هل حان الوقت ليقول حزب التحرير كلمته؟   
الاثنين 1428/8/7 هـ - الموافق 20/8/2007 م (آخر تحديث) الساعة 19:22 (مكة المكرمة)، 16:22 (غرينتش)
حسن الحسن


منذ تشكيل الحزب على يد الشيخ تقي الدين النبهاني عام 1953 وصولا إلى عامنا الحالي 2007، مضت عقود عديدة مرت فيها أحداث كبيرة كان متوقعا معها أن يقول الحزب كلمته الحاسمة فيها بإعلان إقامة دولة الخلافة لتدخل الأمة حلبة التاريخ من جديد بشكل فاعل وحقيقي.

"
حزب التحرير دأب على الدعوة إلى إقامة الخلافة الإسلامية على اعتبارها الشكل الشرعي لنظام الحكم الذي يطبق الإسلام ويضمن للأمة وحدتها ويصون لها حرماتها ويضمن لها مصالحها
"
وبالفعل عمل الحزب بكل جدية وإصرار على استلام السلطة عن طريق القوى الفاعلة في الأمة (الجيش) في كل من الأردن والعراق ومصر وسوريا في أكثر من مناسبة وأكثر من مرة.

إلا أنه كان للقدر كلمة أخرى وموعد آخر مع النصر يستشعر الحزب دنوه في كل يوم يمضي رغم التكاليف الباهظة التي يدفعها شبابه في سبيل هذه الدعوة، معولا على وعد الله بالتمكين والنصر، متأسيا بطريقة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) لتحقيق ذلك من خلال بناء الكتلة المؤمنة وحمل الدعوة الإسلامية وطلب النصرة ممن يمتلك قوة تعيد للأمة سلطانها وتحكم شريعتها وتصهرها في كيان واحد على أنقاض الأنظمة القائمة.

وهكذا دأب حزب التحرير على الدعوة إلى إقامة الخلافة الإسلامية على اعتبارها الشكل الشرعي لنظام الحكم الذي يطبق الإسلام ويضمن للأمة وحدتها ويصون لها حرماتها ويضمن لها مصالحها.

وقد رسم الحزب لنفسه خطوطا عريضة تجعل من الإسلام أساس حياته والموجه له في دعوته سواء على صعيد الفرد أم الكتلة الحزبية.

وقد عرف نفسه بالحزب السياسي الذي يهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة، منبها إلى ضرورة ووجوب سير العمل السياسي بحسب الأحكام الشرعية، محذرا من خطورة الارتباط بالمستعمر الأجنبي الكافر أيا كان، معتبرا أن ذلك تواطؤ مع أعداء الأمة وانتحار سياسي بغض النظر عن المبررات والأعذار.

وعليه كافح حزب التحرير سياسيا أنظمة الحكم القائمة موضحا تبعية الحكام، وكاشفا تفاصيل تآمرهم على الأمة وقضاياها، كما خاض صراعا فكريا مع الهجمة الثقافية التغريبية الرائجة التي تدعو إلى العلمنة بشكل مباشر أو من خلال تفريغ الأمة من المفاهيم العقائدية والأحكام الشرعية التي تضبط وتنظم شؤون المجتمع والدولة واستبدالها بمفاهيم غريبة عن الإسلام.

وقد كان لمواقف الحزب هذه انعكاس مباشر على علاقته بالأنظمة الحاكمة القائمة في العالم الإسلامي وبالتيارات السياسية السائدة إلى درجة التضاد، مما جعله يغدو متفردا في دعوته مصرا على أن استئناف الحياة الإسلامية من خلال إقامة دولة الخلافة هو وحده الكفيل بتحرير الأمة من براثن الاستعمار وعتقها من هيمنته.

وللأسباب الآنفة، تتابعت منذ وقت مبكر الملاحقات الأمنية بشكل قاس لكوادر حزب التحرير وأعضائه وأنصاره في مناطق نشأته (القدس ومدن الضفة الغربية في فلسطين)، وكذلك في المناطق التي تمدد إليها وانتشر فيها في الفترة الأولى (الأردن وسوريا ولبنان والعراق وليبيا ومصر)، كما اشتدت وطأة الحكام على شباب الحزب في مناطق انتشاره لاحقا (دول شمال أفريقيا وجمهوريات آسيا الوسطى والصين).

وقد شكل هذا الوضع الأمني الصعب عاملا معوقا للحزب عن ممارسة عمله السياسي وأنشطته الدعوية على النحو المطلوب، وما زاد الأمر صعوبة هو ممارسة الأنظمة الحاكمة سياسة التعتيم الإعلامي التام على حزب التحرير، مما أدى إلى الحيلولة بينه وبين الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمعات التي ينشط فيها.

وفي خضم صراع الحزب مع الأنظمة الحاكمة ومع التيارات المتضادة معه تم الاعتراض عليه بأنه حزب جامد وحالم، خاصة بعد أن نزف شبابه تحت سياط التعذيب وعلقوا على أعواد المشانق وقضوا سنوات طويلة في السجون والمعتقلات (بعضهم قضى أكثر من ثلاثين سنة متواصلة) وما زالوا يتنقلون من معاناة إلى معاناة.

ومخالفو هذا الحزب هم ما بين مدعٍ جموده على ما نشأ وشب عليه قبل أكثر من خمسين سنة، إلى قائل بعدم واقعيته واستحالة تحقيق أهدافه، وصولا إلى طاعن في فكرة الخلافة نفسها مدعيا أنها ليست بأكثر من نظامٍ سياسي تاريخي اندثر وأنه لم يكن المثال الذي يجدر أن يحتذى، وانتهاء بأنه لا طائل يرجى من كثرة التشديد على إيجاد الخليفة الذي كان يمثل قيمة رمزية في التاريخ أكثر من أي شيء آخر.

"
منهج حزب التحرير آخذ باستقطاب مزيد من أبناء الأمة بعد تداعي الطروحات الإصلاحية التي تبنت العمل عبر الأنظمة الحاكمة نفسها واللعب ضمن قوانينها، وبعد أن باءت بالفشل كافة محاولات خوض اللعبة الديمقراطية التي صممت لعلمنة المجتمعات لا لأسلمتها
"
أما فيما يتعلق بدعوى جمود الحزب فإن ما يجدر إدراكه بهذا الصدد هو أن مؤسس حزب التحرير الشيخ تقي الدين النبهاني كان قد احتك عن قرب بكافة أشكال مكونات الطيف السياسي والفكري السائدة في حينه من قومية وإسلامية واشتغل على تنقية الثقافة الإسلامية مما علق بها، كما اطلع بعمق على الثقافة الماركسية والليبرالية ونقَضَهُما.

حصل هذا أثناء دراسته في جامعة الأزهر في القاهرة وخلال محنة أهل فلسطين وطرْدِ أهلها منها (1947-1948)، أو أثناء عمله في القضاء في القدس وتنقله بين مدن الضفة وعمان وبيروت ودمشق، وقد أجرى نقاشات مطولة مع العديد من العلماء وأصحاب الرأي في ما يعتري الأمة من مشاكل وكيفية معالجتها وطريق تحقيق نهضتها.

ومع اقترابه من سن الأربعين كانت قد تبلورت لديه الرؤية الشرعية والعملية لإنقاذ الأمة، متوصلا إلى ضرورة بناء كتلة سياسية تلتزم الشرع في فكرها ومنهجها وغايتها، تعمل لإنهاض الأمة على أساس الإسلام فكريا ومن خلال إقامة دولة الإسلام عمليا، متأسيا بما يعتبره مراحل ملزمة من السيرة لإقامة خلافة على منهاج النبوة.

من هنا فإن عمل الشيخ النبهاني رحمه الله كان نتيجة درس وبحث ونضج في التجربة والرؤية شرعيا وسياسيا وفكريا، ولم تكن نشأة الحزب عملا ارتجاليا أو انفعاليا أو ظرفيا أو هبة مؤقتة.

وعليه فإن الوقوف عند جل ما أسس له الشيخ تقي الدين هو أمر له ما يبرره، وأقول جل لأن تعديلات وإضافات في التفاصيل وقعت في عهد المؤسس نفسه وفي عهد من أعقبه في إمارة الحزب كالشيخ عبد القديم زلوم رحمه الله، وكذلك في عهد أمير الحزب الحالي الشيخ عطا خليل أبو الرشتة.

بل إن المطلع على أحوال الحزب من الداخل يجد مناقشات مستمرة، وعاصفة أحيانا، حول أكثر من قضية وعلى أكثر من مستوى، بدءا من أعلى هرم الحزب وصولا إلى آخر من ارتبط به، مما يوجد حيوية مطلوبة لاستمرار دفع الدعوة وبلورة الوعي المطلوب لتحقيق الأهداف المرجوة، وينسف تلك المزاعم عن جمود الحزب أو تقوقعه.

وفضلا عما سبق، نجد أن منهج حزب التحرير آخذ باستقطاب مزيد من أبناء الأمة (حشودٌ ضخمة أمت مؤتمراته في جاكرتا ورام الله وبيروت والخرطوم وغيرها في السنوات الأخيرة)، بخاصة بعد تداعي الطروحات الإصلاحية التي تبنت العمل من خلال الأنظمة الحاكمة نفسها واللعب ضمن قوانينها ومن خلال أجهزتها، وبعد أن باءت بالفشل كافة محاولات خوض اللعبة الديمقراطية، تلك التي صممت لعلمنة المجتمعات لا لأسلمتها، فكان خوض غمار تلك اللعبة محبطا للأمة وباهظ التكاليف على كافة الأصعدة.

أما فيما يتعلق بدعوى مثالية أهداف الحزب واعتبارها مجرد أحلام يستحيل تحقيقها، فإن مثل تلك الادعاءات كانت تردد دائما في كل زمان ومكان وجد فيه من يدعو إلى التغيير والثورة على الواقع والوقوف بوجه المألوف بين الناس، ولكن تلك الادعاءات لو استجاب المرء لها لما تحققت إنجازات تذكر في حياة البشر أصلا.

فمن ذا الذي كان يتوقع إنجازات دولة الإسلام الأولى التي وحدت جزيرة العرب وألحقت هزيمة كاسحة بإمبراطوريتي فارس والروم في زمن قياسي، ومن ذا الذي كان يتوقع أن يستأصل المسلمون شأفة الفرنجة وتحرير فلسطين بعد مرور 88 سنة على احتلالها، أو أن يرد المماليك جحافل التتار والمغول بعد أن اجتاحت الديار وأحلت جيوشها الخراب والدمار في كل مكان.

ومن ذاك الذي كان يتوقع انهيار حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفياتي في بضعة أيام، وإعادة توحيد الألمانيتين بعد هدم جدار برلين! بل من كان يتوقع اصطكاك أميركا الدولة الأولى المتفردة بالقرار العالمي ذات الإمكانيات الجبارة وغرقها في العراق وعجزها عن الخروج منه بماء الوجه.

ثم ألم تكن هزيمة "إسرائيل" العسكرية في جنوب لبنان حلما لدى الكثيرين، وكذلك قبلها انتصار مجاهدي الفلوجة على أميركا ومجاهدي غروزني على روسيا في ملاحم عبرت سريعا لتعطي دلالات مهمة في كيفية تحقيق ما يتوهمه البعض مستحيلا؟!

"
الحملة التي تحاول تشويه فكرة الخلافة والانتقاص من قيمتها من قبل "مفكرين" و"مثقفين" و"محللين" تأتي منسجمة تماما مع الحملة التي يقودها ساسة الغرب ومراكز الدراسات والبحوث الداعمة لها من أجل تشويه مفهوم الخلافة وجعل مسألة إحيائها أمرا محظورا
"
فإذا كان كل ذلك ممكنا وتحقق فعلا، فمن الطبيعي إذن أن تكون إقامة خلافة على أرض الإسلام بين أناس يؤمنون بالإسلام ويعتبرون أنفسهم جزءا لا يتجزأ من أمة الإسلام أمرا ممكنا وطبيعيا.

وعليه فإن استمرار القول بأن إقامة الخلافة وتوحيد الأمة من خلالها مجرد حلم لا يعدو أن يكون رأي أناس قصرت بهم الهمم عن ركوب الصعاب لتحقيق تاج الفروض أو محاولة لبعض المغرضين لتثبيط العزائم وصد الناس عن العمل الجاد لإقامة الخلافة.

وأما بالنسبة لما طرأ على الخلافة من خلل في فترات متباينة وبنسب متفاوتة حاول البعض استغلالها لطرح أن الخلافة لم تكن دائما بالنموذج المحتذى، بل وأن وجود الخلافة وعدمه يكاد يكون سيان! فإنها افتراضات تستند إلى منطق مغلوط لأن الهدف المنشود هو تطبيق الإسلام ونظام الحكم الذي أتى به الوحي وليس الرجوع إلى نموذج تاريخي معين، وأن الشرع يجب أن يظل دائما هو الحَكَم على الواقع وهو المعيار لمحاكمة التاريخ وليس العكس.

وأما الحديث بأن وجود الخليفة مسألة رمزية فقط، فإنه يرجع إلى عدم وعي من يطرح ذلك بأن المطلوب هو إقامة نظام الخلافة وليس الحديث عن مجرد شخص يلقب بالخليفة.

ولذلك نرى أن حزب التحرير قد حدد قواعد نظام الحكم في الإسلام الذي ينشد إقامته بالنظام الذي يجعل السيادة للشرع لا للشعب، ويمنح السلطان للأمة لا لفئة منها تتوارثها فيما بينها، وأنه لا يصح أن توجد أكثر من خلافة للأمة في زمان واحد، وأن الخليفة هو رأس الدولة الذي يطبق الشرع ويرعى مصالح الناس ويتبنى ما يلزم من الأحكام لتنظيم المجتمع والدولة.

وخلاصة القول إن الهجمة الشرسة التي تشنها الأنظمة الحاكمة على حزب التحرير لا تأتي عبثا، رغم أنه لم يقترف أعمال عنف قط خلال مسيرته، ولم يعتمد العمل العسكري كجزء من طريقته لتحقيق أهدافه، مما يؤكد وعي هؤلاء بجدية الحزب فيما يصبو إلى تحقيقه وعلى خطورته عليها في آن معا، ويدلل بالتالي على أن طرح حزب التحرير ليس مجرد شعارات جوفاء يرفعها كما يحبذ البعض تصويره.

كما أن الحملة الهوجاء التي تحاول تشويه فكرة الخلافة والانتقاص من قيمتها من قبل "مفكرين" و"مثقفين" و"محللين" إنما تأتي منسجمة تماما مع الحملة التي يقودها ساسة الغرب ومراكز الدراسات والبحوث الداعمة لهم، تلك التي تعمل على تشويه مفهوم الخلافة وتجعل مسألة إحيائها أمرا محظورا لا بد من التصدي له وعدم التهاون إزاءه.

وهذا ما تحدث به صراحة الرئيس الأميركي جورج بوش و"قيصر" روسيا بوتين ورئيس وزراء بريطانيا المنصرف توني بلير وغيرهم كثير من ساسة الغرب ومفكريه وفي أكثر من مناسبة، مؤكدين أنه لا بد من محاربة المطالبين بإعادة الخلافة، الساعين إلى توحيد الأمة الإسلامية وتحرير فلسطين كاملة وتحكيم الشريعة في بلاد المسلمين وطرد النفوذ الغربي منها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة