رؤية مستقبلية لآفاق الصراع بعد حرب لبنان   
الثلاثاء 1427/8/25 هـ - الموافق 19/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 17:42 (مكة المكرمة)، 14:42 (غرينتش)

عماد فوزي شعيبي

رغم أن المطلوب هو رسم سياسات مستقبلية لآليات الصراع العربي الإسرائيلي بعيدا من الوقائع الآنية، فإن الحرب الأخيرة ترخي ظلالها على صورة الصراع من حيث السيناريوهات المتوقعة، الأمر الذي يجعل أي استشراف لرؤية خلفيات وآفاق الصراع دون التوقف عند هذه الحرب، ليس بالمعنى الآني إنما بتأثيرها على مسار الصراع وأدواته بمثابة إبحار في التأمل أكثر منه بحثا في الوقائع.

كل حرب، مطلق حرب، يجب أن تنتهي إلى تثمير سياسي أو أن عليها أن تستمر كحرب يكون لها نتائج سياسية على المدى البعيد. وهي بالتالي تشكل، كأي حرب، نقطة الانعطاف من منظومة سياسية-عسكرية للصراع إلى منظومة أخرى قد تكون سياسية-عسكرية أيضا، وقد تكون سياسية صرفا.

ومثالنا هنا حرب 1973 إذ إنها شكلت لسوريا الانتقال إلى منظومة سياسية-عسكرية جديدة توقف فيها الصراع على البوابة السورية، بسبب من اختلال ميزان القوى، ليستمر في الرواق الخلفي اللبناني، بصيغ تطورت وتبدلت مع مجريات الصراع، فدخلت فيها أطراف دولية-إقليمية وخرجت إلى أن وصلت الأوضاع إلى الحرب الأخيرة.

فيما شكلت هذه الحرب بالنسبة لمصر الانتقال إلى منظومة سياسية صرف، مستبعدة البعد العسكري على المدى المنظور، ما فسح في المجال أمام تركيز الصراع، خاصة مع خروج الأردن من المعادلة عمليا، بعد أن كانت قد خرجت نظريا، على الجبهة الشمالية.

"
بعد الحرب على لبنان يبقى السؤال مطروحا عما إذا كانت المنطقة مقبلة على الانتقال إلى النموذج السياسي الصرف (ممثلاً بالسلام) أم أن الصراع العسكري سيتجدد لكنه سيكتسب على المدى المتوسط شكل صراع استنزافي عسكري
"
بعد الحرب الأخيرة للعام 2006 يبقى السؤال مطروحا –بشدة- عما إذا كانت المنطقة مقبلة على الانتقال إلى النموذج السياسي الصرف (ممثلا بالسلام) وبالتالي استمرار الصراع عبر الوسائل السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، أم أن الصراع العسكري سيتجدد لكنه سيكتسب على المدى المتوسط (5-10 سنوات) شكل صراع استنزافي عسكري قد يجر دولا إقليمية ودولية إلى المعادلة الاستنزافية، وهو ما يطرح سؤالا عن إمكانية توافر الدعم اللوجستي دوليا وإقليميا أيضا، لمثل هذه الحرب الاستنزافية.

النموذج الأول يطرحه العديد من الإسرائيليين بقوة بعد الحرب، وملخصه ضرورة استبدال سياسة (محور الشر) بسياسة (محور الخلاص) من خلال التفاوض مع العرب دفعة واحدة، على اعتبار أن خطة أولمرت للانطواء قد لفظت أنفاسها وأن من الواجب الاستعداد لأسوأ الأمور من الساحة الفلسطينية، حيث يدعو كمثال "ران كوهين" عضو الكنيست من كتلة ميرتس الجيش إلى لجم السياسيين عن الذهاب إلى حرب يبقى التساؤل حولها ملخصا أي حرب ستسبق الأخرى: الحرب مع الفلسطينيين، أم مع حزب الله، أم مع سوريا. أو أنها ستندلع على عدة جبهات في توقيت مربك بالنسبة للإسرائيليين.

وقد بات واضحا أن الحرب بالنسبة للإسرائيليين قد أصبحت الخيار المستبعد على المدى القريب، مع أن بعض الأصوات غير العقلانية تتحدث عن عدم قدرة إسرائيل على تحمل النتائج المترتبة على صمود المقاومة، وأن عليها أن تهرب إلى الأمام بفتح جبهة مع سوريا لتحقيق إنجاز.

وقد يرى البعض أن الانحراف يمينا في إسرائيل قد يخلق معادلة الحرب (ردا للاعتبار) أو محاولة لخلق وقائع جديدة إما للانطلاق منها نحو سلام الأمر الواقع، أو للانطلاق نحو تجديد الأزمات وإدارة الأزمات بمزيد من الأزمات، وهي آلية لإدارة الأزمات المستعصية.

مسألة رد الاعتبار هذه فيها نظر من حيث الاعتبارات السياسية، وتبقى التساؤلات قائمة عما إذا كانت مفردة سياسية بالأصل، إذ إننا لا نستطيع اعتبار حرب العام 2006 بمثابة رد اعتبار عن دحر إسرائيل في العام 2000، ومع ذلك تحملت إسرائيل اندحارها آنذاك، أقله لست سنوات كانت الحرب الأخيرة نتاجا طبيعيا لعدم الحل السياسي للأزمة سلميا.

كما أن التجربة لا تقول بأن كل مجيء لتيار يميني بعد الحرب ما يعني المزيد من الحروب بدليل أن حكومة ليكود ما بعد حرب 1973 قد صنعت السلام مع مصر، وهي نفسها التي خاضت الحرب عام 1978 وعام 1982.

فيما أن حكومة نتنياهو بعد حرب عناقيد الغضب للعام 1996 لم تطلق طلقة واحدة في اتجاه لبنان، وكانت تحاول أن توجد خيارا لها مع أطراف إقليمية أخرى.

صحيح أنها لم تنتهِ إلى نتائج حاسمة، لكن الرؤية (الخطية) التي تقول إن قدوم حكومة يمينية يعني الحرب أو المزيد من الحروب لا تصلح للتحليل الإستراتيجي، الذي بات اليوم أقرب فأقرب إلى الحسابات المعقدة منه إلى الحسابات الخطية.

وهنا يمكن الحديث عن سيناريوهات متعددة:

1- سلام شامل.
2- حرب استنزافية شاملة.
3- سلام في جبهة وحروب في جبهات.
4- لا سلام ولا حرب.
"
الرؤية (الخطية) التي تقول بأن قدوم حكومة يمينية يعني الحرب أو المزيد من الحروب لا تصلح للتحليل الإستراتيجي الذي بات اليوم أقرب فأقرب إلى الحسابات المعقدة منه إلى الحسابات الخطية
"
5- لا سلام وحرب، مع بعض العمليات التي تهدف إلى تسخين المناخ الإقليمي ومحاولة لتعديل الوقائع للتوصل إلى إدارة أفضل للأزمة إن بتحقيق إنجاز سياسي أو باختلاق أزمات جديدة، حيث يمكن لإسرائيل أن تفيد من المناخ الدولي الذي رسمته الإستراتيجية الأميركية الجديدة في 20 سبتمبر/ أيلول 2002 (حروب استباقية- حرب عالمية على الإرهاب- الفصل بين دول "معنا وأخرى ضدنا"– ومنع انتشار الأسلحة النووية...إلخ) وعدم تبلور نظام عالمي إن أحاديا أو متعدد الأقطاب.

إن العقد المقبل هو الذي سيحسم هذا التبلور، وعليه فإن المرحلة الانتقالية قد تكون مناسبة لخلق أزمات جديدة لجر الدول العظمى لاعتبار حروب إسرائيل وأزماتها المفتعلة ساحة عمليات للانتقال من نظام عالمي إلى نظام عالمي آخر، ما يجعل القوى العظمى أداة لصالح تحسين شروط الأزمة بالنسبة لإسرائيل.

يجب أن نلاحظ أن الإستراتيجيات لدول عظمى كأميركا ليست مرتبطة بإدارة دون أخرى، وأن الفارق سيكون في الأدوات وليس في الإستراتيجية.

هذا السيناريو يقابله آخر يقول: ليس باستطاعة إسرائيل تحمل حروب لمدى طويل، كما أنها بعد تلك الحرب بحاجة إلى عشر سنوات على الأقل تقوم فيها إسرائيل ببناء ما تهدم من بنى تحتية وبناء روابط الإسرائيليين بإسرائيل التي لم تستطع حمايتهم أو على الأقل كان نصفها مهجرا لأول مرة منذ العام 1948 لمدة 33 يوما.

أضف إلى هذا أن إسرائيل اليوم تعيش فراغا استراتيجيا بامتياز، فعقيدتها العسكرية مدمرة، إذ إنها كانت تبنى دائما على قاعدة حماية العمق الإسرائيلي مقايضة بالعمق المدني العربي، وعلى قاعدة نقل الحرب إلى (أرض الآخرين)، فيما أن الحرب الأخيرة قد دمرت هذه الإستراتيجية.

وإذا كان يصح اليوم القول المبسط إن إسرائيل جيش خلق له مجتمع فإن هذا الجيش دون عقيدة إستراتيجية يهز المجتمع استقراره، سواء أكان هذا القول خطيا أو أكثر تعقيدا، وهو ما نراه فعلا.

إضافة إلى هذا فإن حرب الصواريخ قد باتت تضيق أبعاد العمق الإستراتيجي المحمي بالوسائل الكلاسيكية.

ولهذا فإن تجربة حرب مع سوريا التي يؤكد الإسرائيليون قبل الأميركيين أنها تمتلك ترسانة كبيرة من سلاح الصواريخ سوف تكون بمثابة انتحار إضافي للعقيدة العسكرية الإسرائيلية.

هذا الوضع قد يؤول إلى التوجه نحو سيناريو السلام وتحديدا مع سوريا ولبنان وربما نصف حل مع الفلسطينيين (بإبقاء قضية اللاجئين– وجزء لا بأس به من الأرض- قضية القدس لجولات أخرى)، باعتباره التوجه الأكثر عقلانية، على اعتبار أن شأن محيط إسرائيل رهن بها وبمصالحها، وبالتالي فإن هذا الحل يبعد إسرائيل عن الصراع الدولي ونتائجه غير المحسوبة أو المكلفة عليها.

ترتبط معاملات الصراع في المنطقة ببعد عالمي إضافي، بمعنى أنها في الأصل لم تكن معاملات صراع إقليمية فقط، بل كانت إقليمية– دولية، واليوم وبعد اعتماد الحرب على الإرهاب والحروب الاستباقية والصراع الدولي على تقاسم النفوذ في عالم جيو-إستراتيجي على خلفية نتائج سقوط برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، (وهو ما تراه الولايات المتحدة تعبيرا مباشرا عن انتصارها في الحرب العالمية الثالثة :"الحرب الباردة") وعلى خلفية التعديل في سياسة الحرب على الإرهاب بعد الحرب على لبنان 2006، وعلة مأزق التعامل مع كل من كوريا وإيران.

"
في سيناريو الحرب سيستمر الصراع بمنظومة الاستنزاف (المؤلم) لكل الأطراف، أما في سيناريو السلام فإن الصراع سيبقى قائما على النفوذ السياسي والاقتصادي في عموم المنطقة
"
على كل فإن السيناريوين سيفضيان إلى استمرار الصراع وإن بوسائل أخرى. في سيناريو الحرب سيستمر الصراع بمنظومة الاستنزاف (المؤلم) لكل الأطراف.

أما في سيناريو السلام فإن الصراع سيبقى قائما على النفوذ السياسي والاقتصادي في عموم المنطقة. فإسرائيل لا تستطيع أن تعيش دون امتدادات إقليمية دفعا عن نفسها نتائج عمقها الجغرافي الضيق ووضعها كجزيرة معزولة، وسوريا لا تستطيع إلا أن تتحمل مسؤولياتها الإقليمية وحزب الله ولبنان ما بعد حرب 2006 أصبح طرفا أساسيا في الصراع، وقد يكون الهدف الأساسي للصراع في هذه السنوات القادمة التخلص منه تحت ذريعة محاربة الإرهاب، الأمر الذي قد يفتح الصراع مجددا في لبنان، أو الذهاب إلى سلام إما بتجريب سلام الأمر الواقع، أو بالصورة الشاملة مع سوريا.

إذن احتمالات الصراع مفتوحة عمليا على كل الأصعدة، وهذا ما حدا بنا لوقفة عن تشخيص تأملي لآفاق ووسائل الصراع بين العرب وإسرائيل في العقود القادمة، لأن هذه الحرب تعتبر نقطة انعطاف حاسمة في معادلة الصراع ودون استشراف آفاقها لا يمكن لنا أن نتصور الصورة المستقبلية للصراع بخلاف النمطية السائدة.
ـــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة