الانتشار العسكري الألماني بين الناتو والتميز الأوروبي   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ نبيل شبيب

- تحول جزئي أم سياسة جديدة؟
- صناعة رأي عام جديد
- اللمسات الأخيرة أثناء حرب العراق

لا يعكس انتشار القوات العسكرية الألمانية عالميا تطور الوضع السياسي لألمانيا نفسها فحسب، بل يعكس أيضا جانبا هاما من جوانب تطور مسيرة التميز الأمني والعسكري في أوروبا عن الولايات المتحدة الأميركية، وهذا ما يستدعي النظر في التدرج التاريخي للانتشار العسكري الألماني، على ضوء ارتباطه بالتبدل التدريجي أيضا في نطاق العلاقات القائمة على جانبي المحيط الأطلسي ما بين حلفاء حقبة الحرب الباردة.

تحول جزئي أم سياسة جديدة؟

خطت حكومة شرودر في الحرب الأطلسية باسم كوسوفا، الخطوة الختامية في مسلسل طويل، نقلت من خلاله ألمانيا في التسعينيات من دولة ناقصة السيادة مقيدة عسكريا إلى دولة لم تعد تتردد في المشاركة بمناطق عديدة من العالم
لم يبدأ الانتشار العسكري الألماني عالميا في عهد الحكومة الائتلافية الحالية برئاسة جيرهارد شرودر، وإنما في عهد سلفه هلموت كول، وهو ما يشير إلى الاستمرارية في السياسة التي اتبعها الائتلاف اليميني بين الاتحاد المسيحي والديمقراطيين الأحرار من قبل، والتي يتبعها الائتلاف اليساري بين الديمقراطيين الاشتراكيين والخضر الآن.

ومن هنا كان تركيز الأنظار على "التحول" الكبير في مواقف هذين الحزبين اللذين كانا يتزعمان في حقبة الحرب الباردة معارضة التسلح في حلف شمال الأطلسي، وهي الفترة التي ولد فيها حزب الخضر في محاضن "حركة السلام" وبقي حتى وصوله إلى الحكومة يتبنى الدعوة إلى انسحاب ألمانيا من حلف شمال الأطلسي، بل وإلى إلغائه بعد سقوط حلف وارسو وانهيار الشيوعية في الشرق.

ولكن هذا التحول بالذات هو الذي يستدعي تفسير توسيع نطاق الانتشار العسكري الألماني تحت مظلة الحلف، بالسياسة التي تتبناها الحكومة الألمانية الحالية بقوة، على صعيد إعطاء التميز العسكري والأمني عن الولايات المتحدة الأميركية دفعات قوية متواصلة، مع اتباع الحذر الشديد من أن تقع "القطيعة" مع واشنطن في الوقت الراهن، أي قبل أن يصل الأوروبيون إلى توحيد سياساتهم الخارجية والأمنية وبناء قوتهم العسكرية خارج نطاق الحلف.

وكانت النقلة الأولى في عهد الحكومة الحالية عام 1999 عندما تحركت قوات الحلف للحرب ضد صربيا بدعوى "إنقاذ كوسوفا". فنهاية الحرب كانت من خلال "خطة سلام" تقدم بها آنذاك وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر –من الخضر- في فترة رئاسة دورية ألمانية للاتحاد الأوروبي، وكان من أهم ما تضمنته الخطة فتح الأبواب مجددا أمام دور مباشر للأمم المتحدة، وبالتالي لعودة الاتحاد الروسي أيضا إلى ساحة المفاوضات بعد أن أقصتهما الصواريخ والمقاتلات الأميركية إقصاء كاملا.

لقد خطت حكومة شرودر في الحرب الأطلسية باسم كوسوفا الخطوة الختامية في مسلسل طويل صنعته خطوات الحكومة السابقة، ونقلت من خلاله ألمانيا في التسعينيات من دولة ناقصة السيادة مقيدة عسكريا تستند إلى الدستور في تعليل امتناعها عن المشاركة في أي مهمة عسكرية دولية خارج نطاق المجال الجغرافي لحلف شمال الأطلسي، إلى دولة لم تعد تتردد في تلك المشاركة في مناطق عديدة من العالم، وإن بقيت حتى سقوط كول وحكومته دون مستوى الممارسة المباشرة لعمليات قتالية.

ولم تكن معارضة حزب الخضر تختلف اختلافا كبيرا عن مواقف حزب الديمقراطيين الاشتراكيين الذي استلم رئاسته جيرهارد شرودر إلى جانب منصبه كمستشار، وهو الحزب الذي لجأ إلى المحكمة الدستورية العليا في محاولة استصدار قرار يوقف تلك المشاركات.

أما الآن فمضى بمواقفه ومشاركته في الحرب الأطلسية ضد صربيا، ثم في الحرب ضد أفغانستان، وفي نطاق ما يسمى "الحرب ضد الإرهاب" إلى أبعد بكثير مما صنعه المسيحيون والأحرار بزعامة كول، وهذا ما وجد من جانبهم –وهم في مقاعد المعارضة– تأييدا كبيرا داخل المجلس النيابي، لم يكونوا يجدون مثله من جانب الديمقراطيين الاشتراكيين في مواقف مشابهة.

صناعة رأي عام جديد

ما يقال عن الدوافع الإنسانية وقضايا حقوق الإنسان لا يمثل سوى قناع مناسب، جنبا إلى جنب مع استغلال ضحايا الحروب والاستبداد، لتحقيق أهداف أطلسية أو أميركية أخرى يدور محورها حول الهيمنة في كل مكان
لم تتبدل الشخصيات السياسية والأحزاب، بل تبدلت ألمانيا نفسها في هذه الأثناء، كما تبدلت نظرة الفرد الألماني إلى دور بلاده عالميا.

فالمواقف الحزبية حتى التسعينيات، لم تكن تعبر عن تحفظات دستورية قدر ما كانت تعبر عن مراعاة للرأي العام الألماني، الرافض بغالبية مرتفعة، عودة ألمانيا إلى ساحة القتال التي كلفتها الكثير في حربين عالميتين، والرافض خاصة للتحرك في تلك المناطق التي عرفت ويلات النازية كالبلقان.

ولم يكن كافيا لتبدل موقف الرأي العام أن تحتل ألمانيا موقعها الاقتصادي القيادي عالميا، ولا أن تستعيد سيادتها الكاملة بعد الوحدة على أنقاض الشيوعية، بل كان من الضروري إعادة تربية الفرد الألماني نفسه، وإعادة صياغة الرأي العام الألماني صياغة جديدة، ليتقبل ما كان يرفضه ويرفضه السياسيون على امتداد أربعة عقود من الحرب الباردة ويحذرون منه أشد تحذير. ولهذا اتخذت العودة إلى ساحات القتال صيغة النزول إليها مجددا، درجة بعد أخرى.

وكانت وحشية الجرائم الصربية في البلقان في التسعينيات هي التي أسقطت آخر الاعتبارات والتحفظات القديمة على مستوى الرأي العام في ألمانيا، ويدرك ذلك المسؤولون في الأحزاب المختلفة، ولهذا لم ينقطع تعليل الانتشار العسكري الألماني بتأكيد عنصر "حقوق الإنسان" والدفاع عنها وكذلك بالحديث عن واجب ألمانيا بالذات، بل أصبحت الخبرات التاريخية الماضية من العهد النازي، توظف لتبرير المشاركة في العمل على الحيلولة دون أن يظهر أمثال "ميلوسوفيتش" فيمارسون ما يمارسه من جرائم حربية بحق الإنسانية.

ولكن بقي الرأي العام الألماني منقسما على نفسه لفترة طويلة، كما كانت تشير عمليات استطلاع الرأي أثناء الحرب الأطلسية الجوية في البلقان، فكان زهاء 50% يرونها حربا عادلة، مقابل 46% لا يرون ذلك، بينما يطالب أكثر من 60% بوقف الغارات الجوية ويعارضون أي حرب برية.

وكان زهاء 50% من الألمان يعربون عن خشيتهم أن يتحول حلف شمال الأطلسي إلى "شرطي دولي" بعد حرب البلقان، وهنا بالذات تكمن احتمالات حدوث تبدل في موقف الرأي العام، ليس في ألمانيا فقط بل في الغرب عموما.

فماذا يقول الفرد الغربي إذا انتشر الاقتناع بأن سائر ما يقال عن الدوافع الإنسانية، وقضايا حقوق الإنسان، لا يمثل سوى قناع مناسب، جنبا إلى جنب مع استغلال ضحايا الحروب والاستبداد، لتحقيق أهداف أطلسية أو أميركية أخرى، يدور محورها حول الهيمنة في كل مكان، وليس خدمة حقوق الإنسان؟

اللمسات الأخيرة أثناء حرب العراق
هذا السؤال كان في مقدمة ما أبرزته المواقف السياسية والإعلامية أثناء الإعداد الأميركي والبريطاني للحرب ضد العراق، وإذا كان ينطوي على بعد إنساني، من المعتاد تناسيه عند المشاركة في الحروب وتأكيده عند معارضتها، فالواقع أنه يرتبط على الصعيد السياسي بانتقال مرحلة التباعد المتزايد بين الأميركيين من جهة والمحور الفرنسي الألماني في قلب الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، من الخلافات بأسلوب دبلوماسي إلى خلافات علنية.

لم يكن قد مضى على سقوط الشيوعية شهور معدودة عندما تحركت فرنسا وألمانيا لتشكيل أول "فيلق" عسكري أوروبي مشترك، وطرحتا مسألة التميز الأمني الأوروبي علنا، ورغم أن هذه الخطوات تلتها خطوات عديدة في عهد هلموت كول وفرنسوا ميتران في التسعينيات، إلا أن الشوط الأكبر منها كان خلال السنوات الأربع الأولى من عهد غيرهارد شرودر بمشاركة الرئيس الفرنسي جاك شيراك.

وكانت الحرب الأطلسية ضد صربيا في العام الأول لحكومة شرودر المنطلق الأول لأكثر من خطوة كبيرة في هذا الاتجاه. فمع إعلان خطة السلام لكوسوفا وصربيا، أعلن أيضا عن قرار تشكيل قوة عسكرية أوروبية مشتركة قوامها أكثر من ستين ألف جندي مع تسليحها بكامل ما تحتاج إليه للقيام بمهام عسكرية بمعزل عن حلف شمال الأطلسي، وعن قرار تعيين "مفوض" للسياسة الخارجية والأمنية الأوروبية، وهو ما يراد وفق الدستور الجديد للاتحاد جعله "وزيرا للشؤون الخارجية"، وكذلك عن قرار تنفيذ مشروع فرنسي ألماني لإطلاق أقمار صناعية تجسسية للاستغناء عن الأقمار الصناعية الأميركية بعد أن امتنعت واشنطن عن تزويد حلفائها أثناء الحرب الأطلسية في البلقان في الوقت المناسب بما يصل إليها من صور عن ساحة الحرب، وهو ما جعل وزيري الدفاع الألماني والفرنسي يعلنان احتجاجهما بصيغة شديدة اللهجة تجاه واشنطن.

ولم تنقطع المعارضة الأميركية العلنية لسائر خطوات التميز العسكري الأوروبي، كما لم تنقطع من جانب برلين وباريس محاولات تهدئة الأجواء مع واشنطن والتفاوض على كل خطوة جديدة مع التأكيد أنها لا تستهدف الخروج على الحلف، بل التحرك بموازاته أو معه.

ولكن الخلاف العلني الذي صنعته الحرب ضد العراق ألغى الأساليب الدبلوماسية التي غطت من قبل على اضمحلال الثقة المتبادلة بين جانبي الأطلسي.

ويمكن القول إن أحد وجوه الخلاف الأوروبي بصدد الحرب ضد العراق، كان يتمثل في مخاوف فريق من الدول الأوروبية وفي مقدمتها بريطانيا، من أن يؤدي عدم الاشتراك مع الأميركيين في الحرب إلى عدم مشاركتهم فيما تحققه "الهيمنة" الأميركية التي اتخذت أبعادا عالمية تراعي المصالح والمطامع الأميركية، على النقيض مما كان أثناء الحرب الباردة حيث كانت تتضمن مراعاة المصالح والمطامع الغربية المشتركة.

بينما كانت مخاوف الفريق الآخر من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا، من أنّ تؤدي المشاركة إلى دعم "خطط الهيمنة" الأميركية في نهاية المطاف، لا سيّما بعد أن أصبحت الوثائق الرسمية للمحافظين الجدد في واشنطن، تتحدّث عن هذه الهيمنة بوضوح، وتؤكّد التطلّع إلى أهداف عديدة، منها منع دول منافسة كألمانيا واليابان، من الوصول إلى مستوى يهدّد المصالح الأميركية، اقتصاديا، أو على أي صعيد آخر، ولكن في الحالتين يبقى الاقتناع قائما بأنّ السياسة الأميركية تحولت إلى سياسة علنية لتوسيع نطاق هيمنة انفرادية أميركية عالميا.


سياسة الانتشار العسكري الألماني تحوّلت إلى سياسة تستهدف دعم سياسة التميّز الأمني والعسكري الأوروبي، لا سيّما بعد أن أصبحت هي السياسة الرسمية التي يتبنّاها الاتحاد منذ قمّة ديسمبر 2003
وخطت الدول المتزعّمة للتميّز الأوروبي خطوة أخرى أثناء الحرب ضد العراق، من خلال القرار حول تشكيل قيادة عسكرية أوروبية مشتركة، نواتها من ألمانيا وفرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ، وتكون مفتوحة –على غرار الوحدة النقدية- أمام دول أخرى. وهذا ما زاد من معارضة واشنطون للتميّز العسكري الأوروبي، ورغم أنّ المفاوضات أسفرت عن "حلّ وسطي" يتعلّق بإعطاء القيادة الجديدة اسم "غرفة عمليات"، ويؤكّد أن القوة الأوروبية لا تتحرّك إلا بعد أن يرفض حلف شمال الأطلسي القيام بمهمّة عسكرية ما، أو يمتنع عن ذلك.

فالواقع هو أنّ المعارضة الأميركية استمرّت إلى ما بعد هذا الحلّ الوسطي، الذي لا يغيّر من طبيعة مهامّ القيادة المراد تشكيلها أو أجهزتها، بغض النظر عن اسمها الرسمي، كما أنّ وجود الدول الأوروبية المعنية في الحلف، حيث تتخذ القرارات بالإجماع، يفرّغ مسألة "الأولوية" المقرّرة للحلف من مضمونها على أرض الواقع، إذا ما أراد الأوروبيون التحرّك بمعزل عن الولايات المتحدة الأميركية.

إنّ سياسة الانتشار العسكري الألماني تتحوّل في هذا الإطار إلى سياسة تستهدف دعم سياسة التميّز الأمني والعسكري الأوروبي، لا سيّما بعد أن أصبحت هي السياسة الرسمية التي يتبنّاها الاتحاد منذ قمّة ديسمبر/ كانون أول عام 2003م، قبل شهور معدودة من اكتمال توسعته ليضمّ خمسا وعشرين دولة عضوا مع مايو/ أيار من عام 2004.
ــــــــــــــــــ
* كاتب فلسطيني مقيم بألمانيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة