البحرية الإسرائيلية بعد حرب لبنان   
الأربعاء 4/11/1428 هـ - الموافق 14/11/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:46 (مكة المكرمة)، 12:46 (غرينتش)
طلعت مسلم


- البحرية الإسرائيلية قبل حرب لبنان
- البحرية الإسرائيلية مع بدء الحرب
- أثر الحرب على البحرية الإسرائيلية
- التطور المتوقع
- خاتمة

تأثرت إسرائيل بحرب لبنان تأثرا كبيرا إذ عجزت عن تحقيق أهدافها من الحرب كما أنها تكبدت خسائر، وتعرضت لأول مرة منذ فترة طويلة لقصف أهدافها في العمق، وشعر سكان فلسطين المحتلة بالخطر نتيجة لقصف الصواريخ، وقد أثر ذلك على الهرم العسكري الإسرائيلي عموما، ولم تكن البحرية الإسرائيلية استثناء من القاعدة.

ولقد استقال قائد القوات البحرية الإسرائيلية مؤخرا بمناسبة مرور عام على حرب لبنان، وقد أجرت صحيفة يديعوت أحرونوت مقابلة صحفية معه ساهمت بشكل كبير في توضيح الصورة الحالية والمستقبلية لهذه القوات بما في ذلك أثر حرب لبنان عليها، وهذه محاولة للاستفادة منها.

"
البحرية الإسرائيلية تتسم بالمركزية الشديدة، إذ إن قرارات مسار لنش الصواريخ تأتي من القمة، وبالتالي فإن القائد لا يستطيع أن يتهرب من المسؤولية
"
البحرية الإسرائيلية قبل حرب لبنان

أنشئت البحرية الإسرائيلية في يناير/ كانون الثاني 1948 بهدف حماية الهجرة اليهودية إلى فلسطين باسم "أسطول الدوريات الساحلي" لحماية الأرض من اتجاه البحر وللحصول على السلاح وتكوين قوة بحرية عاملة.

ومع تطور الأحداث استكملت القوة البحرية وحددت مهامها في الآتي "حماية دولة إسرائيل والدفاع عنها من البحر وتأمين منطقة عمليات جيش الدفاع الإسرائيلي"، و"تأمين عمليات دولة إسرائيل الحيوية"، و"مساعدة قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في كسب الحرب"، و"ضرب أهداف العدو"، و"إنتاج صور مخابرات محيطية"، و"خلق وتقويم صور استخبارية عامة"، و"تحميل القوات والمعدات لتنفيذ المهام المحددة"، و"إجراء البحث والإنقاذ البحري"، و"تنفيذ مهام خاصة"، و"بناء قوات بحرية"، و"تنفيذ مهام كجزء من خطط بناء جيش الدفاع الإسرائيلي".

ويشتمل البناء التنظيمي للبحرية الإسرائيلية على قيادة الأسطول الإسرائيلي بعناصرها المختلفة والوحدات التالية: قيادة وحدات لنشات الصواريخ رقم3، وقيادة وحدة القوات الخاصة البحرية رقم13، وقيادة وحدة الغواصات، وسرية الأمن الروتيني ووحدة أمن الميناء، ووحدة المهام تحت الماء، ووحدة القيادة المحيطية.

اتسمت البحرية الإسرائيلية -وفقا لوصف قائدها المستقيل- بالمركزية الشديدة، إذ إن قرارات مسار لنش الصواريخ تأتي من القمة، وبالتالي فإن القائد لا يستطيع أن يتهرب من المسؤولية.

وقد حصلت البحرية الإسرائيلية خلال العقد الأخير على سبع سفن حديثة من طرازات "شالداج دفورا ماركة3" لمهام التأمين الدورية، وعلى طائرات بحرية بدون طيار، بالإضافة إلى ثلاث غواصات من طراز "دولفين 212"، وثلاث قرويطات من طراز "حيتس سعر5" مسلحة بالصواريخ والطوربيد ونظام مضاد للصواريخ ومروحية مسلحة.

تقوم البحرية الإسرائيلية بإجراء تدريبات مع أساطيل أخرى من المنطقة وتجري تعاونا وتدريبات مشتركة مع حلف شمال الأطلسي، كما أن لها تمثيلا في قاعدة الحلف المذكور في نابولي بإيطاليا.

البحرية الإسرائيلية مع بدء الحرب
مع سماع الأنباء عن اختطاف أسيرين إسرائيليين وقتل آخرين قررت قيادة البحرية ودون انتظار تعليمات، إرسال لنشين صواريخ تجاه الشواطئ اللبنانية استعدادا للمشاركة في عملية انتقامية.

وقد بدأت اللنشات في قصف أهداف حزب الله على الشاطئ اللبناني فورا، ثم اقترحت قيادة القوات البحرية على رئاسة الأركان فرض الحصار على لبنان، وقد صادقت الوزارة على ذلك.

ومنذ تلك اللحظة ارتفع استعداد كل الأسطول بكل عناصره وسفنه ونظام الرصد والإنذار إلى الاستعداد الكامل، واعتبرت قيادة الأسطول أنها في حالة حرب فأرسلت كل سفنها ونشرتها في البحر.

وتوجهت الغواصات إلى مهامها الخاصة، وفرضت لنشات الصواريخ الحصار، في حين قامت سفن الأمن الروتيني بمهامها الدفاعية، وأول الأهداف التي قصفت من البحر كانت المحطات التي تزود حزب الله بالوقود وقواعد التنظيم.

وحذرت قيادة القوات البحرية الإسرائيلية سفنها من أنها يجب أن تكون حذرة تماما من وجود صواريخ من طراز "كورنت" المضادة للدبابات التي يمكن استخدامها ضد السفن أيضا، وكان هذا –وفقا لتقارير الاستخبارات الإسرائيلية– أكبر تهديد للسفن الإسرائيلية.

"
البحرية الإسرائيلية عللت إصابة السفينة حانيت بنقص المعلومات وقصور في فهم الموقف والتهاون وعدم احترام العدو، وبأنه لم يكن يتصور أن حزب الله يمتلك مثل هذا الصاروخ الذي يمكن إطلاقه على المياه الدولية
"
وقد صدرت التعليمات إلى لنشات الصواريخ لاعتراض السفن الأجنبية في البحر لتجنب الحوادث الدولية، وبدأت فورا التحضيرات لعمليات قيادة وحدات القوات الخاصة رقم13.

وبدأت قيادة البحرية في رفع مستوى تخطيطها خارج الشواطئ اللبنانية، حيث خططت أكثر من 12 عملية كان يفترض أن تكون قمتها عملية هجوم من القوات الخاصة ولنشات الصواريخ على ميناء الأوزاعي جنوب بيروت لتدمير معظم قوات حزب الله البحرية، لأن قائد الأسطول الإسرئيلي حينئذ يرى أن الميناء كانت به سفن حزب الله ومركز قيادته ومخازنه.

وقبل أن تبدأ العملية أصيبت السفينة "حانيت" وهي قرويطة من طراز "سعر5" كانت تعمل كمركز قيادة للحصار، ولم يعرف سبب إصابتها حينها، وتأثرت عجلة قيادتها وبدأت تلتف حول نفسها، واشتعلت فيها النيران، كما أصبح أربعة من طاقمها مفقودين.

واستغرقت البحرية زمنا طويلا نسبيا لتحديد سبب الإصابة إلى أن عثرت على قطعة من صاروخ إيراني صنع من طراز "سي802".

وتحولت القوات الخاصة من عمليتها إلى القيام بالبحث والإنقاذ، وبعد فترة قررت القيادة أن تعود السفينة بوسائلها يدويا وأن تترك منطقة الخطر إلى ميناء أشدود، وهذا ما حدث.

بعد ذلك سرعان ما عادت البحرية الإسرائيلية إلى عملياتها وخاصة عملية القوات الخاصة، ويدعي قائد البحرية المستقيل بأن عملية القوات الخاصة ضد ميناء الأوزاعي تمت في نفس الليلة وبدون خسائر، معتمدة على معلومات استخبارية جمعت على فترة زمنية طويلة في ميناء معاد. ويرى أن القوة أحرقت المخازن ودمرت مركز قيادة، وقتلت رجال حزب الله وأغرقت سفينة كانت تخدم التنظيم. وأيا كانت الحقيقة فهي تشير إلى اتجاه القيادة الإسرائيلية.

عللت البحرية الإسرائيلية إصابة السفينة "حانيت" بنقص المعلومات وقصور في فهم الموقف والتهاون وعدم احترام العدو، ويقر الأدميرال بن باسات بأنه لم يكن يتصور أن حزب الله يمتلك مثل هذا الصاروخ الذي يمكن إطلاقه على المياه الدولية.

وقد عملت البحرية الإسرائيلية على استعادة قدرتها القتالية ودورها في العملية بسرعة، واعتبرت أنها تعمل في مسرح عمليات مختلف عما كانت تظن، فقد أبحرت السفن بعيدا عن الشاطئ، كما جرى اختبار الأجهزة والنظم، وصدرت أوامر جديدة، وبدأ سباق تقني في محاولة لإيجاد حل مناسب بالتعاون مع الصناعة العسكرية.

يرى قائد البحرية المستقيل أن وحدات القوات الخاصة كانت نشيطة بلا توقف، وأنها نصبت الكمائن ورصت الألغام، وأغارت على الغابات ومراكز القيادة، وهاجمت مواقع الصواريخ.

أثر الحرب على البحرية الإسرائيلية
كان طبيعيا أن تسعى البحرية الإسرائيلية لبحث أسباب القصور في الحرب وخاصة إصابة السفينة "حانيت"، وقد تبين أولا أن معلومات الاستخبارات عن الصاروخ الإيراني الذي أصابها كانت ناقصة، وأن الرادار رأى شيئا ولكنه لم يقدره، والرادار لم يعمل جيدا، كما أن أفراد الحرب الإلكترونية رأوا شيئا لكنهم لم يتصوروا أنه صاروخ، وتصوروا أنه ظاهرة إلكترونية.

كذلك كان نظام "باراك" المضاد للصواريخ مغلقا حتى يريحوا الجهاز، ولكن الجهاز يمكن أن يكون فعالا فقط لو كانوا أدركوا أن صاروخا قد أطلق عليهم، وبدا أن العامل الرئيسي في الإصابة هو أن كل من على السفينة أو في الوحدة أو في الأسطول لم يتصور أن تهديدا كهذا كان قائما.

جرت مناقشات كثيرة في الأسطول والجيش والرأي العام حول إصابة السفينة "حانيت" كما عوقب الكثيرون بدءا بنائب قائد الأسطول، مرورا بقائد وحدات لنشات الصواريخ وقائد السفينة، وصولا إلى مهندس السفينة وضابط الإلكترونيات، وإن رأى البعض أن العقوبات كانت غير كافية.

أما عن السفينة "حانيت" فقد تم إصلاحها وأصبحت -وفقا لرأي قائد البحرية المستقيل الأدميرال بن باسات- سفينة جديدة تماما.

"
القوات الإسرائيلية بما فيها القوات البحرية قابلة للتحدي ولها نقاط ضعفها، لكن يجب ألا نستهين بها وأن نعد لكل شيء عدته، وأن نعمل على محاولة اللحاق بالتقدم العلمي في مجال الصناعة العسكرية
"
التطور المتوقع
من المتوقع أن تكون دروس حرب لبنان تحت الدراسة والعلاج لفترة ليست بالقصيرة، لاسيما ما يتعلق بقصور الاستخبارات وعدم كفاية ودقة المعلومات عن القوات المعادية، خاصة مع احتمالات تطور قوات المقاومة ليس في لبنان فقط، وإنما في كل من سوريا والمقاومة الفلسطينية أيضا.

كذلك فإن تدريب وانضباط عمال الرادار وأفراد الحرب الإلكترونية ووسائل ونظم الدفاع ضد الصواريخ سيحظى بالكثير من الاهتمام والتركيز، وأن تعمل البحرية خارج مدى الأسلحة المحتملة. أما الصناعة العسكرية فستعمل على تلافي نقاط الضعف التي ظهرت بحيث تتلافاها تماما، أو على الأقل تقلل من فرصها.

من المتوقع أن تستكمل البحرية الإسرائيلية مشروعين رئيسيين بدآ أثناء خدمة قائد البحرية السابق، وهما صفقتان لشراء غواصتين جديدتين وقع عقدهما في ألمانيا قبل أيام من اندلاع القتال في لبنان ووصفهما بأنهما الأكثر تقدما وأنهما طليعة الغواصات، ويصفهما بأنهما "ليستا سفنا جديدة فقط، لأن غواصات الأسطول جزء من منصة قوة الردع الإسرائيلية"، ما يعني أن الأسطول سيكون في العقد القادم له حضور وقوة مختلفان.

وبناء على ما سبق فإنه من المتوقع أو من غير المستبعد أن تسلح الغواصات الجديدة وربما القديمة بعد ذلك بالصواريخ النووية كجزء من قوة الردع الإسرائيلية.

كما يتوقع أن يستكمل مشروع سبق أن خلقه الأسطول وهو قاعدة "إريتس" في زيكيم التي ولدت بعد فض الاشتباك من غزة والتي يمكن من خلالها لوحدات كل من الجيش والأسطول رصد الموقف في حلقة الأسطول حول سواحل غزة باستخدام التقنية المتقدمة.

من المتوقع أيضا أن يحصل الأسطول الإسرائيلي على سفن متعددة الأغراض وسفن حربية من الأكثر حداثة، بالإضافة إلى أنه سيبدأ قريبا جدا في استخدام سفن بدون أطقم وخاصة في مسرح غزة.

وستشتمل سفن السطح متعددة الأغراض على مروحيات مسلحة وطائرات بدون طيار مسلحة، كما سيجري تطوير تسليح كل قطع الأسطول لتحقيق درجة كفاءة أعلى ودقة أكبر وقوة تدمير أشد وقدرة أكبر على الاختراق والتغلب على نظم الدفاع الإلكترونية.

أما وحدات القوات الخاصة البحرية فينتظر أن تستمر في نشاطها إذ إن لديها حجما كبيرا من الخبرة والمعلومات عن الدول العربية المجاورة، بما يعني أنه ينتظر أن تلعب دورا نشطا في أي صراع مسلح ينشب في المستقبل، بل وأن تقوم بأعمال من النوع الذي خططت له في حرب لبنان في عمق الدول العربية بدون نشاط قتالي واضح، وبغض النظر عن علاقة إسرائيل بتلك الدول.

خاتمة
كان من الطبيعي أن يركز القائد الإسرائيلي المستقيل على الإيجابيات، وأن يبدي القدرة على التغلب على نقاط الضعف، وهنا يجب أن نأخذ ما جاء هنا على محمل الجد.

وقد ثبت أكثر من مرة أن القوات الإسرائيلية بما فيها القوات البحرية قابلة للتحدي وأن لها نقاط ضعفها، لكن يجب ألا نستهين بها وأن نعد لكل شيء عدته، وأن نعمل على محاولة اللحاق بالتقدم العلمي في مجال الصناعة العسكرية، خاصة أن دولا في المنطقة قد خطت خطوات واسعة في مجال التقدم العلمي والتقني.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة