ألغام دستورية بمرحلة مصر الانتقالية   
الأربعاء 17/6/1433 هـ - الموافق 9/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:54 (مكة المكرمة)، 11:54 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح
 
لما كان الإطار الدستوري هو خارطة الطريق التي تنظم التفاعلات السياسية بأي مجتمع، يغدو تناغم تلك الخارطة مع التطورات والتغيرات التي تعتري هذا المجتمع على كافة المستويات، خصوصا في أوقات الثورات، شرطا ضروريا لبلوغ الغايات التي يصبو إليها أفراد ذلك المجتمع.
 
وربما لا تشي أوضاع مصر ما بعد ثورة يناير 2011 بأن شيئا من هذا التناغم قد حدث. فثمة فجوة هائلة ما بين الإعلان الدستوري الذي يشكل المرجعية الدستورية لإدارة المرحلة الانتقالية من جانب، والعملية السياسية التي أنتجتها الثورة بغية تحقيق أهدافها من جانب آخر.

فعلى خلفية الثورة، جمد المجلس العسكري العمل بدستور عام 1971، وبعد استفتاء شعبي جرى في 19 مارس/آذار 2011 على تسع مواد، وضع على ضوئها المجلس، الذي أوكلت إليه كافة السلطات بعد تنحي مبارك، الإعلان الدستوري المكون من 62 مادة نهاية الشهر ذاته. وبينما تجاهل المشرع العسكري حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر في 17 مارس/آذار 2011 والذي أكد أن دستور 1971 لا يزال قائما، ارتأى فقهاء دستوريون أنه لا يمكن الأخذ بالإعلان الدستوري طالما لم يستفت الشعب على مجمل ما تضمنه من نصوص.

انزلق الإعلان الدستوري إلى هوة سحيقة من الضبابية والمطاطية، إذ انطوى على عدد من المواد الملتبسة التي بدت كألغام في طريق التحول الديمقراطي لمصر الجديدة

وعلى غير المأمول، انزلق الإعلان الدستوري إلى هوة سحيقة من الضبابية والمطاطية، إذ انطوى على عدد من المواد الملتبسة التي بدت كألغام في طريق التحول الديمقراطي لمصر الجديدة، كالمادة 28 المعنية باختصاصات اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، والمادة 60 الخاصة بتشكيل الهيئة التأسيسية المخولة وضع الدستور الجديد، والمادة 33 التي تحدد العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية واختصاصات كل منهما.

وصاحبت ذلك القرارات المفاجئة والمثيرة للمجلس العسكري كضرورة الانتهاء من وضع الدستور الجديد قبل إجراء الانتخابات الرئاسية في 23 و24 من الشهر الجاري، وهو الأمر الذي يحتاج لمعجزة في ظل ضيق المدى الزمني والافتقار لنص دستوري واضح يحسم الخلاف بشأن تشكيل الهيئة التأسيسية المختصة بوضع الدستور، علاوة على افتقاد القوى السياسية للثقة المتبادلة والقدرة على التوافق.

سياسة أسيرة القضاء
كان من شأن الفجوة بين الممارسات السياسية والمرجعيات القانونية والدستورية، أن فاقمت من مساحة تأثير القضاء، بشقيه الإداري والدستوري، في مجريات العملية السياسية خلال المرحلة الانتقالية على نحو جعل مستقبل الاستحقاقات الثورية الهامة كالبرلمان بغرفتيه علاوة على الدستور والرئيس الجديدين مرتهنا بأحكام القضاء. الأمر الذي ينذر بإطالة أمد المرحلة الانتقالية وإبطاء وتيرة التطور السياسي الديمقراطي، بحكم تعدد درجات التقاضي وطول أمدها، كما ينال من فعالية وجدوى آليات التأثير السياسي، لا سيما الثورية منها، ويطرح تساؤلات بشأن مدى تحقيق مبدأ الفصل بين السلطات.

فمن جهة، ارتهن مصير غرفتي البرلمان بحكم المحكمة الدستورية العليا في شأن شرعيتهما. ورغم إعلانها إرجاء حسم هذا الأمر حتى شهر يونيو/حزيران المقبل، يبقى من غير المستبعد أن تحكم المحكمة الدستورية ببطلان انتخابات البرلمان، ليس فقط على خلفية تهديد رئيس الوزراء الحالي لرئيس مجلس الشعب بأن الحكم بحل البرلمان موجود في أدراج المحكمة الدستورية العليا، وإنما لأن هناك مسوغات موضوعية أوردتها هيئة مفوضي الدولة في تقرير بهذا الخصوص أبرزها: النظام الانتخابي، حيث أجريت الانتخابات وفقا لنظام الثلثين للقائمة والثلث للفردي، كما تم تقسيم الدوائر بشكل فاقم من اتساعها، فضلا عن أن تصويت المصريين بالخارج تم بالمخالفة للقوانين الانتخابية، إذ جرى تحت إشراف جهات دبلوماسية وليست هيئات قضائية، كما تم عن طريق الإنترنت مما حال دون توفر شرط السرية.

جاء حكم القضاء الإداري بتجميد عمل الهيئة التأسيسية التي شكلها البرلمان  لصوغ الدستور الجديد، ليزيد عملية المخاض العسير لدستور الثورة عسرة

ولقد شهدت الحياة السياسية المصرية حادثة مماثلة في العام 1990، حينما أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكماً تاريخياً ببطلان مجلس الشعب المنتخب عام 1987، مستندة في حكمها إلى عدم دستورية النظام الانتخابي كونه أخل بمبدأ المساواة بين المواطنين في تقسيم الدوائر الانتخابية بين مقاعد القوائم والمقاعد الفردية. والملفت ههنا أن الأساس الدستوري الذي بني عليه الحكم ببطلان ذلك البرلمان يتطابق تماماً مع المطاعن الموجهة لقانون الانتخابات الذي تم على أساسه انتخاب برلمان الثورة بغرفتيه.

وفي حال تكرر هذا الأمر مجددا، سيغدو برلمان الثورة فاقدا للشرعية الدستورية على نحو يزيد المشهد السياسي تعقيدا، ليس لأن حكما كهذا سيفضي إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة في أجواء غير مواتية فحسب، ولكن لأنه سيطرح تساؤلات خطيرة بشأن شرعية الانتخابات الرئاسية المرتقبة، والتي اعتمد غالبية المترشحين فيها على تأييد عدد من النواب البرلمانيين لاستيفاء شروط الترشح، إضافة إلى مدى دستورية جميع القوانين والقرارات الصادرة عن هذا البرلمان قبل صدور الحكم ببطلانه.

ومن جهة ثانية، جاء حكم القضاء الإداري بتجميد عمل الهيئة التأسيسية التي شكلها البرلمان الشهر الماضي لصوغ الدستور الجديد، ليزيد عملية المخاض العسير لدستور الثورة عسرة. خصوصا بعد أن رفض المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدخال أية تعديلات على نصوص الإعلان الدستوري عموما والمادة 60 تحديدا.

ألغام دستورية
قد لا نبالغ إذا زعمنا بأن الإعلان الدستوري قد طوى عددا من الألغام التي تنذر بتفخيخ الاستحقاقات الأساسية المتبقية كالدستور الجديد والانتخابات الرئاسية. فبينما اعتبرت المادة 28 من ذلك الإعلان قرارات اللجنة العليا للانتخابات "نهائية ونافذة بذاتها وغير قابلة للطعن.. كما لا يجوز التعرض لقراراتها بالتأويل أو بوقف التنفيذ"، يرى فقهاء دستوريون أن نص تلك المادة يتضمن تضارباً دستورياً مع نص المادة 21 من الإعلان الدستوري، والتي نقلت المادة 68 بحرفيتها من دستور 1971، والتي تنص على عدم تحصين أي عمل إداري من رقابة القضاء. وفيما كانت تلك المادة من بين المواد التسع التي جرى الاستفتاء عليها في 19 مارس/آذار 2011، يشترط لتعديلها من خلال المشرع العسكري أو مجلس الشعب، أن يجرى من أجل ذلك استفتاء شعبي آخر.

وفي إعلانها إعادة الفريق شفيق إلى السباق الرئاسي بعد ساعات من إبعاده بموجب قانون العزل السياسي، بررت اللجنة العليا للانتخابات مواقفها بأنها ذات اختصاص قضائي إلى جانب الاختصاص الإداري، ولها الحق في نظر تظلمات المرشحين الرئاسيين المبعدين كما في إحالة قانون العزل السياسي إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستوريته.

وفي سياق مواز، ظلت المادة 60 من الإعلان الدستوري تشكل عائقا أمام إنجاز الدستور الجديد، إذ وضعت الإطار العام لكيفية وضع هذا الدستور، لكنها لم تحدد تفاصيل هذا الأمر، فلم توضح طريقة محددة أو معيارا يذكر لانتخاب الهيئة التأسيسية المعنية بوضع الدستور ولا أي حصص أو نسب محددة لأي فئة في المجتمع المصري بما فيها أعضاء البرلمان أنفسهم.

المادة 60 تضرب الديمقراطية في مقتل وتهدد الدستور الجديد بعدم الدستورية، لأنها تحتكم إلى قاعدة الأغلبية في تشكيل الجهة المناط بها وضع دستور، والأغلبية تتغير بينما يفترض في الدستور الثبات

كما خلا النص من تحديد أي جهة قضائية يُحتكم إليها عند الاختلاف حول تشكيل الجمعية التأسيسية. وبناء عليه، اتفق عدد من الفقهاء الدستوريين على أن هذه المادة تضرب الديمقراطية في مقتل وتهدد الدستور الجديد بعدم الدستورية، لأنها تحتكم إلى قاعدة الأغلبية في تشكيل الجهة المناط بها وضع دستور، والأغلبية تتغير من انتخابات لأخرى بينما يفترض في الدستور الثبات.

ونتيجة لما تمخضت عنه المادة 60 من ارتباك دستوري وسياسي فاقم من عجز الأحزاب والقوى السياسية عن التوافق حول معايير تشكيل الهيئة التأسيسية، طفقت جهات شتى كالبرلمان والمجلس العسكري وميدان التحرير والنخب السياسية، تتطارح الأفكار حول كيفية تشكيل تلك الهيئة، فظهرت طروحات متنوعة للخروج من المأزق، تلقي جميعها بالكرة في ملعب المجلس العسكري، الذي طالبته بإعادة العمل بدستور 1971، أو إصدار دستور مصغر أو إعلان دستوري مكمل، أو حتى تعيين أعضاء الهيئة التأسيسية على غرار ما جرى في الماضي.

مأزق العزل السياسي
في مشهد يسلط الضوء على الفجوة بين الممارسات السياسية الثورية والأطر القانونية والدستورية المنظمة لها، برزت أزمة القانون رقم 17 لسنة 2012 والمعروف إعلاميا بقانون العزل السياسي، والقاضي بأنه "لا يجوز لمن عمل خلال السنوات العشر السابقة على 11 فبراير/شباط 2011 بأي وظيفة قيادية بمؤسسة الرئاسة أو الحزب الوطني الديمقراطي المنحل، أن يتولى منصب رئيس الجمهورية أو نائبه أو رئيس الوزراء لمدة عشر سنوات تحتسب ابتداء من تاريخ تنحي مبارك".

ففي حين صدق المجلس الأعلى للقوات المسلحة على هذا القانون ونشر في الجريدة الرسمية وقامت اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية بإبعاد الفريق أحمد شفيق بموجبه من السباق الرئاسي كونه قد عمل رئيسا للوزراء في الأيام الأخيرة لمبارك، عادت اللجنة ذاتها وقبلت تظلم الفريق شفيق أمامها وأعادته إلى السباق الرئاسي مجددا بعد أن قبلت دفوع محاميه بعدم دستورية القانون، الذي رفعته إلى المحكمة الدستورية العليا للتحقق من دستوريته.

وثمة معطيات قانونية ودستورية شتى ترجح حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القانون، فقد أكدت هيئة مفوضي الدولة في تقرير لها مخالفة القانون لمبادئ دستور 1971 والإعلان الدستوري شكلاً وموضوعاً، فإضافة إلى تعارضه مع قانون الانتخابات الرئاسية المعمول به حاليا والذي لم يشترط في المرشح ألا يكون قد عمل مع النظام السابق، فإنه يتعارض أيضا مع المادة 19 من الإعلان الدستوري، والتي تنص على أنه "لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ صدور القانون"، مما يعني أن قانون العزل، حالة إقراره، لن يطبق بأثر رجعي.

تتوجس القوى السياسية خيفة من احتمال حكم المحكمة الدستورية العليا بدستورية قانون العزل السياسي، وما يستتبعه ذلك من إمكانية الطعن في الانتخابات الرئاسية المزمعة بعد إجرائها

وارتأت الهيئة فيه أيضا اعتداء على الحريات وقواعد التقاضي وأصول المحاكمات، كما اعتبرته انتقائيا كونه استثنى من شغلوا مناصب وزارية في عهد مبارك، تلافيا لأن تطال المشير حسين طنطاوي الذي كان وزيراً للدفاع في تلك الفترة، كما عمرو موسى الذي عمل وزيراً للخارجية. وبناء عليه، انتهت الهيئة من حيث الشكل والموضوع إلى عدم دستورية هذا القانون.

وبرغم تلك الدفوع، تترقب القوى السياسية موقف المحكمة الدستورية من قانون العزل السياسي بقلق بالغ. وفي حين ارتأى خبراء وجوب وقف لجنة الانتخابات الرئاسية إجراء الانتخابات كلية لحين الانتهاء من الفصل في دستوريته، تطبيقا للمادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا، تتوجس القوى السياسية خيفة من احتمال حكم المحكمة الدستورية العليا بدستورية القانون، وما يستتبعه ذلك من إمكانية الطعن في الانتخابات الرئاسية المزمعة بعد إجرائها كون الفريق شفيق شارك فيها كمرشح فيما كان يجب استبعاده منها بموجب ذات القانون.

أزمة الحكومة والبرلمان
ربما تكون الأزمة المحتدمة بين الحكومة والبرلمان حاليا نتيجة منطقية لضبابية الإعلان الدستوري، الذي منح السلطة التنفيذية ممثلة في المجلس العسكري حق تشكيل الحكومة وإقالتها وتغيير أعضائها. هذا في الوقت الذي جاءت المادة 33 من ذات الإعلان ملتبسة بمنحها البرلمان حق ممارسة دوره التشريعي والرقابي على الحكومة، في حين سلبت الأغلبية البرلمانية حق تشكيل الحكومة أو سحب الثقة منها.

وفيما يستند المجلس العسكري في دعمه لحكومة الجنزوري على حقه دون سواه في إقالتها، تستمد الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين إصرارها على إقالة تلك الحكومة من المادة 42 في اللائحة الداخلية لمجلس الشعب التي تمنح البرلمان حق سحب الثقة من الحكومة، لا سيما أن المادة 62 من الإعلان الدستوري تشدد على أن كل ما قررته القوانين واللوائح السابقة لصدور الإعلان الدستوري من أحكام يبقى نافذا بعد صدوره.

تبقى الإشارة إلى أن الألغام الدستورية التي تفخخ مرحلة مصر الانتقالية بكل ما تتضمنه من استحقاقات مصيرية، تظل قابلة للانفجار بأية لحظة ما لم تتحرر القوى السياسية المدنية من تشرذمها وشططها وتوحد جهودها لحمل المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تبني إجراءات إنقاذ مرحلية حتى تضع الانتخابات الرئاسية أوزارها، من قبيل تنقية الإعلان الدستوري القائم من اللبس والمطاطية، أو إصدار إعلان آخر مكمل يكون خاليا من الألغام ويتسم بالتفصيل والوضوح وعدم اللبس، على أن تتضافر الجهود وتخلص النوايا بعد ذلك، في ظروف أفضل ومدى زمني أطول، لوضع دستور جديد يليق بمصر الثورة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة