هل يحقق الاتحاد الأفريقي ما عجزت عنه المنظمة؟   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: محمد جميل بن منصور*

-أفريقيا ورحلة البحث عن الذات
-الاتحاد الأفريقي.. ما الجديد؟

اختارت منظمة الوحدة الأفريقية مدينة "ديربان" لتعقد قمتها الأخيرة الثامنة والثلاثين ولتعلن ميلاد الاتحاد الأفريقي بحضور 50 رئيس دولة وحكومة. هذا الاتحاد الذي أقرت وثيقته التأسيسية في قمة "لومي" بتوغو عام 2000.

وساد تفاؤل واسع لدى الزعماء الحاضرين أو أغلبهم وعند ضيوفهم, كان التعبير الأوضح هو تصريح الأمين العام للأمم المتحدة الأفريقي الموطن والانتماء كوفي أنان الذي اعتبر اللحظة لحظة أمل وأن الاتحاد "إنجاز تكرم عليه منظمة الوحدة الأفريقية" لكن هل لهذا الأمل ما يبرره؟ وهل لهذا التفاؤل ما يعضده؟ وهل يختلف الاتحاد عن المنظمة؟ وهل يستطيع تحقيق ما عجزت عنه؟ وهل يقدر مبيكي والقذافي فيما فشل فيه نكروما وعبد الناصر وسيكوتوري ومانديلا؟ الأمر يستحق المناقشة ويحتاج إلى بعض التأمل.

أفريقيا ورحلة البحث عن الذات


خلال فترة المنظمة كانت مشاكل القارة تحل في الأمم المتحدة أو في البيت الأبيض أو الأليزيه أو مبنى الحكومة البريطانية أكثر مما تحل في
أديس بابا أو القاهرة أو داكار أو جوهانسبرغ أو أبوجا
ليس من المبالغة القول إن أفريقيا من أكبر القارات وأكثرها سكانا ولا من التجني على تاريخها التقرير بأنها الأقل استقرارا والأكثر فشلا في الاستفادة من خيراتها ودعم الآخرين لها.

تعددية شاملة
تضم أفريقيا أديانا عديدة أهمها الإسلام والنصرانية إضافة لقطاعات واسعة.. مازالت تتشبث بالتقاليد الوثنية.. ولأفريقيا ولاءات قومية متنوعة أبرزها الولاء الأفريقي الأسود واتجاهه إلى الجنوب والولاء العربي واتجاهه إلى الشمال ويتميز عرب القارة (وأكثر العرب أفارقة) بجامعة تضمهم وبقية العرب الآسيويين.

خضعت أفريقيا لاستعمار دول أوروبيه عديدة وأكثرها مستعمرات بريطانيا وفرنسا وكانت لهولندا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال أدوار استعمارية دون ذلك أثرا وامتدادا.. في أفريقيا دول كبيرة مساحة وسكانا ودورا وفيها الصغيرة المحدودة.. منها الدول الغنية بمواردها وإمكاناتها ومنها النموذج في الفقر والفاقة.

إذن كان أمام المبادرين بإنشاء منظمة الوحدة الأفريقية أكثر من تحد وأكثر من ملف يحتاج المعالجة والتقريب, ورغم فعالية وقوة الزعماء آنذاك والشرعية التي اكتسبوها بحكم دورهم في عملية تحرر القارة وبلدانها فإنهم فشلوا في تحقيق الحلم الوحدوي للقارة. فانشغال كل قطب بأولوياته وهمومه وسعيه لجعلها أولويات للجميع وهموم للكل, واختلاف النظرة لملفات التنمية والاستقلال والديمقراطية وحجم التأثيرات الخارجية على هذا الزعيم أو ذلك وهذه الدولة أو تلك كل ذلك كان السبب.

صحيح أنهم اجتمعوا وقرروا وأزعجوا القوى الاستعمارية أحيانا وأحيوا أمل البعض وانتظر البعض شيئا إلا أن التحديات كانت أقوى, وهكذا ظلت المنظمة الأفريقية تجتمع قمة بعد قمة ودورة بعد دورة الحروب الداخلية مستمرة لم تتوقف, ولم توقف ومشاكل التنمية عالقة بلا حل والديمقراطية خيار العوامل الذاتية لكل دولة أو الخارجية عن القارة كلها أكثر تأثيرا فيه وتحديدا لمعالمه.. بل سجلت خلال فترة المنظمة أن مشاكل القارة كانت تحل في الأمم المتحدة أو في البيت الأبيض أو في قصر الأليزيه أو مبنى الحكومة البريطانية أكثر مما تحل في أديس إبابا أو القاهرة أو دكار أو جوهانسبرغ أو أبوجا.

معمر القذافي وثابو مبيكي
غياب الآباء.. والديمقراطية

ذهب عبد الناصر وذهب نكروما وذهب سيكوتوري وقبل هؤلاء أعدم لومومبا وبقيت أفريقيا الضعيفة أصلا بلا آباء كما سماها البعض, وبالتالي انضاف غياب ألق التحرر وخطاباته للعجز في مجال التنمية والديمقراطية فاشتد الحال بالقارة. ولم تكن التطورات الدولية لتعين القارة الجريحة، بل كان انفراد الولايات المتحدة الأميركية بالعالم ودخولها الخط على مستعمري الأمس المنشغلين بأنفسهم والعاجزين عن استحقاقات استعمارهم معنويا وماديا عاملا في زيادة الولاءات في القارة.

صحيح أن الظاهرة الديمقراطية أنعشت الآمال السياسية وإن نغصتها الحروب والفتن ومرض الإيدز, وصحيح أن الاكتشافات المتزايدة لخيرات القارة والخبرة الفنية التي اكتسبتها النخبة الأفريقية بعثت آمالا تنموية واقتصادية.. إلا أن الغول السياسي الجديد وشروطه وربطه العالم باقتصاده وتحكمه في مفاصل إستراتيجية عدة حد من ذلك.
في هذه الأجواء تحولت منظمة الوحدة الأفريقية إلى إطار احتفالي تستضيفه هذه العاصمة أو تلك ومنبر لخطابات تتفاوت تفاوت القدرات الخطابية لأصحابها وحجم المشاكل الداخلية لديهم.


الصراعات الثنائية تمزق القارة ونزعات الاستقلال والانفصال تمتد من منطقة الصحراء الغربية إلى كازاماس في السنغال إلى الكاميرون إلى جنوب السودان.. وتظل البحيرات العظمى أكثر المناطق الأفريقية توترا واضطرابا
عجز المنظمة

قليلة هي المبادرات التي نجحت المنظمة في إطلاقها وتم نجاحها والمتصلة بالصراعات الكثيرة التي تشهدها القارة والحروب المشتعلة في أطرافها المختلفة.
وكما شهدت الساحة العربية تجمعات إقليمية سحبت من بيت العرب أهميته في مرحلة معينة كمجلس التعاون الخليجي ومجلس التعاون العربي واتحاد المغرب العربي، فقد عرفت القارة الأفريقية بروز تكتلات إقليمية وتحالفات أطراف.. فهناك أفريقيا الأنجلسوكسونية وهناك أفريقيا الفرانكفونية وهناك دول جنوب أفريقيا وهناك أهل الغرب المنتظمون في منظمتي مجموعة دول غرب أفريقيا Ceao والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا Cedeao وهناك دول شرق أفريقيا.. وهناك دول الشمال العربية ودول الجنوب الزنجية.

كما شهدت القارة بروز مبادرات إيديولوجية وسياسية سعى أصحابها للهيمنة والتوجيه في قارة تتوزعها الولاءات وتكثر عليها أنماط التأثير الخارجي.

وتميزت الفترة الأخيرة من عمر منظمة الوحدة الأفريقية بظهور القطب الجنوبي الذي تحرر من الهيمنة البيضاء وكان رمزه التاريخي مانديلا محط آمال كثير من الأفارقة، كما نشطت الجماهيرية التي غير زعيمها معمر القذافي وجهته الوحدوية العربية نحو أفريقيا التي أصبحت خريطتها خلفية للنشرات الرئيسية للتلفزيون الليبي واسمها وهمومها أطرافا في المشهد السياسي الليبي.

وكان هناك آخرون لعبوا دورا في إعادة تحريك ملف التضامن الأفريقي من بينهم تخصيصا خليفة مانديلا ثابومبيكي والرئيس النيجيري أوباسانجو والرئيس السنغالي عبد الله واد. وهكذا وجدت فكرة الاتحاد الأفريقي الجو المناسب للتبلور والبروز يدفعها عاملان رئيسيان: شعور الأفارقة بالحاجة للوحدة والتنسيق الجدي وبروز أصوات تدعو لذلك تملك المال ولبلدانها طاقة بشرية معتبرة وموقع إستراتيجي هام، ونجاح مغر لتجربة الاتحاد الأوروبي الذي اختار صيغا أكثر عملية وأقدر على استيعاب التنوع والاختلاف.

الاتحاد الأفريقي.. ما الجديد؟

خارطة العالم العربي وأفريقيا
تعليقات الزعماء الأفارقة عند إعلان الاتحاد الأفريقي في مدينة "ديربان" حملت أمالا كبيرة وترجمت الطموح الذي يحمله زعماء القارة المنكوبة.. مستضيف القمة الرئيس ثابو مبيكي صرح في ثلاثاء إعلان الاتحاد قائلا: "حان الوقت لأن تحتل أفريقيا مكانها الصحيح في الشؤون العالمية وإنهاء تهميش أفريقيا".. العقيد معمر القذافي أحد الفاعلين الرئيسين اعتبر أنه أمر عظيم أن تقرر أفريقيا إنشاء مجلسها الأمني وتستغني عن الآخرين.. الأمين العام للأمم المتحدة رغم تشجيعه الخطوة أراد أن يوضح للزعماء الأفارقة حجم التحدي حين تحدث عن "الظروف غير الإيجابية التي يولد فيها الاتحاد الأفريقي سواء نقص الموارد أو عدم الاستقرار" مما جعله يطالب الزعماء بالصبر والتحمل.

أوساط أكاديمية غربية اعتبرت ما أعلنه قادة أفريقيا نوعا من الخيال إذا كانوا يقصدون ما ينطقون وهو ما عبر عنه وليام زارتمان المتخصص في الشؤون الأفريقية في إحدى الجامعات الأميركية "من الواضح أنهم (أي الزعماء الأفارقة) بعيدون تماما عن المسار إذا كانوا يفكرون في الخوض في مثل هذه الأمور الخيالية".

النخب والجماهير الأفريقية رحبت بالخطوة بحذر واضح.. فأما ترحيبها فتبرره حاجة القارة لمزيد من التلاحم والتضامن, وأما حذرها فالتاريخ القريب سببه ووضع أنظمة القارة الأفريقية وطبيعتها الضيقة عامله الرئيس.

الاتحاد ونظيره الأوروبي
حاول الاتحاد مع نواقص بادية أن يستفيد من تجربة الاتحاد الأوربي, حين نصت الوثيقة التأسيسية له على إقامة برلمان ومفوضية وبنك مركزي وصندوق نقد إفريقي للاستثمار ومحكمة عدل.

المجتمعون في قمة "ديربان" الذين مثلوا 50 دولة وحكومة في دورتهم الأولي قرروا إنشاء أربعة أجهزة الآن وثلاثة عشر بعد حين أما الأجهزة التي أعلن عنها فورا فهي "مؤتمر قادة الدول" و"المفوضية" التي ستحل بديلا للأمانة العامة وبصلاحيات أوسع منها و"المجلس التنفيذي" و"لجنة المندوبين الدائمين" وستتولى المفوضية مهمة تنفيذ برامج وقرارات الاتحاد وينتظر أن تضم عشرة أعضاء من بينهم رئيس ونائب له وثمانية مفوضين.


الاتحاد في انطلاقته يواجه مشاكل حقيقية من الحجم الكبير فحدة الديون الخارجية تصاعدت من 250 مليار دولار عام 1990 إلى 600 مليار عام 1995 ثم بلغت حسب مصادر البنك الدولي 1500 مليار في 2001 ومن بين 44 دولة وصفها البنك الدولي بالدول الفقيرة المثقلة بالديون توجد 33 من أفريقيا
مجلس السلام والأمن

وكانت أكثر إعلانات الاتحاد إثارة ولفتا للانتباه "مجلس السلام والأمن" الذي ينتظر أن يلعب دورا في حل النزعات ويضم 15 عضوا بمعدل 3 عن كل منطقة أو محور في القارة، ولعل حق التدخل من أهم الأمور الجديدة التي حملها الاتحاد الأفريقي وينتظر أن تكون أهم محك لمصداقيته وجديته .

المعلومات المتوفرة عن القارة تجعل الاتحاد في انطلاقته يواجه مشاكل حقيقية من الحجم الكبير فحدة الديون الخارجية تصاعدت من 250 مليار دولار عام 1990 إلى 600 مليار عام 1995 ثم بلغت حسب مصادر البنك الدولي 1500 مليار في السنة الماضية 2001، ومن بين 44 دولة وصفها البنك الدولي بالدول الفقيرة المثقلة بالديون توجد 33 من أفريقيا.

والصراعات الثنائية تمزق القارة ونزعات الاستقلال والانفصال تمتد من منطقة الصحراء الغربية إلى منطقة كازاماس في السنغال إلى الكاميرون التي يطالب فيها الإنغلوفون بكيان مستقل إلى جنوب السودان حيث جون قرنق وحركته الانفصالية وتظل البحيرات العظمى أكثر المناطق الأفريقية توترا واضطرابا.

صحيح أن الاتحاد الأفريقي حاول في قمته الأولى أن يعطي انطباعا جديا لمعالجة الملفين الأخطر في القارة (الفقر والنزاعات) حين تعهد بالإسراع في تنفيذ معاهدة "أبوجا" التي تتدرج من تقوية التكتلات الاقتصادية الإقليمية إلى رفع الحواجز الجمركية وصولا إلى سوق أفريقية مشتركة كما علم أنه أي الاتحاد سيقلص فترة تنفيذ هذه المعاهدة من 34 سنة إلى 25 فقط.. ولتوفير جو سياسي للخطة التنموية هذه أقر الاتحاد آلية لمراقبة الانتخابات وكفاءة أنظمة الحكم.

وعلى هامش قمة الاتحاد اجتمع رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية جوزيف كابيلا ورئيس روندا "بول كاغامي" فجر الأربعاء 10/07/2002 لمدة نصف ساعة بحضور رئيس جنوب أفريقيا والأمين العام الأمم المتحدة, في سعي لتخفيف التوتر والنزاع وفي إشارة للنية الجديدة للإطار الوحدوي الأفريقي, أعلن الأفارقة عن إقامة اتحادهم وحاولوا في نصوصه ووثائقه أن يستفيدوا من التجارب الوحدوية الأنجع.

ويبقى السؤال مشروعا إلى أي حد سيقبل أمراء الحروب الأفريقية والأنظمة الغارقة في الفساد إلى الأذقان اتحادا ومفوضية وآلية للرقابة ومجلسا للأمن والسلام؟! وهل ستعي النخبة وعموم الجماهير أهمية المشروع فتحميه من نزوات الحكام وانحرافات الخائفين من شعوبهم؟!.. ذلك أمر يحتاج إلى وقت حتى تتوفر شروط الإجابة ويمكن الحكم عليه.
_______________
*كاتب ومحلل سياسي موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة