القاعدة.. حروب الداخل ورأس الأفعى   
الخميس 1431/2/12 هـ - الموافق 28/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:43 (مكة المكرمة)، 13:43 (غرينتش)
مهنا الحبيل


كان استدعاء الزعيم الدولي لتنظيم القاعدة أسامة بن لادن لعبارته الشهيرة في خطابه القصير الأخير في الرابع والعشرين من يناير/كانون الثاني الذي أعلن فيه تبني القاعدة لمحاولة عمر فاروق تفجير الطائرة الأميركية في سماء ديترويت وهي قولته -لن تجدوا الأمن في أميركا حتى يجده أطفال فلسطين- يحمل بصمة معينة لقراءة المحلل السياسي.

وكانت هذه الصورة والمشهد قد بلغت ذروتها في خطاباته الأولى بعد 11 سبتمبر/أيلول حتى مرحلة قصف تورا بورا وهي العبارة التي اجتاحت العالم الإسلامي بكل جغرافيته وبكل أطيافه، ومن المفارقات أن تلك الصورة التي برزت فيها سبابة بن لادن كانت تحمل هيبة له من السلفية الجهادية في الخليج والمغرب حتى تجمّع طريقة التيجانية الصوفية الحاشد في أدغال أفريقيا مع ما بين الاتجاهين من مفاصلات جذرية.

"
الاضطرابات التي تسببت فيها القاعدة أو القواعد المخترقة أحدثت شرخا في علاقة العالم الإسلامي بالقاعدة بعد أن تحولت بعض حروبها عمليا لمآزق وكوارث في أوضاع الاستقرار الإسلامي
"
غير أنّ ما خفّض شعبية بن لادن كان ما أحدثته القاعدة من استهداف واسع شمل حروباً داخل المناطق الإسلامية وتسعيرها مع عسكريي تلك الدول خارج مناطق القواعد العسكرية الغربية وصولاً إلى انزلاقهم واختراق بعض مجاميعهم في العراق إلى استهداف المدنيين والتضييق على مناطق المقاومة وامتحانها وما تسببت فيه تلك الأحداث من تعويق لمشروع المقاومة الإسلامية الوطنية العراقية التي تنطلق من قواعد وأخلاقيات الحرب لدى منهاج أهل السنة، كما هو الحال في حركة حماس والجسم الأصلي لطالبان أفغانستان تحت قيادة الملا عمر.

هذه الاضطرابات التي تسببت فيها القاعدة أو القواعد المخترقة التي تأكد على الأقل أن بعضها كان يُخترق من قبل قوى الاحتلال المزدوج في العراق وخاصةً الجانب الإقليمي ويُضفي عليها مسمّى القاعدة، أحدثت شرخا في علاقة العالم الإسلامي بالقاعدة بعد أن تحولت بعض حروبها عمليا لمآزق وكوارث في أوضاع الاستقرار الإسلامي وإن استمرت مواجهتها الشرسة مع الأميركيين وحلفائهم في مدارات تصعيدية جديدة.

وما عزّز هذا الاضطراب في ذات لغة الزعيم الدولي أنه بنفسه زكّى الحرب القائمة في الصومال وحرّض على قِتال شِق المحاكم الإسلامية المؤيد لشيخ شريف ووصفهم بالمرتدين، مع أن الشق الآخر من المحاكم ذاته تحول أيضاً إلى حربٍ داخلية بين الحزب الإسلامي وحركة الشباب المجاهدين.

هذا المؤشر المهم لمعرفة تباين بعض قطاعات القاعدة وثقافتهم الأيديولوجية له مؤشرات عديدة تحتاج إلى دراسة موسّعة وإن كان الاتفاق قائما بينهم على توصيف مشروعية الحرب بأنها لأجل دفع الظلم الاستعماري والهيمنة الكاملة على العالم الإسلامي واستباحة الغرب لدماء العديد من مناطقه وأهله وأن الوسيلة الإستراتيجية هي -هزيمة العدو الأميركي كمشروع عدائي- تشكل وجوداً أو حلفاً من تل أبيب وحتى كابل بكل نماذج تشكيلاته الإقليمية وليس بالإمكان أن نُفصّل مواضع وشخصيات جناح الغلو الطائفي للقاعدة (ليس المقصود بالطائفية المقابل للشيعة) الذي يرى أن فكرته لها محضن طائفي مُحدد تُخرج منه كل أبناء العالم الإسلامي من دائرته وتعرضهم للعقوبة كمرتدين أو فاسقين ضالين لأنهم لا يعتقدوا عقيدة هذه الطائفة.

ولكن بالإمكان أن نشير لتركز هذا الفكر في قاعدة المغرب العربي وفي الصومال وفي بعض تدفق أبناء الخليج على العراق والذين أُستدرج بعضهم بالفعل إلى تحويلهم لمجاميع تقتل في المدنيين في مناطق المقاومة أو المناطق الأخرى على أساس طائفي.

فيما يبرز التيار القاعدي الآخر الصغير على أنه المقرّب المنتمي للمنهج السني الواسع الذي يمتد من اتحاد مدرسة السلف والخلف من الإمام أحمد بن حنبل وأبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتوريدي كأئمة اعتقاد للمدرسة السنية التاريخية محددة المعالم، مع اتصال بكل مدارس الفقه الإسلامية المذهبية السنية القديمة وامتداداتها الحديثة فقها وفكرا كمدرسة الإخوان (المدرسة الفكرية لا التنظيم) وفي طليعته الإمام القرضاوي وإن اختلفوا معه. وكذلك المدرسة السلفية العلمية المعاصرة والتي يبدو فيها الشيخ الكويتي حامد العلي كأبرز شخصياتها في الصرامة مع المعسكر الغربي وفي الانفتاح على المدارس السنية برؤية شرعية تأصيلية يطرحها لأتباع هذا التوجه السلفي في العالم الذي يتداخل كما قلنا مع التيار السُني في القاعدة وليس بالضرورة يتطابق معه.

"
يقترب فكر الطيف السُني مع حركات المقاومة السنية خارج القاعدة وهو الفكر الذي يكاد يتطابق الآن مع فلسفة الملا عمر الجهادية وموقفه الشديد من معارضته قتل المدنيين والذي يُعتّم عليه وعلى عموم خطابه بحرب إعلامية شرسة
"
ولعل ما يُبرر غياب هذا الطيف عن الإعلام القاعدي وضمور منهجيته يعود إلى ما يصل إلى حد التواتر عن الشيخ أسامة منذ أن كان في أفغانستان إبّان حرب السوفيات الأولى، وهو ما نُقل عنه وبرغم كارزميته إلاّ أنه يتأثر بالمحيط حوله حيث كان تيار الغلو الطائفي مطبقا حوله ومن خلاله نشبت أول إشكالية ومواجهة وقد كانت بينه وبين د. عبد الله عزام أحد أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة التي دعمت فكر مشروع التحرر الإسلامي في مناطق الاحتلال وما أعقبها من تحولات عديدة صدرت في مواقف بن لادن رجحت قربه من التيار الأول فيما يقترب فكر الطيف السُني مع حركات المقاومة السنية خارج القاعدة وهو الفكر الذي يكاد يتطابق الآن مع فلسفة الملا عمر الجهادية وموقفه الشديد من معارضته قتل المدنيين والذي يُعتّم عليه وعلى عموم خطابه بحرب إعلامية شرسة.

لكن مدار العمليات الأخيرة بدأ يتركّز لناحية إستراتيجية - ضرب رأس الأفعى- وهي العقيدة القتالية التي تبنتها شخصية من أبرز رموز التيار السني في القاعدة وهو أبي مصعب السوري الذي سلمته إسبانيا للمخابرات الأميركية ولكن بعد أن أوصل عقيدته القتالية لقطاع مهم من القاعدة.

وترتكز عقيدة أبي مصعب فيما يبدو من سياق الحديث عنه وعن سيرته الذاتية والخطط التي تحدثت المنتديات المقربة من القاعدة عنها على أن تُركز قوى القاعدة على ما سماه بمنهجية -ضرب رأس الأفعى– ويقصد بذلك القوة العسكرية والإستراتيجية والسياسية المحورية للولايات المتحدة الأميركية وعدم الانشغال -بالذيل- وهو يقصد النظام الرسمي الموالي لها في المنطقة العربية والإسلامية.

وإن كانت القاعدة كررت -وخاصة في حديث زعمائها العلني في اليمن- أنها تسعى لاستهداف الأميركيين وليس رجال الأمن، في إشارة إلى إبراء ذمة من الرأي العام ونقل التهمة على النظام في اليمن كنموذج للبقية وتحميلهم المسؤولية في القتال داخل المناطق المدنية للمسلمين.

لكن العقيدة القتالية التي أشرنا لها لدى أبي مصعب وما يُسمّى بمدرسة الأبدال في الشام كتلاميذ روحيين وأيديولوجيين له تبدو أكثر وضوحاً في الانفصال عن المناطق المدنية الإسلامية, والمقصود بأبدال الشام هو صفوة تنتقيها القاعدة مستأنسة بحديث صحيح تتأوله في أن طلائع التحرير الكبرى لمعركة العالم الإسلامي المركزية إنما تتركز في صفوة أهل الشام (فلسطين وسوريا والأردن ولبنان) مع شراكة أخرى من أقطار العالم الإسلامي.

من هنا تبرز لنا النقلة النوعية في عودة عقيدة ضرب رأس الأفعى في عمليتين مركزيتين الأولى لم تُنسب للقاعدة وإن كانت كل الدلائل تتوجه لهذه الإستراتيجية التي ذكرناها. الأولى عملية الضابط نضال حسن وإطلاقه النار على مفرزة حربية في قاعدة أميركية تستعد لنقلها إلى مناطق الاحتلال الأميركي, والثانية عملية همّام البلوي وهذا الأخير صنع إستراتيجية فكرته وتنفيذها ذاتيا بحسب ما نُشر عن زوجته وحالة التكتم التي مارسها في عمّان وترجمة سيرته الذاتية التي تجعلنا نجزم بقربه لمدرسة أبي مصعب السوري, وإن صُوّر في الإعلام القاعدي كثأر لبيت الله محسود أعلنه بنفسه لكن ذلك لا يُلغي الثقافة الأخرى التي صنعت الحدث.

"
البلوي خطط مبكراً لاختيار طليعة من المخابرات الأميركية كانت تُقدم دوريا المواقع التي يقصفها الطيران الحربي الأميركي والتي أدت لقتل عشرات الآلاف من المدنيين الأفغانيين
"
فالمعتاد أن يرمي الآخرون من منسوبي القاعدة أنفسهم بأقرب تجمع بشري ولو كان مليئاً بالمدنيين ويفجّر نفسه فيهم وينسبها أيضاً للانتقام لهذا القائد أو ذاك, لكن همّام البلوي خطط مبكراً لاختيار المجموعة المستهدفة وهي طليعة من المخابرات الأميركية كانت تُقدم دوريا المواقع التي يقصفها الطيران الحربي الأميركي وبناءً على إحداثيات هذه الوحدة وزملائهم قُتل عشرات الآلاف من المدنيين الأفغان مما يصنفهم إنسانياً كمجرمي حرب لا مقاتلين شرعيين.

فإذا أضفنا إلى ذلك ذكاءه البارع وطول نفسه ووصوله إلى المرحلة الدقيقة التي نفّذ فيها هدفه, ثم استعرضنا حجم الخسارة التي اضطرت المخابرات الأميركية أن تُصدر بيان نعي وتهديد صريح علمنا أنّ العملية كانت متطابقة تماماً مع إستراتيجية أبي مصعب السوري (ضرب رأس الأفعى).

ومع هبوط وصعود حضور القاعدة المستمر يصعب توقع استمرارها في نوعية الحروب وإستراتيجيتها، لكن من المؤكد أن توالي الضربات مع هذا الانكسار الأميركي في أفغانستان وفي العراق يجعل برنامج –ضرب رأس الأفعى- فعّالا وتدميريا وكان ذلك قول الرئيس بوش الصغير لخطته المعلنة لضرب القاعدة لكن التاريخ يقلب قواعد اللعبة عليه وقد أضحت -رأس الأفعى– بالفعل تترنح تحت قصف (الأبدال).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة