التحرر الثاني في ليبيا   
الثلاثاء 1432/3/27 هـ - الموافق 1/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 7:17 (مكة المكرمة)، 4:17 (غرينتش)
حمدي عبد الرحمن


عقود من الضياع
تدمير العلاقات الأفروعربية
من الانقلاب إلى ثورة الجماهير

المذابح التي ارتكبت بحق المواطنين الأبرياء في ليبيا على أيدي مليشيات وعصابات نظام العقيد القذافي تؤكد على عدد من المعاني والدلالات الهامة.

فالحكام الطغاة دائما وأبدا ما يعتمدون على القوة الغاشمة للاستمرار في الحكم، ومع ذلك فإن قوة الجماهير المنظمة والواعية يمكن لها أن تغير من قواعد وأركان المعادلة السياسية القائمة عبر إحداث حالة ثورية شاملة.

وعليه فإنه بمجرد ظهور نمط جديد من الوعي الشعبي الذي يفضي إلى اكتساب الجماهير الثقة بنفسها، يصبح من الصعوبة على أي قوة خارجية أن تقف في وجه المد الثوري العارم.

وأحسب أيضا أن إحدى الدلالات الكبرى المرتبطة بثورة الجماهير في ليبيا على وجه التحديد، تشير إلى عدم قدرة المال على شراء وضمان الولاء السياسي فترة زمنية طويلة، إذ رغم سيطرة القذافي وأبنائه على نحو 150 مليار دولار فإن ذلك لم يستطع إنقاذ النظام الليبي من ثورة الجماهير المطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية.

ولعل هذه التطورات الكبرى التي شهدتها كل من تونس ومصر وليبيا تدفع باتجاه تدشين حقبة جديدة في السياسة الدولية.

"
منذ استيلاء القذافي على السلطة بانقلاب عسكري ضد الملك إدريس عام 1969، فقدت ليبيا فرصا عديدة لنهضة شعبها وتقدمه. ويمكن وصف فترة حكم القذافي بأنها تمثل عقود التنمية المفقودة في ليبيا
"
عقود من الضياع
يمكن القول بأنه منذ استيلاء معمر القذافي على السلطة بانقلاب عسكري ضد الملك إدريس عام 1969، فقدت ليبيا فرصا عديدة لنهضة شعبها وتقدمه. ويمكن وصف فترة حكم القذافي بأنها تمثل "عقود التنمية المفقودة" في ليبيا، فالحكم الشخصي الذي اعتمد على عائلة القذافي ودائرة ضيقة من المقربين والأتباع، أدى إلى حرمان الجماهير العريضة من عوائد الثروة في بلادهم. ولا يخفى هنا أن ليبيا تتمتع بامتلاكها أكبر احتياطي للمواد الهيدروكربونية في القارة الأفريقية.

لقد بدد القذافي وأولاده ثروة المجتمع الليبي من خلال اتفاقهم على شراء الأسلحة والمصالح المالية في الغرب. وبدلا من التوزيع العادل لمليارات الدولارات من العوائد النفطية على الشعب الليبي، استأثرت بها دائرة ضيقة تلتف حول القذافي وعائلته. ويبدو أن الوصف الدقيق لهذه العقود الأربعة التي هيمن عليها "الأخ العقيد" هو: تبديد أرصدة الثروة والقوة في المجتمع الليبي.

ورغم الشعارات الثورية التي رفعها القذافي وأعوانه فإنه فتح الباب واسعا أمام التنافس الغربي على النفط الليبي، ففي عام 2003 رفعت الأمم المتحدة العقوبات المفروضة على ليبيا. وحاولت فرنسا عبر بوابة مشروع الاتحاد المتوسطي منافسة الوجود الأميركي البريطاني في شمال أفريقيا. وسرعان ما أصبح القذافي من أكبر حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما عكسه تصريح وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس عندما زارت ليبيا عام 2008 إذ قالت إن "الأمم ليس لديها أصدقاء أو حلفاء دائمون، وإنما لديها مصالح دائمة".

وليس بخافٍ أن المصالح التي تعنيها الوزيرة الأميركية هنا تتمثل في احتياطيات النفط الليبية الهائلة التي تبلغ نحو 42 مليار برميل ونحو 1.5 تريليون متر مربع من الغاز الطبيعي. وثمة دلائل قوية على أن هذه الاحتياطيات الهائلة ستتضاعف في المستقبل المنظور.

إضافة إلى تلك المصالح البترولية، عمل القذافي باعتباره حارسا أمينا للبوابة الأوروبية من فيض حركات الهجرة الأفريقية غير المشروعة، إذ تعهد نظام القذافي بوقف حركة المهاجرين الأفارقة إلى أوروبا ولا سيما إيطاليا وذلك عبر القبض عليهم وإبقائهم في ليبيا. ولعل ذلك يفسر لنا سر علاقة القذافي الوطيدة برئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني.

تدمير العلاقات الأفروعربية
لعل لجوء القذافي إلى بعض المرتزقة الأفارقة لمواجهة ثوار ليبيا وأحرارها الذين خرجوا إلى الشوارع يوم 17 فبراير/شباط 2011 للمطالبة بإسقاط نظام حكمه، قد يدفع إلى خلق مشاعر كراهية وعداء في المجتمع الليبي ضد الشعوب الأفريقية. ويمكن تلمس وجود بعض العوامل المؤدية إلى كراهية الأجانب في ليبيا منذ عدة سنوات، فقد شجع القذافي احتواء المهاجرين الأفارقة في ليبيا بدلا من استكمال رحلتهم إلى أوروبا، وهو ما نظر إليه الليبيون باعتباره نوعا من التنافس على مواردهم الاقتصادية.

وفي خضم هذه الحالة الثورية التي تجتاح ليبيا، من المهم التذكير بأن الشعوب الأفريقية في بلدان عديدة مثل تشاد وأوغندا وتنزانيا وليبيريا وسيراليون، لم تلق باللائمة على جميع الليبيين حينما دعم القذافي أنظمة الاستبداد وحملات القمع في هذه الدول.

"
أسهم القذافي بأموال النفط الليبي في إفساد المشهد السياسي الأفريقي لسنوات طويلة، وذلك عبر إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار في العديد من الدول
"
لقد أسهم القذافي بأموال النفط الليبي في إفساد المشهد السياسي الأفريقي لسنوات طويلة، وذلك عبر إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار في العديد من الدول. ومع ذلك فإن الطابع المزاجي لشخصية القذافي الذي لقب نفسه بملك ملوك أفريقيا جعله ينتهج بعض السياسات التي قوبلت باحترام شديد. ويمكن أن نشير في هذا الخصوص إلى تقديمه الدعم المادي لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي في مواجهة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا, وكذلك حركة "سوابو" في ناميبيا.

ويمكن القول بأن تبني العقيد القذافي لبعض السلوكيات الاستفزازية والبهلوانية في حركته الخارجية هي التي دفعت بالرئيس رونالد ريغان عام 1986 إلى توجيه ضربة عسكرية للعاصمة الليبية طرابلس. وقد ازداد الانقسام بين الغرب وليبيا في أعقاب تدمير طائرة بان أميركان فوق ضواحي مدينة لوكربي الأسكتلندية عام 1988. ولا شك أن وساطة الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا هي التي أسهمت في عودة العلاقات التدريجية بين ليبيا والغرب.

ويلاحظ أن القذافي حوّل وجهه شطر أفريقيا في أعوام التسعينيات من القرن الماضي بعد تراجع شعبيته في العالم العربي وتزايد الضغوط الغربية عليه، ففي عام 1998 أعلن القذافي أن القومية العربية ما هي إلا سراب غير حقيقي، كما أنه ألغى وزارة شؤون الوحدة العربية. ومن ثم فقد نظر القذافي إلى أفريقيا باعتبارها الحليف الأفضل والبيئة الأخصب لشراء التأييد السياسي وممارسة طموحاته في القيادة والزعامة.

وفي سبتمبر/أيلول 1999 دعا القذافي إلى قمة أفريقية غير عادية في مدينة سرت، حيث تم إقرار مشروع الاتحاد الأفريقي ليحل محل منظمة الوحدة الأفريقية. ولا شك أن رؤية القذافي لحركة الوحدة الأفريقية منقولة حرفيا من كتابات وأفكار قادة أفارقة كبار مثل كوامي نكروما وأحمد سيكوتوري وجمال عبد الناصر.

من الانقلاب إلى ثورة الجماهير
حينما رفعت الجماهير الليبية الثائرة في بنغازي وغيرها من مدن شرق ليبيا علم الاستقلال الذي تم إقراره عام 1951، أكدت على المعاني الرمزية والدلالية للحدث.. إنها إشارة إلى مفاهيم الاستقلال والتحرر الثاني لليبيا من ظلم واستبداد نظام القذافي. ولا أظن أن هذا الحدث مرتبط بالسياق السياسي والنظمي الذي ارتبط بحقبة النظام الملكي في ليبيا.

لقد تم استلهام ألوان العلم الليبي من بيت لشاعر العراق العظيم صفي الدين الحلي يقول فيه "بيض صنائعنا سود وقائعنا.. خضر مرابعنا حمر مواضينا"، وعليه فإن إعادة رفع هذا العلم إنما تعني في شكلها ومضمونها أن ليبيا تدخل مرحلة الاستقلال الثاني، فالأولى كانت مرتبطة بنهاية الاستعمار الإيطالي، والثانية تشير إلى نهاية حكم الطغيان الوطني.

"
التجربة الواقعية تثبت أن القذافي والدائرة الضيقة المحيطة به، استحوذوا على كل مقاليد الثروة والسلطة في أيديهم وتركوا الفتات وأمور المحليات والشؤون القروية لما يسمى باللجان الشعبية "
وبغض النظر عن الجدل الفكري حول حقيقة التغيير الذي شهدته ليبيا عام 1969 وهل هو انقلاب عسكري نمطي أم ثورة حقيقية، فإن ليبيا شهدت تحولات جذرية في بنيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد استيلاء القذافي على السلطة. وأحسب أنه حاول جاهدا بنمط شخصيته المتقلبة والزئبقية أن يأتي بشيء لم يسبقه إليه أحد، وفي عام 1977 أعلن القذافي إنشاء أول جمهورية في التاريخ.

وقد حاول القذافي بطريقة عبثية وغير منطقية الجمع بين بعض الأفكار المستمدة من الإسلام والقومية والاشتراكية في كتاب واحد أطلق عليه اسم الكتاب الأخضر، وهو الذي يؤسس لسلطة الشعب بشكل مباشر. ولعل ذلك بات واضحا من ادعاءات القذافي بأنه زعيم للثورة وأنه ليس رئيسا عاديا كغيره من رؤساء الدول.

على أن التجربة الواقعية تثبت أن القذافي والدائرة الضيقة المحيطة به استحوذوا على كل مقاليد الثروة والسلطة في أيديهم، وتركوا الفتات وأمور المحليات والشؤون القروية لما يسمى باللجان الشعبية حتى تقضي وقتها في مناقشات وحوارات عقيمة لا تجدي نفعا.

لقد أبرزت ثورة 17 فبراير في ليبيا أن ثورة الجماهير الحقيقية أسقطت بلا رجعة دولة الجماهير الزائفة التي تشدق بها القذافي وأعوانه. وأيا كان السيناريو الذي ستفضي إليه الثورة الليبية فإن ظاهرة الأخ العقيد انتهت إلى غير رجعة. لقد آن لأحفاد عمر المختار أن يستنشقوا عبير الحرية وينعموا بنسائم الاستقلال مرة أخرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة