هل نحن أمام مرحلة جديدة من "الفوضى الخلاقة"؟   
الخميس 1435/4/7 هـ - الموافق 6/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:02 (مكة المكرمة)، 13:02 (غرينتش)
غازي التوبة



من الممكن أن نعتبر الاتفاق الأخير بين الغرب وإيران -الذي يتعلق بإلغاء النووي الإيراني- من أخطر الأحداث التي وقعت خلال العقود الأخيرة، لأنه سيترك أثرا كبيرا في المنطقة من خلال خطة "الفوضى الخلاقة" التي أطلقتها أميركا لتغيير الوضع في منطقة الشرق الأوسط. وهذا ما سنوضحه في السطور التالية.

لقد تعاقبت على البلاد العربية قيادتان خلال القرنين الماضيين، الأولى: القيادة الأوروبية، والثانية: القيادة الأميركية، أما القيادة الأولى فقد امتدت منذ القرن الـ19 إلى الحرب العالمية الثانية، أما القيادة الأميركية فقد امتدت من الحرب العالمية الثانية إلى الآن.

ومن الواضح أن القيادة الأوروبية استهدفت تغريب منطقتنا من خلال مشاركة معظم الدول الأوروبية في هذا التغريب، ومنها: إنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، إسبانيا وغيرها، ولكنها فشلت في ذلك، والسبب في ذلك "الوحدة الثقافية" التي كانت ملاذا لأبناء الأمة، والتي حصنتهم ومنحتهم قوة حضارية في مواجهة موجة الحضارة الغربية.

القيادة الأوروبية استهدفت تغريب منطقتنا من خلال مشاركة معظم الدول الأوروبية في هذا التغريب، ولكنها فشلت بسبب "الوحدة الثقافية" التي حصنت الأمة ومنحتها قوة لمواجهة موجة الحضارة الغربية

فبقي معظم أفراد الأمة متمسكين بنموذجهم الحضاري الإسلامي الذي يقوم على المزاوجة بين المادة والروح، والدين والدنيا، وعالم الشهادة وعالم الغيب، ويقوم على اعتماد الأحكام التشريعية التي شرعها الإسلام في البيع والشراء، والزواج والطلاق وغيرها، ويقوم على اعتماد القيم التي رسّخها الإسلام في المجال الاجتماعي والأخلاقي من عفاف وطهر وحياء وذوق وتضحية وإيثار.

وعندما آلت المنطقة إلى القيادة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، استهدفت -تلك القيادة- "الوحدة الثقافية" للأمة، والتي كانت هي العامل الأول في حضور الأمة وحيويتها وفاعليتها، استهدفتها بمبدأ "الفوضى الخلاقة" الذي يعني التدمير ثم البناء، وهو مبدأ موجود في السياسة الأميركية الخارجية، وقد أوجده المؤرخ الأميركي تاير ماهان عام 1902، وأعاد صموئيل صنتختون وكوندليزا رايس توظيفه في أحداث الشرق الأوسط بعد سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1990.

وقد قامت أميركا من أجل تحقيق مبدأ "الفوضى الخلاقة" بخطوتين منذ أن تسلمت المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية:

الأولى داخلية، تتعلق بإفساح المجال لتطبيق النظام الاشتراكي الشيوعي في الستينيات في مصر وسوريا، والذي انتقل -بعد ذلك- إلى معظم البلاد العربية مثل: الجزائر والعراق وليبيا والسودان والصومال واليمن، والذي تصادم جذريا مع الدين الإسلامي الذي هو عماد "الوحدة الثقافية"، وذلك لأن النظام الاشتراكي يعتبر أن الدين خرافة وأوهام وخزعبلات، ويجب أن يُقتلع من حياة المجتمع العربي لأنه أصل التخلف والتراجع والانحطاط.

والثانية خارجية، وقد تجسدت في انتصار إسرائيل عام 1967 على ثلاث دول عربية هي: مصر، وسوريا، والأردن، واحتلال أجزاء واسعة من أراضيها، وقد حدث ذلك بمساعدة أميركا عسكريا وسياسيا.

لكن هذه الدورة من "الفوضى الخلاقة" لم تنجح في تحقيق أهدافها في تدمير "الوحدة الثقافية"، بل أظهرت "الوحدة الثقافية" صلابة، وتغلبت على محاولات الاقتلاع والتدمير التي مارسها النظام الاشتراكي الشيوعي، بل بدت منتصرة من خلال "الصحوة الإسلامية" والتي تجلّت في عدد من المظاهر الاجتماعية والثقافية والعبادية والاقتصادية مثل: الحجاب، والمساجد، والكتاب الإسلامي، والبنوك غير الربوية وغير ذلك.

ثم قادت أميركا دورة جديدة من "الفوضى الخلاقة" دخل فيها طرفان جديدان بالإضافة للطرف القديم وهو إسرائيل، أما الطرفان الجديدان فهما:

1- إيران بقيادة الخميني والملالي من بعده.
2- القاعدة بقيادة أسامة بن لادن وتفريعاتها بعد ذلك، مثل "التوحيد والجهاد" بقيادة أبو مصعب الزرقاوي ثم "داعش" (الدولة الإسلامية في العراق والشام) بقيادة البغدادي، وغيرهما.

أما بالنسبة لإيران الخميني، فمن المؤكد أن أميركا أسهمت في إزاحة الشاه عام 1979 من أجل وصول الخميني إلى الحكم، وكان أبرز تجليات دور "إيران الخميني" في "الفوضى الخلاقة" هو اعتباره إيران "دولة شيعية" كما ورد في الدستور، وتصديره الثورة التي تقتضي نشر المذهب الشيعي، وتحريك الطوائف الشيعية في كل العالم، والاصطدام مع المكوّن الرئيسي في الأمة وهو المكوّن السني.
 
أخذت إيران مقابل الاتفاق النووي اعترافا من أميركا بأن تكون لاعبا قياديا في شؤون المنطقة، وبذلك تكون "الفوضى الخلاقة" قد بدأت مرحلة جديدة من مراحل حركتها
وهذا التصادم يشمل الجوانب السياسية والثقافية والاجتماعية والفكرية، وهو ما حدث في العراق ولبنان واليمن والسعودية والكويت ومصر والجزائر وباكستان وبلدان أخرى، وهو ما جعل طاقات الأمة تتبدد في صراع ثقافي داخلي عوضا عن أن تتوجه كل طاقاتها الثقافية لمواجهة التغريب الذي يداهم الأمة ويسعى إلى تغيير صورتها.

أما بالنسبة للقاعدة، فمن الأرجح أنها تكونت تحت سمع وبصر أميركا في أرض باكستان أثناء الحرب الأفغانية السوفياتية عام 1979-1989، ومن الأرجح -كذلك- أن تفجيري نيويورك حدثا بعلم أميركا، وكان بالإمكان الحيلولة دون حدوثهما ووقوعهما، ولكنها تركت ذلك من أجل تحقيق أهداف "الفوضى الخلاقة" في تدمير المنطقة.

وبذلك أصبحت القاعدة أداة من أدوات "الفوضى الخلاقة" في المنطقة، فاستخدمت في اقتلاع نظام طالبان من أفغانستان، ثم استخدمت في العراق واليمن والصومال وغيرها.

وقد ترافقت تلك الدورة من "الفوضى الخلاقة" مع عدة حروب هي: الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988، وحرب تحرير الكويت 1991، وحرب اقتلاع طالبان من أفغانستان عام 2001، وحرب احتلال العراق 2003.

في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2013 عقدت دول مجلس الأمن (الخمس+1) اتفاقا مع إيران على إخضاع النووي الإيراني لمعايير النووي الدولية، وللتفتيش الدولي المستمر على المفاعلات الإيرانية من أجل منع إيران من إنتاج قنبلة نووية، وبهذا تكون إيران قد استسلمت للغرب وأميركا، فما الثمن الذي أخذته؟

لقد أخذت مقابل هذا التنازل عن النووي اعترافا من أميركا بأن تكون لاعبا قياديا في شؤون المنطقة، بالإضافة إلى طرفين آخرين هما: إسرائيل و"داعش"، وبهذا تكون "الفوضى الخلاقة" قد بدأت مرحلة جديدة من مراحل حركتها، فما ملامح هذه المرحلة الجديدة من "الفوضى الخلاقة"؟

من الواضح أن المرحلة الجديدة تتميز بأن يصبح لإيران دور علني، ومن المرجح أن إيران ستفعّل أدواتها التي أنشأتها خلال السنوات السابقة مثل حزب الله في لبنان، وحزب الله في العراق، وحركة الحوثيين في اليمن، وستنشئ أدوات مشابهة لها في مختلف البلدان التي ستمد لها نفوذها وحركتها.

كما ستزيد من دعمها للطوائف الشيعية في مختلف البلدان العربية والإسلامية، كما ستفعل أدواتها الإعلامية والثقافية، وستفعّل كل ذلك من أجل توسيع نشر المذهب الشيعي، وزيادة أعداد الطوائف الشيعية، وسيكون ذلك بشكل مؤكد بعد التصادم مع المكوّن السني في الأمة من أجل تدميره وزعزعته، وزرع المكون الشيعي بدلا منه، وسيكون الهدف النهائي لإيران هو تكوين أمة ذات ملامح شيعية وأكثرية شيعية، تحل محل الأمة ذات الملامح السنية والأكثرية السنية.

ومن المؤكد أن كل ذلك سيتم لإيران من خلال تدمير "الوحدة الثقافية"، وهذا ما سيجعل إيران تحقق -بشكل مباشر وغير مباشر- هدف "الفوضى الخلاقة" الذي تسعى إليه أميركا حاليا بشكل حثيث وفوري في هذه المرحلة.

أما إسرائيل، فقد كانت المستفيد الأكبر من الوقائع السابقة لـ"الفوضى الخلاقة"، فقد أزاحت من المخاطر المحدقة بها سلاحين إستراتيجيين، هما: كيميائي سوريا، ونووي إيران.
 
ستكون "داعش" القوة التي تخبط خبط عشواء، وسيستخدمها الطرفان الآخران من الفوضى الخلاقة  "إيران وإسرائيل" في حشد الغرب والعالم وراءهما، واستدرار العطف والتأييد لهما في تدمير المنطقة وتقسيمها

وهي ستستفيد من الدورة الجديدة لـ"الفوضى الخلاقة" بأن تحدث مزيدا من التدمير والتقسيم والتجزيء للمنطقة، لتبقى هي "القوة الرئيسية" التي ستحقق "إسرائيل الكبرى" التي حلم بها "شارون" والتي ستلتهم الجغرافيا والأرض والتي ستمتد من "الفرات إلى النيل"، وستحقق "إسرائيل العظمى"، التي حلم بها "إسحق رابين" والتي ستكون المركز والمحور الاقتصادي والسياسي والعسكري للشرق الأوسط.

أما "داعش"، فستكون القوة التي تخبط خبط عشواء، وسيستخدمها الطرفان الآخران من الفوضى الخلاقة وهما "إيران وإسرائيل" في حشد الغرب والعالم وراءهما، واستدرار العطف والتأييد لهما في تدمير المنطقة وتقسيمها.

هذه بعض ملامح المرحلة القادمة من دورة "الفوضى الخلاقة"، والتي تشير إلى مزيد من الدمار والتجزئة، ولكننا نعتقد بأن أمتنا تملك من الإمكانيات والمقوّمات والمفاجآت ما سيعطل كل الاستهدافات التي قصدتها "الفوضى الخلاقة"، كما عطلت أمتنا استهدافات "دورة سابقة من الفوضى الخلاقة" والتي فاجأتهم بـ"الصحوة الإسلامية".

وختاما نقول: لقد تعاقبت قيادتان على المنطقة خلال القرنين الماضيين أوروبية وأميركية، وقادت أميركا بعد الحرب العالمية الثانية الدورة الأولى من "الفوضى الخلاقة" لتدمير "وحدة الأمة الثقافية" ولكنها فشلت، ثم قادت الدورة الثانية، وها نحن أمام مرحلة جديدة من الدورة الثانية لـ"الفوضى الخلاقة" تتكامل فيها ثلاثة أطراف هي "إسرائيل وإيران وداعش"، ولكن ثقتنا كبيرة بأن أمتنا ستنتصر في هذه الدورة كما انتصرت في دورة سابقة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة