إعادة اكتشاف معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية   
السبت 12/12/1433 هـ - الموافق 27/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:05 (مكة المكرمة)، 8:05 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح

بعد نيف وثلاثين عاما من توقيعها، عادت مجددا معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية إلى واجهة الجدل الإستراتيجي في كل من واشنطن وتل أبيب والقاهرة على خلفية تصاعد وتيرة الأحداث الإرهابية المتتالية التي ضربت سيناء منذ سقوط نظام مبارك، وما استتبعته من ترتيبات وإجراءات أمنية نوعية مصرية في شبه الجزيرة بالتنسيق مع الجانبين الإسرائيلي والأميركي.

كشف حساب
عن الجدل المحتدم حول معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، انبثقت وجهات نظر متنوعة، بل ومتعارضة أحيانا، بين تل أبيب وواشنطن من جهة، والنظام الجديد في القاهرة من جهة أخرى. فمن جهتهما، تسعى كل من إسرائيل والولايات المتحدة لاستبقاء المعاهدة لأجل غير مسمى ومن دون إدخال أي تعديلات أو إصلاحات على صيغتها التي أبرمت بها في العام 1979. بل تذهب تل أبيب إلى أبعد من ذلك حينما تدعي أن شيئا من الإصلاح أو التعديل أو الإلغاء قد يطول تلك الصيغة سيكون كفيلا بتلغيم العلاقات المصرية مع كل من تل أبيب وواشنطن فضلا عن تفخيخ السلام والاستقرار في المنطقة بأسرها.

مصر الثورة ترى أن معاهدة السلام مع إسرائيل تتضمن بنودا تخل بمصالح مصر وتنال من سيادتها وأمنها الوطني إلى حد هو إلى الإجحاف أقرب

أما مصر الثورة، وعلى خلاف النهج الذي انتهجه نظام مبارك حيال تلك المعاهدة وإزاء العلاقة مع إسرائيل على وجه العموم، فترى، حكومة وشعبا، أن المعاهدة تتضمن بنودا تخل بمصالح مصر وتنال من سيادتها وأمنها الوطني إلى حد هو إلى الإجحاف أقرب. وهو ما يستوجب ضرورة إعادة النظر فيها وإدخال تعديلات وإصلاحات على بعض بنودها بما يكفل إنهاء هذا الخلل والإجحاف. لا سيما أنه يحق لطرفي المعاهدة مراجعتها بالتوافق بموجب البندين الرابع والسادس من المادة الرابعة بالملحق "أ" منها.

ومن ثم، لا يتورع تيار وطني جارف هذه الأيام عن المطالبة بضرورة تعديل الملحق الأمني والعسكري من المعاهدة، خاصة المادة الثانية فقرة 1 (أ وب) والمادة الثالثة فقرة 1 ( أ وب)، أو إضافة بروتوكول أمني يتعلق بالمنطقة (ج) فقط، على غرار ملحق اتفاق ممر صلاح الدين الذي وافقت إسرائيل على إضافته في العام 2005، بما يتيح إعادة ترسيم حدود المناطق أ وب وج، وتعديل حجم ونوعية القوات والأسلحة التي يمكن نشرها فيها وتعزيزها بقوات من المشاة والقوات خفيفة الحركة، مثل الصاعقة والمظلات وعناصر من الشرطة العسكرية القادرة على التتبع والمطاردة في المناطق الجبلية والصحراوية بما يحول دون عمليات التهريب والتسلل على طول الحدود الممتدة من رفح شمالا حتى طابا جنوبا.

تنسيق أمني
جعلت العولمة وثورة الاتصالات من التعاون والتنسيق بين الأجهزة الأمنية والاستخبارية سمة أساسية لنشاطاتها في عالم ما بعد الحرب الباردة، انطلاقا من مبدأ الأمن الجماعي وتوخيا لتنسيق الجهود الدولية الرامية إلى محاربة التهديدات العالمية المشتركة كالإرهاب والجريمة المنظمة وانتشار أسلحة الدمار الشامل.

ومن هذا المنطلق، بدت اتفاقية السلام المبرمة بين مصر وإسرائيل في العام 1979 سببا وهدفا في آن لما اصطلح على تسميته بالتنسيق الأمني والاستخباري بين القاهرة وتل أبيب. فشأنها شأن غالبية اتفاقيات السلام المبرمة بين دولتين أو أكثر حول العالم، هيأت اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية الأجواء لتعاون وتنسيق خجولين وموسميين بين أجهزة الأمن والاستخبارات في البلدين.

غير أن وتيرة هذا التنسيق قد تصاعدت بعض الشيء بجريرة استفحال خطر التنظيمات الإرهابية والحركات الجهادية المسلحة في شبه جزيرة سيناء عقب الإطاحة بنظام مبارك في فبراير/شباط 2011.

وبدورها، لا تكف المصادر الرسمية الإسرائيلية عن التأكيد على وجود تنسيق أمني بين ممثلي الجيشين الإسرائيلي والمصري على المستوى الميداني، فضلا عن تواصل الحوار بين كبار المسؤولين في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ونظرائهم في أجهزة الاستخبارات المصرية. وكراعية لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، كانت الولايات المتحدة حاضرة طرفا ثالثا في كل مراحل عملية التنسيق الأمني والاستخباري بين القاهرة وتل أبيب، إلى حد ممارسة الإدارات الأميركية المتعاقبة ضغوطا هائلة على القاهرة لحملها على مواصلة ذلك التنسيق مع الدولة العبرية.

وبمقتضى ذلك التنسيق الأمني والاستخباري بين القاهرة وتل أبيب، اضطرت الأخيرة في أحيان عديدة لتقبل استثناءات وقتية بمعاهدات السلام المبرمة بين الطرفين يتسنى للجانب المصري بموجبها الدفع بأعداد أكبر من قواته المسلحة كما أسلحته الثقيلة وطائراته المقاتلة في المنطقة (ج) من شبه جزيرة سيناء، التي تلاصق أراضي الدولة العبرية مباشرة.

فبينما قام الجيش المصري بعملية إعادة انتشار جزئي لقواته في سيناء إبان الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في العام 2005، وافقت تل أبيب العام الماضي على نشر قوات مصرية وأسلحة ثقيلة في المنطقة (ج)، وعقب حادث الاعتداء على القوات المصرية في إحدى النقاط الحدودية مع إسرائيل في أغسطس/آب الماضي، جاءت موافقة الأخيرة على انتشار قوات وأسلحة ثقيلة في ذات المنطقة، وذلك ضمن عملية نوعية للجيش المصري في سيناء كانت الأضخم منذ حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 لتطهير شبه الجزيرة من العناصر الإرهابية والمتطرفة.

وفيما كانت اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية هي القاعدة التي انطلق منها التنسيق الأمني والاستخباري بين تل أبيب والقاهرة، فإن إبقاء هذه الاتفاقية وعدم السماح بانتهاكها أو المساس بها من الجانب المصري تحت أي ظروف قد شكلا معا مقاصد أساسية وذات أولوية قصوى لهذا التنسيق، خصوصا لجهة إسرائيل.

حالة الهلع التي تتملك الإسرائيليين مخافة أي تدهور في اتفاقية السلام قد دفعت بمتطرفيهم إلى تحذير النظام الجديد في مصر من مغبة التفكير في التحلل من هذه الاتفاقية أو تفريغها من مضمونها

وفي مناسبات عديدة، لم تخف دوائر سياسية وأمنية إسرائيلية مساعيها الدؤوب عبر مختلف السبل الممكنة والقنوات المتاحة من أجل إبقاء الحوار والتنسيق المباشر على المستويات السياسية والعسكرية العليا مع القاهرة، وتفعيله على النحو الذي يكفل الحفاظ على اتفاق السلام المبرم بين البلدين، ويحول دون انزلاق العلاقة بينهما إلى غياهب التوتر والاضطراب.

ويبدو أن حالة الهلع التي تتملك الإسرائيليين مخافة أي تدهور في اتفاقية السلام قد دفعت بمتطرفيهم إلى تحذير النظام الجديد في مصر من مغبة التفكير في التحلل من هذه الاتفاقية أو تفريغها من مضمونها، فبعد أن عبر عن قلقة مما عده محاولات ممنهجة من الرئيس مرسي لتقليص مستوى التنسيق والحوار الأمني بين بلاده وإسرائيل توخيا لإحداث ما وصفه بتآكل فعال في اتفاقية السلام بين البلدين على غرار ما فعلته القاهرة قبل عدة أشهر بإلغائها اتفاقية تصدير الغاز لإسرائيل من جانب واحد، هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإمكانية تدخل قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في سيناء لتقويض الإرهاب المتفاقم فيها، على حد زعمه.

ورغم تعدد القراءات لتلك التهديدات والتحذيرات الإسرائيلية، فإنها تطوي بين ثناياها إيحاءات بمدى هشاشة التنسيق الأمني والاستخباري بين القاهرة وتل أبيب، ليس بسبب موسمية هذا التنسيق أو إقدام دوائر أمنية وسياسية إسرائيلية على تفزيع الإسرائيليين جراء الانتشار العسكري المصري الكثيف والمؤقت على الحدود مع بلادهم فحسب، ولكن أيضا لتمسك الولايات المتحدة وإسرائيل بموقفهما الرافض لإدخال أي تعديلات على الأساس القانوني والسياسي لهذا التنسيق الأمني والمتمثل في اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، رغم التغيرات والتطورات الجوهرية التي أحاطت بهذه الاتفاقية طيلة ما يربو على ثلاثين عاما والتي توفر مسوغات قانونية لتعديلها وإعادة النظر في بنودها، وفقا لما نص عليه القانون الدولي في هذا المضمار.

فتنة الخطاب
فتنة هي تلك التي أشعلتها إسرائيل بتسريبها نسخة من خطاب الاعتماد الذي تقدمت به الرئاسة المصرية لنظيرتها الإسرائيلية بغية اعتماد سفير مصر الجديد لدى تل أبيب، فقد تضمنت الصورة الزنكوغرافية للخطاب عبارات ودية وحميمية اشتم بعض المراقبين فيها رائحة الاستفزاز.

ورغم تأكيد الرئاسة ووزارة الخارجية المصريتين أن تلك الصيغة هي المتبعة في هكذا مناسبات، فإن جدلا شعبيا واسعا قد اندلع في مصر على خلفية ذلك التسريب، ليس فقط لعدم تناسب محتوى الخطاب مع خصوصية العلاقة بدولة كإسرائيل، ولكن لتناقض ذلك المحتوى مع ما هو معلن من سياسة الرئيس مرسي وتصريحات مساعديه وقيادات جماعة الإخوان المسلمين حيال إسرائيل والذي بلغ حد تجاهل الرئيس مرسي ذكرها بالاسم في خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، فضلا عن تأخر رئاسة الجمهورية في إصدار بيان صريح تزيل من خلاله أي لبس.

مخطط إسرائيلي
في وسع المراقب أن يلمس تلاقيا بين التسريب الإسرائيلي المتعمد والمغرض لخطاب اعتماد السفير المصري الجديد لديها ومؤشرات ثلاثة هامة متزامنة.

أولها، دعوة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع في رسالته الأسبوعية التي نشرها الموقع الإلكتروني الرسمي للجماعة والمسمى "إخوان أون لاين" قبل انتصاف الشهر الجاري للجهاد بغية تحرير فلسطين والمسجد الأقصى من الاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يعرف غير لغة القوة ولا يرضخ إلا للبطش. وهو ما يطوي بين ثناياه نوايا إسرائيلية لإحراج جماعة الإخوان والنيل من صدقية الرئيس مرسي بين المصريين فيما يخص موقفه من العلاقة مع إسرائيل التي أضفى عليها هذا التسريب مسحة أقرب إلى الازدواجية.

بيد أن هذا التسريب لم يكن الأول من نوعه، حيث سربت إسرائيل طيلة المائة يوم المنقضية من حكم الرئيس مرسي قرابة خمس وثائق بين خطابات واتصالات رسمية بين القاهرة وتل أبيب، تظهر جميعها حرص الإدارة الجديدة في مصر على التقارب مع تل أبيب، بخلاف ما هو معلن للمصريين من مواقف تبدو متشددة حيالها. 

وثانيها، تجديد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو رفضه الموافقة على المطلب المصري بتعديل معاهدة السلام مع مصر بما يتيح للأخيرة زيادة أعداد قواتها ومستوى تسليحها في سيناء، وهو الرفض الذي برره نتنياهو بأن أي تعديلات تدخل على الاتفاقية سوف تعرضها وسواها من الاتفاقيات المبرمة مع دول أخرى للخطر، كما ستحول دون إبرام أي اتفاقات سلام جديدة في المنطقة مستقبلا.

ثمة تكهنات بوجود مخطط إسرائيلي، مدعوم أميركيا، يرمي إلى التشكيك في قدرة مصر على حفظ الأمن في سيناء بما يمهد السبيل لمنح السيطرة الأمنية الفعلية عليها لتل أبيب وحلفائها الغربيين

وثالثها، تبني الدوائر الصهيونية والإسرائيلية حول العالم إستراتيجية دعائية للتشهير بما تعده عجزا مصريا عن حفظ الأمن في سيناء، التي توشك أن تغدو مركزا للإرهابيين الذين يستهدفون أمن إسرائيل واستقرار المنطقة كما المصالح الغربية والأميركية فيها، وذلك في مسعى لحشد رأي عام دولي يدعم رفض تل أبيب إدخال أي تعديلات على محتوى اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية ويمهد السبيل للقبول بتدخل دولي أو إسرائيلي لحفظ الأمن المهترئ في سيناء.

وبناء عليه، فإن تزامن وتناغم التسريب الإسرائيلي لخطاب اعتماد سفير مصر الجديد لدى تل أبيب يشي باحتمال وجود مخطط إسرائيلي، مدعوم أميركيا، يرمي إلى التشكيك في قدرة مصر على حفظ الأمن في سيناء بما يمهد السبيل لمنح السيطرة الأمنية الفعلية عليها لتل أبيب وحلفائها الغربيين، من خلال نشر قوات ومنظومات وأجهزة متطورة للرقابة والإنذار المبكر، الأمر الذي يضمن للإسرائيليين عدم تحول سيناء إلى مصدر لأي هجوم مصري مباغت ضدهم، أو قاعدة تنطلق منها الحركات الجهادية التي تستهدف القوات أو البلدات الإسرائيلية على الحدود مع مصر، أو ممرا ومعبرا لجحافل الهجرة غير الشرعية القادمة من القارة السوداء والمتجهة إلى إسرائيل عبر الأراضي المصرية.

وفي حين قطعت إسرائيل شوطا هاما لتنفيذ هذا المخطط، المدعوم أميركيا، لا تزال أمام المصريين فرصة لإجهاضه من خلال تحري النخبة الحاكمة لمزيد من الشفافية وعدم الاستئثار بالقرار، وتجاوز كل القوى الوطنية لخلافاتها وصراعتها البينية بعد أن تسمو بالمصلحة الوطنية فوق تطلعاتها الفئوية والحزبية الضيقة، حتى تصطف مجتمعة لمواجهة الضغوط الإسرائيلية والغربية، وتوفير الدعم السياسي والتكييف القانوني لمطلب تعديل معاهدة السلام مع إسرائيل، بما يخول القوات المصرية بسط سيطرتها التامة وسيادتها غير المنقوصة على كامل ترابها الوطني، وتفويت الفرصة على أي تدخلات أو مخططات خارجية مغرضة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة