أن يطعن في مواطنتهم. فهم أجانب. وحذّر من العنف الذي يقتحم بلده عبر الحدود ومن بلاد أجنبية. وقرَّع الدول التي تذيع أن مانيمار لا تعترف بالروهينغا أن تتعلم كيف تحترم سيادة مانيمار.

وعلى بسالة نضال الديمقراطيين في ميانمار ضد الطغم العسكرية فإنهم -في البادي- تشربوا الهوية الميانمارية، كما جرعتها لهم المدرسة التاريخية الوطنية والطغمة العسكرية التي حكمت منذ 1962. فلإنكار مواطنة الروهينغا سند من هذه الهوية التي تقصر ظلهم في تاريخ البلد.

فطوال عهد الطغمة العسكرية كانت هوية البلد المعتمدة أنه بلد الشعب البورمي والبوذية الثيرفادا. وكان تبشيع الروهينغا مادة الإعلام الوطني. فصفتهم فيه أنهم "كلاس" أي سود وبنغال لا موضع لهم بين الشعب البوذي الثيرفادي السيد. وصورتهم فيه أنهم أقبح خلق الله قاطبة ولا شبه لهم إلا في السعالي. ويقال إنهم جاؤوا إلى ولاية أراكان في عهد الاستعمار الإنجليزي، رغم أن المباحث الأكاديمية المؤكدة تشير -بلا لبس- إلى وجودهم حيث هم في آخر القرن الثامن عشر.

أتعس خلق الله من كانت كلماته هو نفسه شاهداً عليه. وتشي تعيسة لأنها روجت لمعان غراء أشجت العالمين خلال نضالها ضد الطغاة في بلدها، ثم سرعان ما نكصت عنها عند أول اختبار. فمن بين كلماتها البليغات واحدة عن الجسارة سارت بها الركبان ناقضت بها العبارة الرائجة عن القوة التي تفسد وتفسد بإطلاق ما كانت مطلقة. فربطت بين الجسارة والحقيقة. فقالت إن القوة/الشوكة لا تفسد المرء كما يقال. فما يفسده حقاً هو الخوف: خوف أن تفقد شوكتك. فالخوف يفسد القابضين على زمام القوة وأدواتها. وللشوكة -من الجانب الآخر- أشباح تفسد من خضعوا لها بدورها.

وما أن صار لتشي بعض الشوكة في سياسة ميانمار حتى أفسدها الخوف. فانتظر الناس منها أن تلقي بثقلها الأخلاقي الرهيب لاستنقاذ الروهينغا الذين تزامنت دورة اضطهادهم الأخيرة منذ مايو/أيار الماضي مع أيام بهجة السيدة بجولة التهنئة بجائزة نوبل المتأخرة. ولكنها راوحت بين الصمت والعبارات المحايدة الحذرة، كما قال المعلقون.

فوصفت ما يقع في بلدها بـ"المأساة العالمية العظمى". وبررت صمتها عن لا أو نعم بأنها تريد أن تسعى بالصلح بين المسلمين والبوذيين، وأنها متى مالت لطرف دون الآخر فسدت مهمتها. وأصرت دائماً على أن العنف متبادل بين الجماعتين. وكشفت عن تشبعها بالقومية البورمية البوذية بصمتها عن حق الروهينغا في المواطنة بإيحائها بأنهم أجانب. فقالت -بغير تعليق- إن الخلاف قائم فيما إن كان الروهينغا مواطنين في مانيمار أم إنهم مهاجرون من بنغلاديش. فأكثر المشكلة هم المهاجرون غير الشرعيين من الثانية إلى الأولى. ودعت إلى أن يقف هذا التسلل أو أنه لن تكون نهاية للمشكلة. وطالبت بحكم القانون. فلن نبلغ الحل للمشكلة -في قولها- بينما يحرق الواحد منزل الآخر.

جسارة تشي خانتها حيال محنة الروهينغا لسبب لم تستعد له، وهو الخوف الذي يفسد مفسدة مطلقة. ولفت المعلقون إلى مناشئ خوفها. فطلبت منها الخارجية البريطانية أن تعمل شيئاً من موقع شوكتها المستجد بوصفها رئيسة لجنة حكم القانون والسلام والطمأنينة في البرلمان. وقل وزير بريطاني: "أتوقع منها أن تضطلع بدور قيادي أخلاقي في هذا الأمر. ولكنها في الحقيقة لم تقل عنه شيئاً. إن لها سلطاناً أخلاقياً في ميانمار، ولكن ربما صعب عليها سياسياً أن تأخذ موقفاً مناصراً للروهينغا، مع أنه الموقف الصحيح بالتحديد".

وصفت تشي ما يقع في بلدها بـ"المأساة العالمية العظمى"، وبررت صمتها عن لا أو نعم بأنها تريد أن تسعى بالصلح بين المسلمين والبوذيين، وأنها متى مالت لطرف دون الآخر فسدت مهمتها

وقال آخرون إن جسارتها تخلت عنها بعد أن صارت سياسية مشغولة بانتخابات 2015 التي تسعى ليفوز حزبها بها، وبأغلبية تتيح له تغيير الدستور. وهذا ما جعلها عالة على أصوات البوذيين الذين يكرهون الروهينغا ويعتقدون أنهم متسللون إرهابيون. وتقر دوائر حقوق الإنسان بوجاهة مطلب تعديل الدستور، ولكنها تتساءل عما إن كان تَمَنُعُ تشي -إن لم يكن رفضها- في الدفاع عن بعض شعبها المسلم هو الثمن المناسب لهذه الخيبة. وتساءل المعلقون عما إن كانت تضحيتها بمبدأ أصل في حقوق الإنسان وتوقيرها بمثابة صفعة على وجه كل أولئك الذين عملوا بعزيمة لإطلاق سراحها من الحبس التحفظي. 

لم يقوَ حتى أوباما على تغطية سوأة تشي -عضو نادي حمَلة جائرة نوبل مثله- رغم دماثتة. فلم يثر المحنة في لقائه بها في بيتها، على أنه توقف بشاعرية عذبة عند عذابات الروهينغا في محاضرته بإحدى الجامعات. فقال إنهم عانوا من الفقر والاضطهاد -بغير مسوغ- على ما يحملونه في جوانحهم من كبرياء، مثل ما يحمل هو وغيره من الناس.

وطالب أن يتوقف التحريض عليهم والعنف بحقهم. وربما اعترفت تشي بكبوة حامل لجائزة نوبل في لقاء أوباما ومن وراء حجاب، وبصوت قيل إنه كان خفيضاً لم يسمعه الناس. فقالت إن الحرية والكرامة الإنسانية لا يمكن مطلهما، وعلينا ألا ننخدع بسراب النجاح دون النجاح الحق. ولم تضع النقط على الحروف مع ذلك.

أليس في لوائح جائزة نوبل ما يحجبها عن حاملها الذي خاف فأدار وجهه من الإثم والعدوان إلى الجهة الأخرى؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة