إسرائيل واستهداف إيران.. زوبعة في فنجان   
السبت 1432/12/16 هـ - الموافق 12/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:51 (مكة المكرمة)، 11:51 (غرينتش)
علي بدوان

 
ارتفعت مؤخرا نبرة الأصوات الرسمية والحزبية "الإسرائيلية" المنادية بالقيام بعمل عسكري مباشر ضد المنشآت النووية الإيرانية، وازدادت معها حدة النقاشات بين تيار مندفع باتجاه القيام عملية عسكرية جوية كهذه وتيار متحفظ أو رافض لها.
 
وقد ترافق الجدل "الإسرائيلي" الداخلي مع تدفق متزايد ومقصود للتقارير الإعلامية المتعلقة بسخونة الملف الإيراني على طاولة البحث "الإسرائيلية"، كما ترافق مع قيام طائرات من سلاح الجو "الإسرائيلي" بإجراء تدريبات ومناورات واسعة النطاق في سماء إيطاليا قرب جزيرة سردينيا (على مسافة أبعد من طهران من فلسطين المحتلة) تحاكي القيام بعمليات قصف مشابهة ضد إيران.
 
حيث تدربت (14) طائرة قتالية من طراز (أف 16) "إسرائيلية" من ثلاثة أسراب مختلفة، وقد شملت كل مكونات العمل الجوي الكامنة في هجمات بعيدة المدى، وشاركت في المناورة طائرات للإمداد الجوي بالوقود وطائرة قيادة ومراقبة جوية، وانضمت لهذه الطائرات طائرة بوينغ للإمداد الجوي بالوقود وطائرة من نوع (غالفستريم) تم تحويلها إلى طائرة قيادة وإنذار مبكر، كما شاركت الطائرات في تدريبات على المعارك الجوية ضد طائرات (يوروفايتر) الإيطالية و(تورنادو) الألمانية و(إف 16) الهولندية.
 
فما حقيقة الأمور، ولماذ التسخين "الإسرائيلي" في هذا الوقت خاصة، وهل من المتوقع أن تقوم "إسرائيل" بمغامرة عسكرية ضد إيران؟ أم الأمور لا تعدو مناورة سياسية لنتنياهو لأغراض مختلفة؟
 
الأغراض الداخلية لدى نتنياهو
"
التسخين "الإسرائيلي" الأخير بشأن الملف النووي الإيراني لم يأت كصاعقة في سماء صافية، بل جاء ليندرج في نطاق أمرين وغرضين اثنين أرادت حكومة نتنياهو
"
في البداية، من المؤكد أن التسخين "الإسرائيلي" الأخير بشأن الملف النووي الإيراني لم يأت كصاعقة في سماء صافية، بل جاء ليندرج في نطاق أمرين وغرضين اثنين أرادت حكومة نتنياهو تحقيقهما:
 
أولهما تنشيط الحملة الدولية التي بدأتها "إسرائيل" منذ شهر ونصف الشهر مع كل من واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي لبلورة عقوبات إضافية ضد إيران، فـ"إسرائيل" معنية الآن بلفت الأنظار مرة جديدة إلى الموضوع النووي الإيراني بعد أن غاب عن جدول أعمال المؤسسات الدولية المعنية بسبب حضور وسطوة الخبر المتعلق بالربيع العربي والتفاعلات اليومية التي مازالت تسحب نفسها على صعيد الاهتمام العالمي بما يجري في البلدان العربية.
 
وثانيهما، أن إعادة إثارة الموضوع النووي الإيراني بهذا الشكل اللافت داخل "إسرائيل" يمتلك أساسا سياسيا داخليا بامتياز، فهذا الموضوع المشحون انطلق مسربا وقصدا من داخل الغرف المغلقة في "إسرائيل" والمجلس الوزاري المصغر إلى النقاش العام والى الإعلام الخارجي رغم الطابع والبعد الإستراتيجي الهام المتعلق بالحديث عن استهداف المنشآت النووية الإيرانية.
 
وبالطبع، لم يكن لنتنياهو أن يطلق العنان لخروج النقاش من الدوائر المغلقة إلى الإطار الأوسع إلا خدمة للغرضين السابق ذكرهما، ولتحقيق عملية تكتيكية داخلية، وفي مسار سياسي يتعلق بسياقات لها علاقة بتفاعلات الوضع "الإسرائيلي" الداخلي وتحولاته، وفي ظل أزمات حكومة نتنياهو الناتجة عن انسداد أفق التسوية مع الفلسطينيين، وثبات السلطة الفلسطينية عند موقفها المعلن برفض العودة إلى طاولة المفاوضات الثنائية المباشرة دون الوقف الكامل لكل أعمال التهويد والاستيطان.
 
فالخدمة التكتيكية التي أراد منها نتنياهو إشغال الداخل "الإسرائيلي" بعنصر إثارة (قديم/جديد) تأتي بعد أن حصد نتائج ايجابية في استطلاعات الرأي العام الأخيرة في "إسرائيل"، ومنها التقديرات التي تقول بتقدم حظوظ حزب الليكود على منافسيه في أي انتخابات برلمانية قادمة، ليصبح التقدير الانتخابي في صدر الصورة والسلوك اليومي لنتنياهو.
 
وفي هذا الصدد، ماكان لنتنياهو ولحزبه أن يحصد تقديرات عالية في استطلاعات الرأي إلا بعد أن حقق إنجازين اثنين، تمثل الإنجاز الأول في إقدامه على تمرير صفقة التبادل التي نالت تقدير صف واسع من الجمهور "الإسرائيلي" بما في ذلك لدى قطاعات اليمين والمتدينين، رغم وجود حيز هام من الجمهور المعترض على حجم الصفقة وتفاصيلها.

وتمثل الانجاز الثاني في استيعاب نتنياهو للتفاعلات الداخلية "الإسرائيلية" بعد أن طالته شخصيا في المظاهرات التي قام بها جمهور الشرائح الطبقية الوسطى، الذي نزل إلى الشوارع بمئات الآلاف مطالبا بالعدالة والمساواة، وبتعديل شروط العمل، وزيادة المكاسب، وتحسين ظروف الحياة الاقتصادية في ظل ازدياد حدة الفرز (الطبقي) داخل "إسرائيل"، فأسرع نتنياهو لتقديم حوافز وسلة إغراءات لعموم قطاعات المجتمع وللمتظاهرين، وقد لبى جزءا هاما من مطالب قادة وجمهور الحراكات الداخلية "الإسرائيلية".
 
تباين بين مندفع ومتحفظ
وعليه، وبناء على المعطيات الواردة أعلاه، فإن العودة للمعزوفة "الإسرائيلية" (القديمة/الجديدة) بتوجيه ضربة عسكرية جوية لإيران، مناورة تكتيكية على الأرجح، وقد أثارت تباينات كبيرة وواسعة داخل مصادر القرار في "إسرائيل" وداخل المجلس الوزاري المصغر المعني برسم وصياغة القرارات ذات البعد الإستراتيجي.
 
"
ثمة تيار مندفع يؤيد العملية الجوية ضد المنشآت النووية الإيرانية، ويقوده نتنياهو نفسه الذي يريد الآن تصدير صورته الصقرية الحاسمة أمام قطاعات اليمين المتسعة كل يوم
"
وقد أفرزت تلك التباينات وجود ثلاثة تيارات داخل مصادر القرار في "إسرائيل" بالنسبة لكيفية التعاطي مع دعوات توجيه ضربة جوية للمنشآت النووية الإيرانية، فهناك تيار مندفع، وتيار رافض، وتيار مهني متحفظ.
 
فالتيار المندفع لتنفيذ العملية الجوية ضد المنشآت النووية الإيرانية يلعب أصحابه على هذه المعزوفة، ويقوده نتنياهو نفسه الذي يريد الآن تصدير صورته الصقرية الحاسمة أمام قطاعات اليمين المتسعة كل يوم داخل "إسرائيل"، ويقف معه في الخندق نصف المجلس الوزاري المصغر (أربعة من ثمانية) وعلى رأسهم الجنرال إيهود باراك الذي كان في الفترات السابقة يقلل في الجدوى المحتملة للهجوم قبل احتساب المخاطر، لكنه انقلب على موقفه في محاولة منه لاستثمار الجو الداخلي في "إسرائيل" وتقديم سياسة صقرية أمام الجمهور "الإسرائيلي" بعد تشكيله حزبا سياسيا جديدا (مازال محدود الحضور) بعيد انشقاقه وخروجه عن حزب العمل.
 
وهناك التيار الرافض للقيام بأي عمل عسكري ضد إيران، ويقف في هذا الصف (النصف الأخر من أعضاء المجلس الوزاري المصغر) وعددهم أربعة أعضاء هم من زبدة اليمين الصهيوني: بيني بيغن، ودان ميردور، والجنرال موشيه يعلون، والمتطرف الفاشي أفيغدور ليبرمان. ومعهم عدد كبير من مفاصل القرار من الذي هم الآن خارج إطار المجلس الوزاري المصغر مثل رجل الاستخبارات بوجي يعلون والجنرال شاؤول موفاز، ورئيس الموساد السابق الجنرال مئير دغان الذين يقودون معارضة شاملة مع جميع قادة أجهزة ومفاصل الأمن في "إسرائيل" معتبرين أن الهجوم الجوي على إيران "عمل متسرع وارتجالي" لا يتفهم الواقع الدولي المعقد، وسيكون حربا اختيارية يصعب على الجمهور"الإسرائيلي" قبولها أو تحمل نتائجها التي قد تكون كارثية على "إسرائيل"، وستجلب لإسرائيل "سيناريو رعب"، مقترحين أن يكون البديل "الإسرائيلي" في الاتجاه نحو العمل السياسي من خلال إثارة العالم وحثه على العمل ضد إيران، ولو بجولة جديدة من العقوبات الاقتصادية والمالية.
 
خيار إعادة بناء إستراتيجية جديدة
أما التيار الثالث في "إسرائيل" والمتحفظ على استهداف إيران، فهو التيار الذي يمكن أن نسميه بالتيار المهني، الذي ينطلق من موقف مهني فقط، ويمثله قائد سلاح الجو "الإسرائيلي" الجنرال (عيدو نحوشتان) الذي يرى صعوبة تنفيذ عملية جوية "إسرائيلية" كهذه ضد المنشآت النووية الإيرانية لعدة أسباب، أولها أن المسافات بعيدة بين مواقع انطلاق الطائرات القاذفة "الإسرائيلية" ومواقع المنشآت النووية الإيرانية.
 
وثانيها، توزع المنشآت النووية الإيرانية على مسافات متباينة جدا، تصل بين بعضها بحدود (1500) كيلومتر مما يصعب عملية استهدافها، فالطائرات "الإسرائيلية" تستطيع الوصول إلى إيران لكنها لا تستطيع إلقاء قنابلها الفتاكة على كل المواقع النووية أو على نصفها على الأكثر، فالبرنامج النووي الإيراني لن يقضى عليه بعد انتهاء العملية الجوية "الإسرائيلية" إن تمت، ولن يؤخره حتى لبضعة أشهر، وذلك بسبب كثرة الأهداف والدفاع الجوي الكثيف المحيط بها.
 
وثالثها، يتمثل وجود الجزء الأكبر منها (أي المنشآت النووية الإيرانية) داخل تحصينات محكمة ومدفونة تحت الأرض في مناطق متناثرة فوق أراضي إيران الشاسعة المساحة.
 
"
قائد سلاح الجو "الإسرائيلي" يطلب من نتنياهو وباراك أن يلجآ لصياغة رؤية إستراتيجية "إسرائيلية" جديدة تقول إن إيران أصبحت في النادي النووي العالمي وإنها باتت تمتلك مخزونا نوويا وحتى قنابل نووية
"
ورابعها، أن وجود نقص المعلومات المتوفرة لدى "أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية" والمتعلقة بالمنشآت النووية الإيرانية وعدم كفايتها لتنفيذ ضربات جوية "إسرائيلية" محكمة ومؤكدة النتائج.
 
وعليه، فإن قائد سلاح الجو "الإسرائيلي" الجنرال (عيدو نحشتان) يسعى لإقناع بنيامين نتنياهو والجنرال إيهود باراك بالعدول عن إثارة فكرة مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، معتقدا أن هجوم سلاح الجو "الإسرائيلي" على إيران لا يستطيع تحقيق الأهداف المطلوبة ولو بحدود معينة، مطالبا كلا منهما أن يغيرا اتجاه تفكيرهما الإستراتيجي حيال الموضوع النووي الإيراني، وأن يلجأ لصياغة رؤية إستراتيجية "إسرائيلية" جديدة تقول إن إيران أصبحت في النادي النووي العالمي وإنها باتت تمتلك مخزونا نوويا وحتى قنابل نووية.
 
في هذا الإطار، ومن موقع الاستئناس وتلمس الموقف العام في "إسرائيل" بشأن توجيه ضربة جوية للمنشآت النووية الإيرانية، يمكننا ملاحظة النتائج الأخيرة لأحد استطلاعات الرأي، فقد أفادت نتائج استطلاع للرأي (استطلاع ديالوغ) أجري في "إسرائيل" بإشراف البروفيسور كميل فوكس من دائرة الإحصاء في جامعة تل أبيب، في أوساط (495) مستطلعا أعمارهم فوق سن (18) عاما من عموم السكان في "إسرائيل" ونشرت نتائجه في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني على صفحات الصحف العبرية. فكتبت صحيفة "هآرتس" أن (41%) من المستطلعين قالوا إن على "إسرائيل" مهاجمة المنشآت النووية لطهران، مقابل (39%) يعارضون هذه الخطوة، فيما أجاب (20%) منهم بأنهم لا يعرفون.
 
كما يتبين من الاستطلاع أن (52%) من المستطلعين يثقون برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الحرب إيهود باراك في أن يتخذا القرارات السليمة في الموضوع الإيراني. بينما أجاب (37%) منهم بأنهم لا يثقون بهما، فيما أجاب (11%) منهم بأنهم لا يعرفون.
 
لا قرار "إسرائيليا" دون واشنطن
وبعيداً عن التباينات داخل "إسرائيل" بشأن الموضوع الإيراني، فإن حقيقة الواقع تقول إن "إسرائيل" لا تستطيع في هذا الميدان الإقدام على أي خطوة دون المشاركة الأميركية المباشرة اللوجستية والعسكرية، ودون الغطاء الأميركي السياسي الكامل.
 
إن "إسرائيل" لن تستطيع بكل الحالات الإقدام على مغامرة عسكرية بحجم مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية دون تنسيق وترتيب مسبق مع الولايات المتحدة وفي كل التفاصيل المتعلقة بهذا الأمر من ألفها إلى يائها، فـ"إسرائيل" لا تستطيع رفع حجر عن الأرض دون موافقة الولايات المتحدة وضوئها الخضر أو البرتقالي. وهنا نقول إن الولايات المتحدة مازالت ترفض إلى الآن إمكانية القيام بعمل عسكري ضد إيران إن كان من قبلها أو من قبل "إسرائيل"، أو بالمشاركة معا، وذلك لعدة أسباب مجتمعة.
 
"
إسرائيل" لن تستطيع بكل الحالات الإقدام على مغامرة عسكرية بحجم مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية دون تنسيق وترتيب مسبق مع الولايات المتحدة
"
فالولايات المتحدة تعتقد أن هجوما جويا "إسرائيليا" على إيران سيعقد الوضع في الشرق الأوسط (والمصالح الأميركية فيه وفي القلب منه) تعقيدا تاما، ولهذا تعارضه بشدة. كما أن واشنطن ترى أن المنطقة تلتهب تحت تحولات سياسية ومستقبلية ذات بعد إستراتيجي لا يمكن إشغالها بملف جديد وبأزمات جديدة، حيث تتجه العيون الأميركية الآن نحو ما يجري في مصر وليبيا واليمن وغيرها من البلدان العربية.
 
كما أن الولايات المتحدة الغارقة في أزماتها المالية والاقتصادية ومعها جميع دول الاتحاد الأوروبي ترى في تفجير الوضع مع إيران سكبا للمزيد من الأزمات التي ستنعكس عليها، خصوصا أن إيران تمتلك حلفاء متماسكين في المجتمع الدولي وعلى رأسهم كلاً من روسيا والصين العضوين الدائمين في مجلس الأمن.
 
وخلاصة القول، إن عودة العزف على وتر استهداف إيران ليس سوى زوبعة في فنجان تثار داخل "إسرائيل" لتحقيق جملة من الأغراض عند نتنياهو. كما أن "إسرائيل" لا تستطيع القيام بمهمة كهذه دون التشارك الكامل مع الإدارة الأميركية.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة