جذور الانقسام العربي في مواجهة المشهد اللبناني   
الأحد 17/8/1427 هـ - الموافق 10/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 10:09 (مكة المكرمة)، 7:09 (غرينتش)


صلاح سالم

في مواجهة المشهد اللبناني الحزين يكشف المجتمع السياسي العربي عن ثلاثة مواقف متناقضة تستند في الحقيقة إلى إدراكات ثلاثة متمايزة تتنازع الوعي العربي المعاصر في الاستجابة لضغوط الواقع العالمي التي تفرزها الآن النزعة الإمبراطورية الأميركية والعدوانية الإسرائيلية.

فثمة إدراك يضع هذا الواقع في مرتبة تقارب القدر الذي لا مفر من الاستسلام له حيث تطغى على لغة الخطاب العربي العام مصطلحات ومفاهيم تزخر باليأس والعدمية تبرر القعود التام عن مواجهة تلك الهيمنة والبقاء في أسر المألوف من السياسات مع توشحها بمفردات الشجب والإدانة ذرا للرماد في العيون.

تلك المفردات التي كنا سلفا نسخر منها، فإذا بنا نبحث عنها ونتوق إليها في بداية المشهد اللبناني الكئيب فلم نسمعها إلا في صوت ضعيف ذابل انبعث لتوه مع أنين الضحايا القادم من تحت ركام الحطام في قانا الذبيحة التي كتب لها القدر أن تكون "أورشليم المتجددة" التي ترمي الزمن العربي بكل أنواع الحجارة.

"
على المرء أن يتساءل: لماذا هذا الانقسام في عناصر المشهد العربي الممتد؟ لماذا هناك مستسلمون واستشهاديون ومكتئبون؟ ولماذا هناك دعاة حرب عبثية، ومبررو خنوع غير محدود، وصامتون؟
"
وفى المقابل ثمة إدراك نقيض لا يتوقف عن الدعوة إلى الحرب، والحشد لها بسرعة وليس على مهل، بل وإعلانها أحيانا من على الشاشات الفضائية العربية اللامعة، ويذهب هذا النمط في أشد فصائله جموحا إلى ممارسة الإرهاب كنوع من الإعلان الفردي أو الفئوي عن تلك الحرب المقدسة التي لا تستطيع الأمة أن تعلنها جماعة ضد الظالمين.

ويتوسط النمطين إدراك ثالث متوتر لجمهور عربي يغلي حنقا وهو يراقب الخانعين بلا كبرياء، والمندفعين بغير حكمة، والمذبوحين بلا ضمير، فإذا ما ازداد حنقه ووصل إلى درجة الغليان فار إلى الشوارع متباينة الاتساع والضيق في المدن العربية والتي تبقى حركة السير فيها رهينة اتجاه واحد.

فإذا به حشد هائل يسكب صرخاته الملتاعة، وعواطفه الساخنة في شحنات غاضبة قبل أن يعود منهك القوى من حيث أتى، إذا أتيحت له الفرصة أن يعود دون عقاب من قبل حراس الأوطان العربية من الأشاوس والميامين الساهرين على مستقبل الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج.

غير أن هذا الإنسان لا يعود بعد خروجه إلى ما كان عليه قبل الخروج، بل يعود مكتئبا محبطا شاعرا بالعجز حتى عن إصلاح ماسورة المجارى في شارعه والتي تطفح بالروائح الكريهة، وليس إصلاح النظام العالمي الذي ينضح بالمظالم القبيحة.

وعلى المرء أن يتساءل: لماذا هذا الانقسام في عناصر المشهد العربي الممتد؟ لماذا هناك مستسلمون، واستشهاديون، ومكتئبون؟ ولماذا هناك دعاة حرب عبثية، ومبررو خنوع غير محدود، وصامتون؟ كما عليه أن يتساءل: أين هم المجاهدون في التاريخ بشروطه وحسب منطقه، وما هي البوتقة التي تصهر هؤلاء في كيان واحد يصير عند مواجهة التحديات وكأنه قلب رجل واحد؟ أين الكتلة التاريخية المنسجمة رغم تنوع، والفاعلة رغم تعقل، والتي يمكنها الإمساك باللحظة وقيادة الأمة في مواجهة تحدياتها بسلاسة وحكمة ولكن في ثقة وتوثب؟

ما الذي يعوق هذه الكتلة عن أن تنشأ وأن تعمل؟ هل لأن العالم العربي الممتد بين محيط وخليج يزخر بمواقف سياسية شتى مختلفة بين المعتدلين والراديكاليين، اليمينيين، واليساريين، القوميين، والإسلاميين؟ أليست الأمم جميعا تشهد مثل تلك الخلافات في المواقف وتستطيع إدارتها والإفادة منها في دعم حيويتها، وقدرتها على تحدى ظروف متباينة ؟ هل يجب على الأمم أن تفكر بعقل واحد، وتبصر في اتجاه واحد حتى تتمكن من السير في طريق واحد وتنجح في مواجهة تحد مشترك؟ 

أسئلة كثيرة صعبة ومربكة تثيرها حالة التشرذم العربي الراهن التي لا يمكن تفسيرها بمجرد وجود اختلاف بين مواقف سياسية استطاعت أمم أخرى أن تديرها وأن تبنى توافقات عامة حولها، وإنما بوجود انقسام عميق في رؤية الوجود على الصعيد الثقافي تسهم في صياغته بالأساس "تصورات مختلفة" عن الإسلام بين ثلاثة أنماط من الوعي تكاد تصل إلى حدود "التناقض" الجذري بفعل ضغوط التاريخ السياسي الناجمة عن تدهور الحضارة العربية، حيث ينشطر الوعي بالإسلام إلى ثلاثة وجوه يستقطب كل منها قطاعا متكاملا يمتد من النخب إلى الجماهير العربية مرتكزا أحيانا إلى قاعدة إنتاج أو تمويل خاصة، وغالبا إلى وسائط تعليم أو تثقيف متميزة، ومؤكدا إلى منابع إلهام أو توجيه محددة؛

أول وجوه هذا الوعي هو الذي نسميه "إسلام القرآن" ذلك الوجه المشرق الذي أسس للنهضة الحضارية العربية الوسيطة وللثقافة العربية المتسامحة، وضمن للإسلام نفسه نقاءه وبقاءه، بل امتداده وانتشاره، إنه "إسلام القرآن" الذي جعل المدني يتنازل لأخيه المكي عن أحد بيتيه لو امتلك اثنين، والأنصاري عن إحدى زوجاته للمهاجر الذي ترك مكة إلى المدينة بلا مال أو زوجة نصرة للدين الجديد الذي أخذ من المؤمنين أموالهم وأنفسهم ليمنحهم روحانية جديدة متسامية تتجاوز كل ما أنتجته الفلسفات من أفكار حتى أكثرها طوباوية، والأديان السابقة من مثاليات رغم كل ملكاتها التسامحية.

"
يخطئ من يتخيل أن "إسلام الشيطان" بالغ العنف هو نقيض "لإسلام السلطان" بالغ المهادنة، فليس ذلك إلا ظاهريا، أما "إسلام القرآن" فهو الوجه المشرق الذي أسس للنهضة الحضارية العربية، وضمن للإسلام نقاءه وبقاءه
"
بل إنها تكاد تسمو على القدرة الإنسانية نفسها لو لم يقم هذا الدين الحنيف بإعادة صوغها بفطرته النقية هاديا بها ولها أمجد وأمضى طبيعة بشرية عرفها التاريخ الإنساني، تلك التي مكنت البدوي العربي من الانطلاق سريعا على طريق الحضارة البشرية بعد جيل واحد من بعثة الرسول الكريم، ومن ريادة هذه الحضارة بعد أجيال قليلة وعلى شتى مستوياتها فبلغ بها ذروة العقلنة الفلسفية في عصر المأمون العباسي بعد أن كان قد بلغ ذروة التوسع السياسي في عصر أبيه هارون الرشيد، وذلك لأن الروحانية الإسلامية الحقة قد كرست لدى العربي المسلم حب العمل وجعلته نوعا من الإيمان، وحب التضحية لدرجة الفداء، وأسرت له بالمعنى الحقيقي للجهاد الذي يبدأ بجهاد النفس والانتصار عليها ثم جهاد التاريخ بالمعرفة والتنظيم حتى ينفتح الطريق إلى كل نصر وعلى كل عدو، وعلى رأسهم التخلف والضعف والتمزق.

ويمكننا أن ننسب "حزب الله" وجهاده المظفر حتى الآن ضد العدوانية الإسرائيلية إلى هذا الوجه الحضاري للإسلام إذ يحسن توظيف أكثر المكونات خصوبة في هوية الأمة، وأكثر مصادر إلهامها قدرة على حفز روح البطولة والجهاد بين أبنائها في مواجهة عدوها ما يجعل منه الجزء الحي والمقاتل بعقلانية دفاعا عن الوجود السياسي العربي ما يبقيه، وحركة حماس، داخل نسيج التاريخ العربي.

وثانيها: هو ما يمكن تسميته "إسلام السلطان" الذي نما مع توالى الأيام، وتغيرات العصور وذبول هذه الروحانية المتوهجة بفعل الطبيعة البشرية وما فيها من سوءات، ولها من هنات أخذت بزمام العرب المسلمين لتذكى بينهم الفتن، وتقتل لديهم الهمة، وتثير لديهم الشهوات فيركنون إلى الدعة بعد الجهاد، والسفه بعد الزهد، والظلم بعد العدل، وإذا بإسلام القرآن يذبل أمام "إسلام السلطان" الذي أفرزته لتعيش به ومن خلاله الثقافة السياسية العربية منذ عشرة قرون على الأقل حيث ساد فقه رجعى متحالف مع نخبة الحكم القبلية ثم الرعوية ثم الشمولية والتي فرطت في العدل الذي هو أساس الملك وعاشت على الجباية، وقمعت الاجتهاد فذبل نور العلم ومشعل الحضارة، بعد أن وأدت الشورى على أيدي الفقهاء الذين برروا "السلطان الغشوم" بالخوف من "الفتنة التي قد تدوم" حتى جعلوا ستين عاما طوالاً من سلطان جائر أهون على الأمة من "ليلة بلا سلطان" فلم يعد هناك طريق لمراجعة سلطة فكانت الهزائم والانتكاسات والتمزقات موجات بعد موجات ليس الغرب المعاصر إلا آخرها منذ أدركت أوروبا حداثتها فأخذت ترمينا بموجاتها الاستعمارية المتلاحقة وأخرها الموجة الصهيونية، وحتى الولايات المتحدة التي ورثت أوروبا كحيوية جديدة للغرب تدافع عن مثل حداثته السياسية قد أغراها ضعفنا فأخذت ترمينا بمشروعاتها للتغيير والتهذيب والإصلاح.

ويجسد هذا الوجه الخانع من الوعي بالإسلام الآن في نخب حكم لا تستهدف سوى مقاعد السلطان، كما يتغذى على بقايا متحجرة من فقهاء السلطان من مفتين وعلماء جعلوا فتاويهم في خدمة سلاطينهم تروج لهم سياساتهم، وتمهد لنكوصاتهم عن أدوارهم، وجميعهم أي "الفقهاء والسلاطين" ممن لا يهدفون سوى استمرار الأمر الواقع ومجرد البقاء.

أما ثالثها: فهو ما يمكن وصمه بـ"إسلام الشيطان" والذي ينمو كالفطر إزاء الشعور بالهزيمة أمام الدنيا والإحباط من الزمن خروجا على إسلام السلطان ليؤجج الواقع بالعنف ويدميه بالإرهاب الذي جسدته ظاهرة الخوارج وتنظيمات التطرف كالإباضية والحشاشين في الثقافة العربية المشبعة بالتيارات الباطنية والتي يكشف منطق عملها تاريخيا عن استعداد مؤكد للتفجر في لحظات التأزم وعند الشعور بالوهن.

وتمثل القاعدة وما ينسج على منوالها اليوم الامتداد الأكثر عنفا ودموية لتلك النزعات الفلسفية والحركات السياسية العبثية في التاريخ العربي الإسلامي ما يجعل منها التجسيد المعاصر لهذا الوجه الصاخب و"العدمي" من الوعي بالإسلام والذي يهدر بعبثيته ودمويته كل قيمة إنسانية ومعنى حضاري وفضيلة تاريخية، بل وغاية وجودية، وهو الوجه الذي طالما نما وشاع في لحظات الركود والتيه والعجز.

"
لو كان حسن نصر الله قائدا لدولة، ولو كانت هذه الدولة كبيرة أو غنية أو محورية يستطيع من خلالها ممارسة الجهاد الحضاري والتاريخي, لربما جاز القول إنه "صلاح الدين الجديد"، وإن العد التنازلي للمشروع الاستيطاني الصهيوني قد بدأ
"
ويخطئ من يتخيل أن إسلام الشيطان بالغ العنف، هو نقيض لإسلام السلطان بالغ المهادنة، فليس ذلك إلا ظاهريا، أما في الجوهر فهما قرينان أحدهما يؤدى إلى الآخر، أولهما يقود المجتمعات العربية إلى الضعف عبر التكيف مع كل أمر واقع وكل سلطان مستبد، والثاني يجعلها في مهب رياح الاستهداف إذ يؤلب عليها أعداءها كما حدث بعد 11سبتمبر/أيلول إما لأنه ارتكب الحدث الكارثي فعلا، وإما لأنه خلق النموذج القياسي أو الصورة الذهنية التي تشي بارتكابه كما تشي بقدرة تيار نحيف وهامشي على اختطاف الثقافة العربية واحتكار حق التعبير عنها على تعدد تياراتها، ولأن هناك من يريد اغتيال الثقافة والمجتمعات العربية ويجد فيه حليفا ومبرراً مثالياً، ولأنه في التحليل الأخير -ككل الأشياء العفنة- نفاذ الرائحة يعيش في مياه راكدة لا تنبت سوى الطحالب والفطريات.

ومن ثم فإن استعادة حيوية المجتمعات العربية من براثن هذا الوجه القبيح للإسلام إنما تقتضى عملية شاقة لإعادة بناء الكتلة التاريخية العربية على نحو يتمثل إسلام القرآن، ليس بإحيائه بمفرداته التقليدية كالجدل حول الخلافة الإسلامية، ولا بالسجال حول المكي والمدني، ولا باستحضار مقولات دار الحرب ودار السلام، وإنما عبر التلاقي الضروري حول معادله الموضوعي المعاصر أي الجهاد العلمي والتاريخي والحضاري بوسائل وأدبيات التنمية البشرية والتكتل الإقليمي على طريق التحرر والنهوض والتغيير الشامل من داخل الفضاء الوطني والقومي.

غير أن المهمة الأولى في هذه العملية الطويلة هي التضامن "كالبنيان المرصوص" خلف حزب الله وقائده السيد حسن نصر الله الذي يكشف خطابه السياسي عن وعى عميق يزاوج بين الوطني والقومي، الديني والإنساني، ويستلهم أفضل وأرقى قيم الإسلام في الشجاعة والإباء والتصميم والتضحية واليقين بالله والتوكل الصحيح عليه فيما لا يخرجه عن حدود العقلانية السياسية.

ذلك أن النجاح في هذه المعركة سوف يمثل استقطاعا من رصيد الوعي الخانع، وتهميشا لمرتكزات الوعي العدمي، وإثباتا للوعي الحضاري بالإسلام، ولو كان حسن نصر الله قائدا لدولة، ولو كانت هذه الدولة كبيرة أو غنية أو محورية يستطيع من خلالها ممارسة الجهاد الحضاري والتاريخي والعلمي الشامل والعميق والممتد، لربما جاز القول إنه "صلاح الدين الجديد"، وإن العد التنازلي للمشروع الاستيطاني الصهيوني قد بدأ.
ــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة