إستراتيجية القوة العارية   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ علي العبد الله

- تثبيت العامل العسكري
- تصعيد الإدارة الراهنة
- الإستراتيجية الأميركية إزاء الوضع العربي
- الموقف الدولي والعربي من الإستراتيجية الأميركية

مع نهاية الحرب الباردة منذ قمة مالطا بين الرئيسين بوش "الأب" وغورباتشوف (1989) وانهيار الاتحاد السوفياتي (1991) شهد العالم توجها سياسيا دعا إلى إقرار السلم وتصفية بؤر التوتر والحروب، فقد سادت لفترة وجيزة أدبيات البيروسترويكا التي تدعو إلى إقامة نظام دولي يعتمد "توازن المصالح" قاعدة له، وتعطي الأولوية للتعاون الدولي، ما يعني إعطاء الصدارة في العلاقات الدولية للعامل الاقتصادي وتراجع العامل العسكري.

وقد قاد هذا المناخ إلى بروز دعوات أوروبية إلى حل حلف الناتو بعد أن غدا -بفعل نهاية الحرب الباردة وحل حلف وارسو وانهيار الاتحاد السوفياتي- بلا معنى أو هدف، وإلى إقامة أوروبا واحدة من الأورال إلى الأطلسي، وإلى حل النزاعات الإقليمية بالطرق السلمية، وتقديم يد المساعدة للدول الفقيرة لإخراجها من حالة الانهيار الاقتصادي والصراعات العرقية والسياسية.

تثبيت العامل العسكري

تبنت أميركا بعد الحرب الباردة تأزيم المواقف وتوتير الملفات ودفع أطراف النزاعات والصراعات إلى اعتماد الخيار العسكري لإيجاد مبررات للاحتفاظ بالعامل العسكري لخدمة مصالحها في العالم
رفضت الولايات المتحدة هذا التوجه وقاومته بقوة، وتبنت سياسات ومواقف تأزيم وتوتير الملفات ودفع أطراف النزاعات والصراعات إلى اعتماد الخيار العسكري، لإيجاد مبررات للاحتفاظ بالعامل العسكري وتطويره، فالمحافظة على "توازن القوى" قاعدة للعلاقات الدولية، والمحافظة بالتالي على حلف الناتو وتوسيعه وتعديل إستراتيجيته وساحة عمله، تخدم أهدافا أميركية عديدة هي:

1- استثمار عنصر القوة الأميركية الرئيس في تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية مباشرة.

2- استثمار مناخ التوتر والصراع في احتواء تطلعات الحلفاء الاستقلالية، فالتوتر والصراع يدفع الحلفاء إلى الاصطفاف وراء القوة الكبرى لحماية المصالح المشتركة، والتسليم لهذه القوة بالقيادة والتخطيط وتحديد المواقف والخيارات، بينما يسمح مناخ السلم والاستقرار بالتحرك المستقل للقوى لخدمة مصالحها المباشرة، خاصة بعد زوال البعبع السوفياتي.

3- استثمار مناخ التوتر والصراع في صياغة منظومات إقليمية ومنظومة دولية تحقق المصالح الإستراتيجية الأميركية.

4- ربط سرعة التقدم على طريق إنهاء النزاعات والصراعات الإقليمية والدولية بتحقيق الأهداف الأميركية المباشرة والإستراتيجية، وقضية فلسطين خير شاهد.

تصعيد الإدارة الراهنة
أعادت الإدارة الأميركية الجديدة إطلاق مفهوم الدول "المارقة" الذي ابتدعته إدارة كلينتون لتبرير نشر شبكة صواريخ مضادة للصواريخ بحجة وجود دول "مارقة" تمتلك صواريخ بالستية بعيدة المدى أو احتمال هجوم نووي عن طريق الخطأ، لأن نشر الصواريخ يفتح الباب أمام إلغاء اتفاقات ومواثيق دولية تحد من فرص واشنطن في فرض شروطها، فالقرار يعني:

1. انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ (أي بي إم) الموقعة مع الاتحاد السوفياتي عام 1972.

2. فتح باب سباق تسلح جديد على صعيد العالم، لأن دولاً كثيرة لن تسلم للولايات المتحدة بتحقيق نصر إستراتيجي بسهولة، وهذا سيقود إلى الانخراط في سباق تسلح يستنزف قدراتها ويعرقل نموها الاقتصادي ما يمنعها من منافسة الولايات المتحدة اقتصادياً.

3- برنامج "درع الصواريخ" جزء من برنامج كبير، وتنفيذه مقدمة لتنفيذ البرنامج الأصل (برنامج ريغان) الذي حلم به السياسيون الأميركيون المحافظون، بهدف السيطرة على الأرض انطلاقا من السيطرة على الفضاء.

فمنذ أن أطلق الاتحاد السوفياتي مركبته الأولى عام 1957 أقامت الإدارة الأميركية تصورها للهيمنة على العالم عبر الإمساك بمفاصله الأساسية، فقسمته إلى تسعة مجالات إستراتيجية بما يتوافق مع القوى التي تتوقع منها الممانعة أو التحدي أو الخطر، وسعت إلى الوجود في هذه المجالات عبر القواعد العسكرية والشركات الاقتصادية والاستثمارات المالية.

ومن هنا جاء انتشارها حول الصين (130 قاعدة عسكرية) وروسيا (بضم سبع دول من أوروبا الشرقية إلى حلف الناتو، بالإضافة إلى الوجود العسكري في دول آسيا الوسطى) والوطن العربي وأميركا اللاتينية.

ومن هنا أيضا جاءت مغامرتها العراقية كاختبار قوة، فكما كان القصف الأميركي لهيروشيما ونجازاكي خلال الحرب العالمية الثانية بالقنابل النووية بمثابة إطلاق رصاص على الصاري السوفياتي، كانت المغامرة العراقية عرضا للقوة الاستعمارية على اللاعبين الكبار في أوروبا والشرق الأقصى، الصين بخاصة.

وقد دشّن الرئيس الأميركي بإعلانه عام 2001 خطه المتشدد، والذي كرسته عقيدته التي تضمنتها وثيقة "إستراتيجية الأمن القومي الأميركي" التي أصدرتها الإدارة الأميركية يوم (20/9/2002) والتي ركزت على:

1. حرية الولايات المتحدة في شن حرب إجهاضية أو استباقية ضد الإرهاب أو دول تملك أسلحة دمار شامل.

2. عدم السماح لأية دولة أو مجموعة دول بتحدي التفوق العسكري الأميركي.

3. تفضيل التحرك والإجراءات الأحادية على المعاهدات الدولية والمنظمات الدولية في منع انتشار الأسلحة النووية.


قاد احتلال العراق وتطابق سياسة الإدارة الأميركية شبه الكامل مع سياسة شارون إلى خلق بيئة إقليمية ضاغطة على دول المشرق العربي التي وجدت نفسها بين المطرقة والسندان
كما عبر التشدد الأميركي عن نفسه بمواقفه إزاء الاتفاقات الدولية، فقد أصرت واشنطن على رفض اتفاقات كيوتو حول الاحتباس الحراري وعلى حظر انتشار الأسلحة الجرثومية والفردية والألغام، واعترضت على تشكيل محكمة جرائم حرب دولية ما لم تضمن عدم محاكمة أميركيين أمامها، وهددت بعدم حضور مؤتمر العنصرية في دربان (جنوب إفريقيا) إذا تضمن جدول الأعمال التعويض عن سنوات الرق وإدانة الصهيونية، هذا مع تدخلها بالضغط السياسي والاقتصادي لتفرض على الدول الأخرى الخضوع لأحكام هذه الاتفاقيات، كاشفة عن اعتمادها سياسة فلسفتها "لا تكن مثلي وكن كما أريد" حيث طالبت الدول الأخرى الالتزام بما رفضت هي الالتزام به.

كما أبرزت الولايات المتحدة أولوية أمنها القومي الضيق والمصالح التجارية لشركاتها، قطاع تقنية المعلومات بخاصة. وقد فاقم المخاطر تميز الإدارة الأميركية الراهنة بنزعة عقائدية منطلقة من رؤية يهودية مسيحية (بروتستانتية) تدعي أن سلوكها الإمبريالي مهمة ربانية غايتها إدخال العالم في الحضارة والمدنية عبر تحقيق إرادة الله، كما قال الرئيس الأميركي بوش "الابن".

استغلت الإدارة الأميركية الهجمات في واشنطن ونيويورك يوم 11/9/2001 في تنفيذ إستراتيجيتها الدولية، ووظفت التعاطف الدولي معها في استصدار قرار من مجلس الأمن (رقم 1373) يسمح لها بضرب كل من له علاقة بالإرهاب، ويلزم دول العالم بالتعاون معها في ذلك، وحددت الخصوم في ثلاثة أصناف: قوى إرهابية، دول ترعى الإرهاب، مناخات تفرخ الإرهاب.

ووضعت العالم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما مع أميركا أو مع الإرهاب، وجعلت من محاربة الإرهاب أولوية دولية، وبشرت بعمل عسكري واستخباراتي في 60 دولة فيها -كما زعمت- قواعد للإرهاب.

الإستراتيجية الأميركية إزاء الوضع العربي
انطلقت الإدارة الأميركية في احتلالها للعراق من خلفية استخدام العراق قاعدة انطلاق لإعطاء زخم سياسي لمشروعها الشرق أوسطي، بتحويله إلى قاعدة عسكرية كبيرة، ويمكن إضافة ليبيا بعد المواقف الأخيرة إلى المعادلة، ويمكن منه إعادة صياغة المنطقة سياسيا، واستخدام الموارد النفطية الهائلة (ثاني أكبر احتياطي عالمي، وفي تقديرات أول احتياطي عالمي) عبر الخصخصة بالتحكم في أسواق النفط، ناهيك عن ضمان إمدادات نفطية آمنة لمدة زمنية طويلة.

قاد احتلال العراق وتطابق سياسة الإدارة الأميركية شبه الكامل مع سياسة شارون إلى خلق بيئة إقليمية ضاغطة على دول المشرق العربي التي وجدت نفسها بين المطرقة والسندان، وقد زاد موقفها تعقيدا دعوات واشنطن لها للتكيف مع السياسة الأميركية، والتي جسدها مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته أوائل مارس/ آذار الماضي، حيث جاء دون التشاور مع الأنظمة العربية ودون أية إشارة إلى دور ما لهذه الأنظمة، ما يعني اعتمادها منطق الأمر الواقع.

وهذا يعني أن الطرف الأميركي قد رفع غطاءه عن هذه الأنظمة، بعد أن كانت قد فقدت شرعيتها الشعبية منذ زمن طويل وبقيت في السلطة بقوة الحبل السري الذي يربطها بهذا الغطاء، وهذا وضعها أمام أحد احتمالين: إما الانهيار بفعل الوهن أو الضغط الخارجي أو بكليهما، وأدخلها في حالة تعرضية غير مسبوقة عبر انكشاف ظهرها، وهذا جعلها لقمة سهلة لخصومها الداخليين والخارجيين.

فواشنطن حسب عدد من المعلقين لن تتخلى عن مخططها حتى لو تغيرت الإدارة الأميركية الراهنة، حيث يمكن أن يتغير الأسلوب دون أن يتغير الهدف، ففي الولايات المتحدة من يرى الاكتفاء باستخدام القوة اللينة (نمط الحياة الأميركية، الثقافة الأميركية، السينما، التقنية الحديثة) وعدم استخدام القوة الصلبة (الاقتصاد والقوة العسكرية)، ربما تأتي إدارة ديمقراطية تتبع الأسلوب الأول (القوة اللينة) لكن سيبقى هدف تغيير المناخ السائد في الدول العربية والإسلامية قائما ومطلوبا.

الموقف الدولي والعربي من الإستراتيجية الأميركية
إن هدف الولايات المتحدة -وفق القراءة الفرنسية والألمانية والروسية والصينية- هو إشاعة سياسات صراع الحضارات كبديل للحرب الباردة، واعتماد سياسة توتير المناخ الدولي لإيجاد ظرف دولي يسمح بإعادة الاعتبار للعامل العسكري الذي تتفوق فيه، في محاولة لتعديل ميزان القوى الاقتصادي عبر تحقيق انتصارات توظفها في ضبط التفاعلات الاقتصادية الدولية وتنشيط الاقتصاد الأميركي الذي يعاني من صعوبات كبيرة (ركود، تراجع النمو إلى 0.7% في الربع الأخير من العام 2003) ومن عجز تجاري مع معظم الشركاء التجاريين (541.8 مليار دولار عام 2003).


سعت فرنسا وألمانيا إلى تطوير موقف أوروبي مستقل بهدف الحد من التفرد الأميركي في الساحة الدولية, فيما واجهت الأنظمة العربية الموقف بقلق شديد وارتباك واضح وبالسعي إلى التنصل من مستدعياته
وهذا جعلها تابعة اقتصادياً للعالم الخارجي في ذات الوقت الذي أصبحت فيه غير لازمة سياسيا لهؤلاء الشركاء، لمنع قيام نظام دولي تعددي قائم على احترام القانون الدولي وتطويره باتجاه علاقات تعاون بالاستناد إلى "توازن مصالح" دولي.

لقد لمست هذه الدول تعارض السياسة الأميركية مع القانون الدولي والذي عانت الإنسانية كثيرا قبل أن تتوصل إلى الاتفاق عليه واعتماده كإطار لضبط العلاقات الدولية، والعودة إلى اعتماد سياسات القوة العارية. وهذا سيقود إلى قلب بنية المجتمع الدولي القائم ويلغي فرص قيام نظام دولي -كما ترغب باقي دول العالم- متعدد الأطراف قائم على التعاون و"توازن المصالح".

ورأت فيها تهديدا مباشرا لرؤيتها القائمة على مكافحة الإرهاب، وحل النزاعات الإقليمية بطرق سلمية، خاصة الصراع العربي الإسرائيلي، لتحقيق مساحة من الاستقرار النسبي لشعوب العالم. وسعت فرنسا وألمانيا إلى تطوير موقف أوروبي مستقل بهدف الحد من التفرد الأميركي في الساحة الدولية.

وهذا جعل معارضتها مصيرية وإن لم تأخذ شكل مجابهة مباشرة، لأن المسألة لا تتعلق فقط بمصالح اقتصادية آنية أو حصص يمكن الاتفاق عليها، بل بمصالح إستراتيجية عُليا، وبمستقبل النظام الدولي، وهي مسألة لا يمكن التساهل فيها لأن ذلك سوف يعني استسلامها للإرادة الأميركية، ولهذا تحركت للمجابهة ولمنع الولايات المتحدة من تحقيق نصر إستراتيجي.

فيما واجهت الأنظمة العربية الموقف بقلق شديد وارتباك واضح، وبالسعي إلى التنصل من مستدعياته بذريعة الخصوصية ورفض التغيير المفروض من الخارج، قبل أن تنتقل -لاحتواء الموقف الشعبي- إلى طرح مبادرات كثيرة جوهرها إصلاح العمل العربي المشترك، باعتبار مشروع الشرق الأوسط الكبير يعالج مسألة النظام الإقليمي وليس طبيعة الأنظمة وتخلفها وانتهاء صلاحيتها، وهذا أكد فواتها وعدم صلاحيتها للبقاء.
ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة