انفصال جنوب السودان: رد الاعتبار لمبدأ تقرير المصير   
الأحد 4/2/1432 هـ - الموافق 9/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:36 (مكة المكرمة)، 13:36 (غرينتش)
عبد الله علي إبراهيم
 

لعل من أكلح وجوه انفصال جنوب السودان المرتقب أننا نخوض فيه كلنا بلا قبس من علوم السياسة. وأبرز قسمات هذا الخوض المجازف تفاقم الاستشهاد بالشعر والأغاني حتى قال جنوبي في قدرية الانفصال "فات الميعاد والإنكتب في جبينا بان" من أغنية للأستاذ صلاح بن البادية. ولما تصادف أن كان ميقات التصويت (9 يناير) قبل أول يناير، عيد استقلال السودان، سالت القصائد الوطنية على أنهر الوسائط. أما القسمة الأخرى الأخطر فهي إقبال أحزاب الشمال وهيئاته "على بعضهم يتلاومون".

فالسؤال الأعظم الذي يتردد في ردهات السياسة السودانية هو: "من يتحمل وزر انفصال الجنوب؟". فالمعارضة تلقي الوزر على نظام الإنقاذ الذي لم يجعل الوحدة جاذبة ضمن سيئات أخرى تجل عن الحصر. ورد عليهم غندور، أمين السياسة في المؤتمر الوطني، بأنهم لن يتحملوا المسؤولية وحدهم. فهم لم يكونوا البادئين بإعطاء الجنوب حق تقرير المصير. فقد سبقتهم  إليه المعارضة باتفاق أسمرا المصيري (1996) الذي قرر هذا الحق للجنوب.

ولكن المعارضة تقول إن الحكومة هي التي رمت بهذا "الكرت" للمنقسمين للحركة الشعبية في 1995 في لقاء فرانكفورت. بل تجد باقان أموم الأمين العام للحركة الشعبية الأجهر صوتًا بدعوة الانفصال، يقول إن تقرير المصير ربما لم يطرأ لهم لو لم "تغازل" الإنقاذ به الخارجين عليها في فرانكفورت لسحب البساط من تحت أقدامهم.

"
أخشى أن تكون المعارضة بصدد تسجيل نقاط سياسة بتحميل الإنقاذ وزر الانفصال كابرًا عن كابر. وليس بالطبع من الذكاء في شيء البحث عن المتهم بالانفصال (لو حولناه إلى جنية) طالما وقع في ظل حكم الإنقاذ. يكاد المريب يقول خذوني!
"
أخشى أن تكون المعارضة بصدد تسجيل نقاط سياسة بتحميل الإنقاذ وزر الانفصال كابرًا عن كابر. وليس بالطبع من الذكاء في شيء البحث عن المتهم بالانفصال (لو حولناه إلى جنية) طالما وقع في ظل حكم الإنقاذ. يكاد المريب يقول خذوني! ولكن الأهدى للمعارض ألا يحكم غريزته المعارضة في تحديد المأزور. ومن ذلك أن يسأل: كيف يرى الجنوبي المنفصل العيش لخمس وخمسين عامًا في دولة حكمتها أطراف من المعارضة وإن لمدد قصار؟ يكفي أن السيد سلفاكير قال بغير مُؤاخذ إن الشمال لا يعرف سبيلاً لحكمنا إلا بالشريعة حتى لو كان الحزب الشيوعي نفسه على دست الحكم.  فخلافًا للمعارضة فالجنوبي الذي سيصوت في الاستفتاء أطول ذاكرة وأعرض من المعارضة التي همّها إزالة الحاكم.

متى صوّت الجنوبيون للانفصال كان تصويتهم رأيًا في العلاقة مع الدولة التي غلبت في حكمها صفوة شمالية مدنية وعسكرية. وليست دولة الإنقاذ في هذا التراث المغضوب عليه سوى رأس جبل الجليد الطافح. ولم أجد من اقترب من هذا المعنى من المعارضين مثل الأستاذ الشفيع خضر، مسؤول العلاقات الخارجية بالحزب الشيوعي، الذي قال إن منح الجنوب حق تقرير المصير وقع في إطار "أزمة وطنية عميقة وشاملة طبعت كل أوجه الحياة السياسة بميسمها".

وإنها تأزمت وتعقدت بالمعالجات القاصرة والخاطئة على أيدي القوى الاجتماعية التي شكلت الأنظمة المدنية والعسكرية التي تعاقبت على الحكم طيلة الخمس والخمسين سنة الماضية. وأضاف، بحق، أنه لا قدم الأزمة ولا عمقها مما يعمينا "عن الدور الكبير الذي لعبه نظام الإنقاذ في تفاقمها وازديادها تعقيدًا". وبكلمة واحدة فوزر الإنقاذ في الانفصال الوشيك هو فرق درجة لا نوع.

ونتدارك هنا قائلين بخطأ الاستنتاج من حقيقة أن المصوتين للاستفتاء وهم الجنوبيون ضحايا وبراء من الأزمة الوطنية العامة. فقد كانوا لاعبين مميزين فيها (agents). فأول مواجهة لهم، عرفت بـ"تمرد أغسطس 1955 ضد سلطة الخرطوم" كانت مذبحة مؤسفة ضد شماليين مدنيين من موظفي الحكومة وأسرهم قبل أربعة شهور من استقلال السودان عام 1956. ومما يسقم النفس أن يعلن الجنوب منذ نحو سنتين أن 18 أغسطس، الذي لم يلق فيه جندي شمالي واحد حتفه، سيكون هو عيد لقدامى المحاربين في الجنوب.
   
غالبًا ما أعفت الصفوة الشمالية، وهي في غمرة ثأراتها السياسية، ناهيك عن المجتمع الدولي، الجنوبيين من التأثيم لدورهم في الأزمة الوطنية السودانية العامة. فهم ضحايا وحسب. وهذا تجريد لهم من الفعل أصالة (agency)، أي "ما مؤاخذين" بعبارة عربية شائعة في إسقاط التكليف. فاختيارهم لتكتيك حرب العصابات أو التحرير في كل الظروف مكن القوات المسلحة والأمن والأحزاب العقائدية الصغيرة والهاربين من الديمقراطية من زمام الحكم في الخرطوم حتى حكمتنا هذه التحالفات المستبدة 43 عاما من عمر استقلالنا البالغ 55 عاما.

وطوت النظم الديكتاتورية المتطاولة صفحة واحدة من أنصع الحركات النقابية والجماهيرية في أفريقيا والشرق الأوسط وما بقي منها سوى الحطام. وهي حركة غير مذكورة في السجل السوداني المعاصر. ويكفي أن نذكر أن من إرث هذه الحركة  الديمقراطية ثورة أكتوبر 1964 التي لم تقض على نظام الفريق عبود (1958-1964) فحسب بل أقامت حكومة لم تتكرر غلب فيها تمثيل العمال والمزارعين والمهنيين. وكرمت مواطنة المرأة والشباب من سن الثامنة عشرة بحق التصويت. وعقدت، في ملابسات صعبة، مؤتمر المائدة المستديرة لحل مسألة الجنوب الذي تسربت توصياته وصارت أساسًا للحكم الذاتي الإقليمي مما تمتع به الجنوب بعد اتفاقية أديس أبابا (1972) حتى اندلاع الحرب في 1983 بقيادة الحركة الشعبية الحالية.

"
نتوقف في معرض توزيرنا للحركة القومية الجنوبية عند مفارقة مؤسفة. فبينما ناضلت الحركة الجماهيرية النقابية للديمقراطية بفرضية أن الديمقراطية هي المناخ الأمثل لحل مسألة الجنوب، تجد الحركة القومية الجنوبية ناصبت هذه الديمقراطية العداء ورفعت السلاح في وجهها
"
ونتوقف في معرض توزيرنا للحركة القومية الجنوبية عند مفارقة مؤسفة. فبينما ناضلت الحركة الجماهيرية النقابية للديمقراطية بفرضية أن الديمقراطية هي المناخ الأمثل لحل مسألة الجنوب، تجد الحركة القومية الجنوبية ناصبت هذه الديمقراطية العداء ورفعت السلاح في وجهها. فثورة 1964 قامت على محور كلمة قالها الدكتور الشاب حسن الترابي في ندوة في سبتمبر 1964، قبل شهر من الثورة، عن وجوب الديمقراطية لحل الجنوب.

ولما استرددنا الديمقراطية بالثورة تفرقت الحركة القومية الجنوبية بين قابل لها ومن تأبط السلاح ودخل الغابة. وانبذرت بذرة انقلاب مايو 1969 بين ضباط القوات المسلحة في الجنوب الذين اعتقلوا وزير الدفاع توبيخًا للحكومة على ضعف عتادها وخططها في حرب الجنوب.

وحدث الشيء نفسه بعد الإطاحة بالرئيس نميري (1969-1985) واستعادة الديمقراطية بالانتفاضة الشعبية. فاستهترت الحركة الشعبية بالديمقراطية وقاطعت انتخابات 1986 وواصلت التصعيد العسكري. وكان إسقاطها لطائرة مدنية بصاروخ وقتل ركابها الستين نقطة فاصلة في صعود نجم الجبهة القومية الإسلامية التي اعتزلها الناس لتورطها في التعاون مع الرئيس نميري. فاستثمرت إسقاط الطائرة الاستفزازي ، وتبنت المشاعر الإثنية العرقية للشماليين. وكانت البادرة فوزهم المجلل في انتخابات طلاب جامعة الخرطوم الذي هو مقياس الحرارة السياسية في البلاد.

وخلا للإسلاميين الجو فتبنت الجبهة الإسلامية حملة العلاقات العامة للقوات المسلحة بمناسبة مثل "أمان السودان".  وكسبت أفئدة كبيرة نتيجة استفزازات أخرى مثل احتلال الحركة لمدن شمالية في تصعيد غير مناسب وهادم لبنية الديمقراطية. فتسربت عقيدة الانقلاب للترابي خلال هذه الأنشطة والمنعطفات فوقع انقلاب 1989.

ولا تقف المفارقة المؤسفة عند هذا الحد. بل نجد القوميين الجنوبيين يعودون بعد القضاء على الديمقراطية لعقد اتفاقيات السلم مع المستبدين، في أديس أبابا مع نميري وفي نيفاشا في 2005 مع البشير. ولم تعد عليهم هذه الاتفاقات المعقودة من وراء الحركة الديمقراطية الجماهيرية، وعلى حسابها، بغير الخسران: فانقلب نميري عليهم في 1980 ورمى بالاتفاقية في سلة المهملات. وها نحن نراهم الآن حاملين على البشير الذي لم يجعل الوحدة جاذبة.

ربما ساعد هذا العرض الموجز للأزمة الوطنية المزمنة العامة القارئ ليثمن حق تقرير المصير الذي تواضع عليه السودانيون (وإن أسقمهم الانفصال نفسيا) بصورة مختلفة عما جرى من قبل. لن تجد ليوميات هذه الأزمة الوطنية الشاملة وشاغلها ذكرًا في تحليل المحنة السودانية. وسبب غيابها أن المحللين نظروا إلى صراع السودان باعتباره نزاعا ثقافيا بين مسلمين وآخرين على "الوثنية" أو المسيحية (وإغفال أن كثيرًا منهم على دين الإسلام).

ثم جاءت دارفور المسلمة ليتحوّر مدار الخلاف ليصبح بين عرب وأفارقة. وتغاضوا عن أن أزمة السودان هي أزمة التحول من مستعمرة إلى وطن وصيرورة الناس فيه مواطنين لا رعايا. وكلنا في هذا الهم أفارقة أو عرب باختلاف الكيانات الثقافية والاجتماعية في كل حال على حدة. لم يقع لنا حق تقرير المصير عن فشل سوداني فطري. فالطاقة التي من وراء هذا المبدأ، كما أوضحنا، تكشف عن حيوية سياسية وطلب مثابر للحرية والمواطنة السوية. وهي حيوية بلغت أقصاها في السودان بينما لا تزال تتعثر في الأوطان الموروثة من الاستعمار. فنحن في أفريقيا سواء في عنت إعادة التفاوض في الدولة-الأمة المستلمة من المستعمرين.

ولكن وتائر الشغف بوطن مستقل كانت أبكر في السودان وأسرع. فيوم كنا نُعيّر بـ"رجل  أفريقيا المريض" من فرط شقاقنا كان يشار إلينا بساحل العاج الآمنة المطمئنة أو كينيا الساكنة التي لم يقع فيها انقلاب. ثم انظر اليوم إلى ساحل العاج وقد كشفت عن شحمها الورم فإذا هي برأسين متشاكسين على سدة الجمهورية مما لم نصب به في السودان رغم طول الخلاف. وانظر إلى كينيا وقد عادت من مذابح الأخدود المتصدع بعد الانتخابات في 2007 تلعق جراح شقاق شعب الكوكيو وشعب اللو. وكانت أكثر المناطق التي تضررت في النفس والمال خلال الأزمة هي ضاحية نيفاشا التي انعقد فيها الإجماع السوداني على تقرير المصير ضمن مسائل أخرى. فانظر عبير الأمكنة وفسادها معًا.

"
لم يقع لنا حق تقرير المصير عن فشل سوداني فطري. فالطاقة التي من وراء هذا المبدأ، كما أوضحنا، تكشف عن حيوية سياسية وطلب مثابر للحرية والمواطنة السوية. وهي حيوية بلغت أقصاها في السودان بينما لا تزال تتعثر في الأوطان الموروثة من الاستعمار
"
ليس بين العالمين (ولا بين كثير من السودانيين أنفسهم) من يريد أن يعطينا الفضل في أخذنا بمبدأ من مبادئ تكوّن الأمم لعلاج محنتنا الوطنية القديمة.  لقد طرقنا كل الأبواب طلبًا للإخاء الوطني: قتلنا مسألتنا بحثًا في تفاض طاف بأركان الدنيا وصار مثار تآليف شتى، وتواثقنا على عهود أوفينا ببعضها ونكثنا بالآخر حال العقود المعروف، وحاربنا بقوة وعزيمة عند ما رأى كل منا الحق، ونعمنا بأوقات سلم جربنا فيها تمارين دستورية مثل الحكم الذاتي الإقليمي للجنوب بين 1972-1982 أو الكونفدرالية بغير تسمية من 2005 إلى تاريخه.

بل جربنا الحجر (وقال سوداني لئيم ما وجدت الأرضة بعد تجريبها الحجر!). وليس العيب فينا. العيب في علم السياسة الذي توارى مفهوم تقرير المصير من كتابه لأنه توقف بنازع الحرية عند حركة التحرر من الاستعمار. وأصبح النضال للمواطنة الكريمة (التي كان السودان واحدًا من أوسع ساحاتها)، الذي أعقب الاستعمار، يثير ريب علمائها ورعب الحكام ممن نظروا له من باب الفتنة والفوضى. بل جرى تحريم طلب حق تقرير المصير للجماعات الشقية بوطنها بعد الاستقلال في الستينيات بواسطة منظمة الوحدة الأفريقية التي هي ناد الوطنيين العاضين بالنواجذ على المستعمرة لا أحسنوا إدارتها ولا فضوها بإحسان.

وأكثر ما حجب نازع الحرية في السودان، الذي تجلى في مبدأ تقرير المصير باحتمالاته الخطرة، جاءنا من دوائر إسلامية وعربية. فقد حمّل الأستاذ محمد حسنين هيكل حكومات الاستقلال الوطني مسؤولية الانفصال. ومع سداده في ذلك فإنه صرف حق تقرير المصير كعلة أو عاهة. ولو قرأ هيكل هذا المبدأ ،لا من زاوية الحكومات التي عابها فحسب بل من زاوية الهمة السودانية لإعادة التفاوض في الوطن أيضا، لتحفظ في القول بسناريو الويل والثبور المحدق بالسودان مثل قوله إن ما بقي من السودان سيتفرق إلى أربع بلدان أخرى.

ولكن الحجاب الأغمق لهذا الخيار السوداني ما جاء في معرض منزلة السودان باعتباره "ثغرا" للعروبة والإسلام. فالأستاذ أمين الهويدي يراه "بوابة" العرب والمسلمين إلى أفريقيا". كما يراه العلماء المسلمون الذين أفتوا قبل أيام بحرمة الاستفتاء السوداني (أي التنازل عن أرض المسلمين) "بوابة الإسلام والعروبة إلى الإسلام". ولما كان السودان بهذا الخطر أصبح تفكيكه غرضًا صليبيًّا إمبرياليًّا لفتّ عضد الأمة والعقيدة.

 وسبق لي نقد صورة السودان باعتباره ثغرًا عربيا إسلاميا في كلمة قدمتها لمنتدى الشباب العربي في الخرطوم (1987) ونشرتها في كتابي "الثقافة والديمقراطية في السودان" (1995). قلت فيها إن المفهوم جعلنا جماعة من الدعاة لا الرعاة مكلفة عرقًا ودينًا بنشر العربية مبتدئة بجيرتها من الأفريقيين بجنوب السودان .

وأصبح السودان بواقع هذه المهمة مقرًّا لمنظمات دعوة عربية وإسلامية ترعرع فيها كادر مميز حسن التدريب والمكافأة على إحسان التبشير لا المسؤولية عن الرعية. وأصبح من الصعب عند الكثيرين منهم أن يوازنوا بين مهمتهم بوصفهم رجال دولة مسؤولين عن جماعات وطنية متباينة الثقافات، وبين مهمتهم بوصفهم دعاة دعوة مخصوصة. وكثيرًا ما تغلّب الداعية على رجل الدولة وهذا ما يفسر التوتر بل الإخفاق الذي لازم بناء الدولة السودانية لعقود طويلة.

وقلت إنه يجب الاعتراف بأن الدور المرسوم لنا دور مرهق جدًّا . فقد كان بإمكان هذه الجماعة السودانية أن تنعم بوقوعها على هامش مضخات الحركة والتجدد في الثقافة العربية والإسلامية مثلها مثل أية جماعة أخرى، لولا وقوعها "ثغرًا" أو "رباطًا"، بالمصطلح الجهادي، في تماسّها مع جماعات أفريقية يظن حملة الأديان الكتابية -بما في ذلك الإسلام- أنها خلاء من العقيدة. ولذا تلقى هذه الجماعة العربية الإسلامية حرجًا وعجزًا كبيرين حين تتصرف وفقًا لعقلية "الثغر" بإمكانيات "الهامش".

"
أكثر ما حجب نازع الحرية في السودان، الذي تجلى في مبدأ تقرير المصير باحتمالاته الخطرة، جاءنا من دوائر إسلامية وعربية. فقد حمّل الأستاذ محمد حسنين هيكل حكومات الاستقلال الوطني مسؤولية الانفصال. ومع سداده في ذلك فإنه صرف حق تقرير المصير كعلة أو عاهة

"
وترتب على استعدادنا للقيام بدورنا المرسوم أن تعاملنا مع الجماعات الأفريقية المساكنة لنا في الوطن السوداني كرجرجة بلا ثقافة ولا دين. فقد اتهمنا لغتهم بالعجمة ودينهم بالوثنية ودعمت دعوتنا الفكرية إجراءات قامت بها الدولة الوطنية لكسر المقومات اللغوية والدينية لهذه الجماعات الأفريقية لتستبدل بلغتها اللغة الصواب (العربية) وبدينها الدين الصحيح (الإسلام). وترتب على هذا الموقف أن نشأ سوء تفاهم أصيل بين الجماعة العربية الإسلامية والجماعات الأفريقية في السودان. وهو سوء التفاهم الذي تفجّر في حرب أهلية متصلة ومتقطعة طوال الثلاثين سنة الأخيرة منذ نيل السودان للحكم الذاتي في 1954 .

مهما يكن، وبعيدًا عن اللوم واللوم المضاد، اختار السودانيون طريقًا شجاعًا لحل المسألة الوطنية بتفكيك الدولة الاستعمارية، متى أراد الجنوبيون، طالما أعيتهم الحيلة إلى الألفة السودانية. ومر زمن كانت الهمة في انفراط دولة ناشزة سمة للعقل والشجاعة. وقد أطرى ألكس توكفيل -مؤلف كتاب "الديمقراطية في أميركا" (1835)- أميركا لتلك المأثرة. فلم يقع للأميركيين "الاتحاد الناجز" الحالي إلا في مؤتمر فلادلفيا الدستوري عام 1786 الذي بدأ فيه المؤتمرون تشكيل الدولة من الصفر.

وسيحصل السودانيون يومًا على "توكفيلهم" الذي سيميز شجاعتهم للعالمين. لقد كنا أول أمة أفريقية نالت استقلالها في 1956 ونحن أول أمة أخرجت مبدأ تقرير المصير من أضابير علم السياسة وحراس الدولة -المستعمرة الأشداء. وسيتبعنا كثيرون شمخوا بأنوفهم عليه بحمية الوطنية والقومية الكاذبة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة