دروس من العفو البريطاني   
الأربعاء 1431/12/4 هـ - الموافق 10/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:49 (مكة المكرمة)، 12:49 (غرينتش)
محمود المبارك


بثقة عارمة وجرأة غير مبالية، استهل وزير الخارجية البريطاني، وليام هيغ، زيارته الأخيرة إلى إسرائيل بتصريح يتناسب مع تاريخ بلاده الوفي لمساندة الإجرام والاحتلال الصهيوني، حين أعلن عن نية بلاده في تغيير قوانينها الداخلية، لأجل حماية مجرمي الحرب الإسرائيليين من المثول أمام ما كان يمكن أن يوصف بـ"العدالة البريطانية".

جاءت تصريحات وزير الخارجية البريطاني هذه متزامنةً مع الذكرى الثالثة والتسعين لوعدٍ، غني بالشهرة عن التعريف، أطلقه سلفٌ له قديم، لا يزال يتربع في ذاكرة اليهود والمسلمين، بدرجة مختلفة من الحب والبغض.

"
العفو البريطاني السخي عن مجرمي الحرب الإسرائيليين يأتي متزامناً مع الذكرى الـ54 لأحد أبشع الجرائم الإسرائيلية، التي شملت إبادة المئات من الفلسطينيين فيما عرف تاريخياً بـ"مجزرة خان يونس"
"
وإذا كان بلفور قد سن سنة عطاء "من لا يملك لمن لا يستحق"، فإن الوزير البريطاني الحالي تفوق عليه بإعطاء درس "العفو عن كل من لا يستحق".

هذا العفو البريطاني السخي يأتي متزامناً مع الذكرى الرابعة والخمسين لأحد أبشع الجرائم الإسرائيلية، التي شملت إبادة المئات من الفلسطينيين فيما عرف تاريخياً بـ"مجزرة خان يونس"، كما أنه ليس بعيداً عن الذكرى الثانية للحرب الإسرائيلية على غزة، والتي بسبب جرائمها غير المسبوقة لا يزال أحرار العالم وشرفاؤه ينتظرون الساعة التي تبسط فيها العدالة الدولية يدها ومن ثم تقبضها بصيد مجرمي الحرب الإسرائيليين، أو حتى بعضهم.

ليست الخطوة البريطانية للانسلاخ من الالتزام بالقوانين الدولية بدعة في عالم الغرب الحديث. فقد سبقت هذه الخطوة، خطوتان غربيتان مماثلتان. فأما الخطوة الأولى فقد جاءت من بلجيكا، حيث غيرت الحكومة البلجيكية قوانينها الداخلية لأجل منع محاكمها الداخلية من قبول قضايا مرفوعة ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين، مثيلة لتلك التي قبلتها المحاكم البلجيكية ضد شارون عام 2001.

أما الخطوة الأخرى فقد جاءت من إسبانيا، حيث تغيرت القوانين الداخلية التي كان بموجبها يمكن التقدم برفع دعوى ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين من قبل المواطنين الإسبان، أصحاب البشرة البرونزية الرائعة الجمال، التي تنم عن الدم العربي الذي لا يزال يجري في عروق الكثير منهم.

وعلى الرغم من أن التبجح الإسرائيلي تجاوز ازدراء القوانين الدولية إلى التعدي على القوانين الداخلية للدول الأوروبية من خلال تزوير جوازات سفر دول أوروبية "صديقة" بما فيها بريطانيا، أثناء القيام بجريمة اغتيال محمود المبحوح، على الرغم من ذلك كله، إلا أن العين الأوروبية لا تزال مستمرة في تجاهل هذه الجرائم مجتمعة ومتفرقة.

من يدري فربما كانت "العدالة الأوروبية" مشغولة عن الجرائم الإسرائيلية بجرائم الحكومة السودانية في دارفور. أو ربما كانت الحكومات الأوروبية منهمكةً في البحث عن طريقة لإيقاف سيل الفضائح الذي ما زال يتدفق من موقع ويكيليكس المدمر لسمعة الغرب، خصوصاً ما يعلن عنه أصحاب الموقع من أن ما هو أفظع وأشنع لم يأت بعد.

وأياً كان الحال، فإن مفاجأةَ العفو الذي أعلن عنه الوزير البار سجيةٌ بريطانيةٌ نادرة، ولا يظهر إلا لأهل الحظوة من الصهاينة، المتوارَث حبهم جيلاً بعد جيل لدى صناع السياسة البريطانية. لا أحد يدري بم سيفاجئنا سيادة الوزير غير الموفق في زيارته القادمة لإسرائيل.

إذ ربما كان حرياً بوزير الخارجية المتصهين أن يكسب قلوب أصدقائه الإسرائيليين بسن تشريع برلماني جديد يُجرم كل من يأتي على ذكر أي من مجازر الدولة العبرية، كمجزرة دير ياسين أو مجزرة خان يونس أو مجازر صبرا وشاتيلا أو مجزرتي قانا الأولى والثانية أو الحرب الإسرائيلية على لبنان 2006 أو حتى الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، تماماً كما هو الحال مع قوانين بلاده التي تحرم إنكار أو التشكيك في المحرقة اليهودية المقدس ذكرها.

"
ربما استطاع الوزير هيغ المبدع دائماً، أن يقترح دفع تعويضات للحكومة الإسرائيلية جراء القضايا التي رفعت في محاكم بلاده ضد مسؤوليها، لما نتج عن ذلك من إضرار بسمعة إسرائيل الطيبة"
أو ربما استطاع الوزير المبدع دائماً، أن يقترح دفع تعويضات للحكومة الإسرائيلية جراء القضايا التي رفعت في محاكم بلاده ضد مسؤوليها، لما نتج عن ذلك من إضرار بسمعة إسرائيل الطيبة، وتشويه صورة مسؤوليها الأخيار في الصحافة العالمية.

ولكن ربما كان يحسن بالوزير -الذي درس الفلسفة والسياسة والاقتصاد في أعرق جامعات أوروبا- أن يتعلم كيف يشرح لطلاب سنة أولى قانون الفرق بين مجرمي الحرب النازيين ومجرمي الحرب الإسرائيليين الذين خرقوا كل القوانين والأعراف الدولية.

وإذا كان تدمير البيوت على من فيها من الأطفال والنساء والمدنيين، وقصف المستشفيات وسيارات الإسعاف والمساجد ومقرات الأمم المتحدة، واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، واستهداف وسائل الإعلام المحمية في القانون الدولي، كل ذلك يمكن أن تسعه عباءة العفو البريطاني، فهلا وسع هذا العفو البريطاني الرحيم الفتاة الغرة التي قامت بمحاولة بدائية فاشلة في الاعتداء على نائب بريطاني قبل أيام، بدلاً من الحكم عليها بالسجن مدى الحياة؟

ترى هل يخبرنا الوزير غير الموقر بما أوتي من حكمة غير جلية، عما إذا كان هذا التخاذل القانوني الذي يريد تشريعه سوف يزيد أو ينقص من أعمال العنف في الشرق الأوسط ضد المصالح الغربية؟

ثم بأي وجه حق يستطيع الرجل الذي يدير شؤون خارجية الإمبراطورية التي غابت الشمس عن مستعمراتها، أن يعظ دول العالم المتخلف في مسائل حقوق الإنسان، كما هي عادة أسلافه؟

أم إن الشخص الذي سبق أن أدين بإساءة ممارسة أعمال انتخابية أثناء ترشحه لمنصب زعيم جمعية المحافظين لطلبة جامعة أوكسفورد، سيجد طرقاً أخرى غير لائقة لتبرير مخازيه، كما كان حاله من قبل؟

وبغض النظر عن هذا الموقف البريطاني المشين، فإن حقيقة باتت اليوم أكثر وضوحاً من ذي قبل، مفادها أن القوانين الدولية وقوانين حقوق الإنسان إنما وضعت لحماية الرجل الغربي الأبيض، وليس ضده.

المثير للسخرية أن سيد البيت الأبيض السابق الذي أطلق الرصاص في رأس القانون الدولي مرات ومرات، هو اليوم يعود إلى الصدارة الإعلامية بنفس الجرأة التي اعتاد أن يتحفنا بها.

"
إذا رفضت محاكم القارة العجوز قبول رفع قضايا ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين، فلا تزال لدينا دول عربية في ريعان شبابها، ولديها علاقات دبلوماسية مباشرة مع العدو الصهيوني
"
ففي كتابه المتوقع صدوره هذا الأسبوع، اعترف الرئيس الأميركي الذي ارتقى في سلم الوقاحة السياسية بعد انتهاء فترته الرئاسية، اعترف غير مبالٍ، أنه كان أصدر أوامره للاستخبارات الأميركية باستخدام أساليب احتوت على تعذيب المعتقلين في غوانتانامو، على رغم ما في هذا الاعتراف من تحدٍ للقوانين الدولية والمحلية الأميركية على حدٍ سواء.

لكن ورغم ذلك كله، فليس هذا محل اليأس بعد. فإن رفضت محاكم القارة العجوز قبول رفع قضايا ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين، فلا تزال لدينا دول عربية لديها علاقات دبلوماسية مباشرة مع "العدو الصهيوني"، ولا يزال المسؤولون الإسرائيليون يترددون من وإلى عواصم، بل ومدن وقرى تلك الدول.

وتبعاً لذلك، فإن الخطوة القادمة هي من أبناء عدنان وقحطان، الذين سوف تباشر سلطات حكوماتهم العربية الباسلة في القبض على مجرمي الحرب الإسرائيليين، واحداً تلو الآخر بمجرد حط أقدامهم في مطارات دولهم.

لا نامت أعين الجبناء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة