المصالحات الوطنية مصلحة قومية   
الجمعة 1428/7/6 هـ - الموافق 20/7/2007 م (آخر تحديث) الساعة 9:39 (مكة المكرمة)، 6:39 (غرينتش)


سليم بن حميدان

- أنظمة الحكم
- المعارضات
- الحصاد المر
- الواقعية البناءة

تعيش دولنا العربية منذ حرب الخليج الأولى أوضاعا سياسية واجتماعية واقتصادية صعبة أفضت إلى أزمات دورية وشبه دائمة استنزفت مقدرات الدولة وأنهكت قوى المجتمع.

تشير أغلب التحاليل والدراسات العربية إلى أن الأوضاع الدولية وسياسات القوى الكبرى هي المسؤول المباشر عن تتالي هذه الأزمات بهدف تعميق حالة التبعية والارتهان وبقاء الدول حديثة الاستقلال حلقات مفككة داخل الفلك الإمبريالي يتأرجح مصيرها بين الفوضى الدائمة والانتحار البطيء.

قبول هذه الحقيقة لا ينبغي أن يحجب مسؤوليتنا الذاتية، نحن أبناء هذه المنطقة، عن تهيئة المناخ لاستفحال الأوضاع وتأبيد الأزمات وجعلها الأفق الوحيد لحركتنا الجماعية في تناقض مباشر مع طموحاتنا وأهدافنا في الحرية والديمقراطية والتنمية المستديمة.

ودون الخوض في تفاصيل الموضوع وحيثياته التاريخية فإننا نشير إلى الحقائق الموضوعية الآتية.

"
الأضرار الناتجة عن النضال السياسي وتكاليفه الباهظة أصبحت فادحة بسبب اختلال موازين القوة بين الدولة والمجتمع وضعف مؤسسات الحماية، ناهيك عن تفكك التضامن الأهلي والعصبيات التقليدية وغياب التقاليد الديمقراطية العريقة
"
أنظمة الحكم
تمكنت الأنظمة العربية من تحقيق مكاسب وإنجازات عديدة في مختلف المجالات، إلا أنها انفردت بالسلطة ورفضت التجاوب مع المطالب السياسية والاجتماعية التي توخت أساليب الضغط والاحتجاج.

كما أنها تصدت بقوة لكل محاولات الخروج عن الشرعية القائمة، فكان أن تم تأجيل الديمقراطية السياسية تحت ذريعة الانتقال التدريجي وأولوية التنمية في بعديها الاقتصادي والاجتماعي.

لقد تضررت أنظمتنا كثيرا من الإفراط في استعمال القوة لقمع خصومها السياسيين وفضلت الاحتماء بالدعم الخارجي على التنازل داخليا بما يوسع من دائرة المشاركة في السلطة، مما أفضى إلى تعميق حالة التنافي والاستعداء بينها وبين مجتمعاتها واستمرار تغذيتها بالضغائن والأحقاد.

إن الانقسام السياسي الطبيعي الذي يفرضه قيام الدولة بين حاكمين ومحكومين تحول عندنا إلى مصدر للشرور ومحرك للنزاعات بدل أن يكون شكلا حضاريا للتنظيم وإدارة الخلافات.

الاحتماء بالخارج لم يكن خيارا عبقريا بقدر ما كان ضرورة إستراتيجية فرضها نمط الإنتاج الإمبريالي القائم على العلاقات الزبائنية بين الأطراف والمركز.

الطبيعة الزبائنية لهذه العلاقات أنتجت شبكة دولية من الامتيازات والخدمات التبادلية التي أخضعت السياسي والقانوني، أي الشرعية، لقوانين العرض والطلب بمحدداتها الاقتصادية والإستراتيجية في سوق الاستهلاك الإمبريالي.

في المقابل، أدت كل محاولات التمرد على الهيمنة الخارجية وممارسة السيادة الوطنية، في مفهومها التقليدي، إلى تكثيف الضغوط وفتح الجبهات وتفجير التناقضات الداخلية بما لا تحتمله أنظمة حكم نخبوية مهما كانت درجة التزامها أو وفائها للقضايا الوطنية والقومية.

وهكذا وجدت أنظمتنا نفسها متأرجحة بين سندان الاحتجاج الداخلي ومطرقة الضغط الخارجي بما يبقي الأوضاع دائما بين حدي الاستسلام الكامل والانفجار الشامل.

المعارضات
لقد أسهمت النخب العربية المعارضة، بجميع عائلاتها الإيديولوجية والسياسية، في ترويج الأفكار الديمقراطية ونشر مبادئ حقوق الإنسان، مما همش الجماعات التكفيرية والعلمانية المتطرفة وأحالها إلى حواشي المجتمع كأقليات منبوذة تحوم حولها شبهات العمالة والعمل لحساب أجندات خارجية.

غير أن مراوحة هذه النخب الديمقراطية، خطابا ومنهجا، بين حدي الراديكالية والانتهازية في تعاملها مع الأنظمة وبين حدي الشعبوية والاستعلاء في علاقتها مع "العامة"، عمق القطيعة وزعزع الثقة حتى بين أبناء التيار الواحد، مما رسخ حالة العزوف الشعبي عن الشأن العام وحال دون تشكل كتلة تاريخية بإمكانها إصلاح الأوضاع أو قيادتها نحو الأفضل.

وهكذا تبدو الحصيلة هزيلة جدا يعبر عنها بوضوح عدم التناسب الصارخ بين الجهود والتضحيات من جهة والمكاسب والإنجازات الوطنية من جهة أخرى.

فالأضرار الناتجة عن النضال السياسي وتكاليفه الباهظة أصبحت فادحة بسبب اختلال موازين القوة بين الدولة والمجتمع وضعف مؤسسات الحماية، ناهيك عن تفكك التضامن الأهلي والعصبيات التقليدية وغياب التقاليد الديمقراطية العريقة.

العشرية الأخيرة من القرن الماضي ومآل المواجهة ضد الدولة في كل من مصر والجزائر علمت المعارضات العربية درسا بليغا مفاده أن نخبوية الأنظمة الحاكمة وافتقادها للشرعية الدستورية والشعبية لا يعني هشاشتها، وأن سقوطها من قلوب شعوبها لا يعادل سقوطها في واقعهم.

لحسن الحظ، لم تلغ تجارب المواجهات الفاشلة مع الأنظمة العربية أفكار الثورة والتغيير الراديكالي لكنها انتقلت بها من إيديولوجيا العنف الثوري إلى نداءات الإصلاح والتغيير الديمقراطي السلمي.

العنف هو دون شك أقصر طريق لحسم المشاكل وتصفيتها مع الخصم العنيد لكنه ليس الأفضل قطعا.

هذا هو الدرس الأول في الدبلوماسية كإدارة للحرب بوسائل أخرى، وهذا ما استخلصته المعارضات العربية بعد أن أصبحت الراديكالية قرينة للعنف وتهديدا لـ"أمن الدولة" وشبهة الإرهاب تهدد كل من يمس مصالح الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها في المنطقة بوضعه على القائمة السوداء لأشرار العالم.

"
آن الأوان لكي نقيم تجاربنا وننظر إلى كسبنا، سلطة ومعارضة، دون نرجسية عمياء ولا تملق مهين لأن البيت خرب متهالك، يوشك سقفه المهزوز أن يهوي على رؤوس من فيه فيقضي عليهم جميعا
"
الحصاد المر
لقد جربت الأنظمة العربية كل مخططات الاستئصال والاحتواء والتركيع لمعارضيها، فلم تتمكن من نيل مرادها وإن استطاعت إخماد نيران الغضب حينا، لتندلع أحيانا أخرى بأشد وأمضى فكان المغرم أفدح من المغنم بأضعاف كثيرة.

كما جربت المعارضات كل سياسات المواجهة والنقد والتحشيد، فلم تفلح في سوى التعرية والفضح والإساءة لنخبة الحكم دون الاقتدار على توسيع هامش الحريات والديمقراطية، فكان نصيبها من السجون والمنافي أكبر من حظها في المشاركة والتوجيه.

وهذه الأدوار أضحت علامة دالة على تخلفنا وضحالتنا بقدر ما أصبحت الدافع المغذي لحركتنا بل المعنى الوحيد في وجودنا.

كوجيتو السلطة "أنا أستبد إذن أنا موجود" ونظيره في المعارضة "أنا أصرخ إذن أنا موجود"، ودون أن نساوي بين الاستبداد والعويل فإن الحصيلة الثابتة إلى حد الآن هي العدمية لا الوجود.

ربما نختلف في تقييمنا للأنظمة والمعارضات العربية، ولكننا نتفق قطعا في كون مجتمعاتنا تعيش حالة هشاشة بنيوية رغم مظاهر الاستقرار النسبي والرفاه المادي في بعض أقطارها.

وهي تقف جميعا على مفترق طرق متعدد الاتجاهات ولن يجدي نفعا إيهام الذات والآخرين بمثالية الواقع فيما يخص الأنظمة، أو بقرب الخلاص وحتمية الأفضل فيما يتعلق بالمعارضات.

ومما يعقد الأوضاع ويزيدها خطورة اهتزاز العالم من حولنا وتسارع وتيرة التحولات التي يمكن أن تعيد، في كل لحظة، خلط الأوراق بما يقوي هذا الطرف أو يضعفه حسب الحاجة والظروف.

ولن نستطيع سواء كنا في السلطة أو في المعارضة، الإقناع بقدرتنا الخارقة على توظيف كل الظروف والعوامل لمصلحتنا ضد الطرف الآخر.

إن الثقة العمياء في النفس ربما توفر لصاحبها دافعا قويا للنجاح والتسلط واحتقار الآخرين، لكنها حتما الطريق الأقرب للتراجع والانهيار الذي تعقبه نكسات وثارات.

ولقد دلت تجارب الشعوب وحالات سقوط الأنظمة التسلطية على تدفق الغضب الكامن في صدور المضطهدين وتحول زفراتهم حقدا بشعا وثأرا فظيعا من أرباب الحكم.

لقد آن الأوان لكي نقيم تجاربنا وننظر إلى كسبنا، سلطة ومعارضة، دون نرجسية عمياء ولا تملق مهين لأن البيت خرب متهالك، يوشك سقفه المهزوز أن يهوي على رؤوس من فيه فيقضي عليهم جميعا.

لقد قيل مثل هذا الكلام لصدام حسين ولمعارضيه في المنافي، كما قيل من قبل لبورقيبة وجمال عبد الناصر لكنهم أبوا جميعا إلا أن يهوي السقف على رؤوسهم مخلفا جراحات غائرة في قلوب شعوبهم أحبة وأعداء.

في كل تلك التجارب دكت العروش ولم ينبلج النور بل ازداد الظلام سوادا والواقع فوضى والمصير تيها وضياعا.

لم يستطع أولئك القادة أن يصنعوا أمما متقدمة أو شعوبا عظيمة بقدر ما تركوا أوهاما من بطولات وغبارا من بشر تائها في رمال العالم المتحركة دون بوصلة أو دليل.

"
المدخل الأسلم لإصلاح الأوضاع وتعديل بوصلة الاتجاه هو تحقيق المصالحات الوطنية الشاملة التي لا تستثني أحدا في السلطة ولا في المعارضة
"
الواقعية البناءة
لعله من الواقعية القول بأن مطلب الشعوب العربية في الحرية والديمقراطية عسير المنال في الظروف الإقليمية والدولية الراهنة وأنه أشبه بحلم استقلال الشعوب المستعمرة قبل الحرب العالمية الثانية.

بل إن الأمر يحتاج قطعا إلى موافقة القوى العظمى التي لا تزال ترى في الحرية والديمقراطية عندنا خطرا ماحقا يهدد مصالحها لأنه سيدفع بالنخب الوطنية الراديكالية المستعصية على الاحتواء والتمييع إلى مراكز القيادة والتوجيه على غرار ما أفرزته الديمقراطية الفلسطينية والانتخابات النزيهة في كل قطر.

غير أن الواقعية لا تعني التطبيع مع الواقع. واستحالة تحقيق الديمقراطية اليوم لا يرفع عنا مسؤولية تهيئة الأرضية الملائمة لقيامها غدا، وذلك لعمري هو الدور الوطني والحضاري للنخب السياسية والمثقفين العرب.

إنه المفهوم الوظيفي للسياسة الذي يجعلها أداة لتحويل اللازم إلى ممكن عبر آليات الحوار والإقناع تجاوزا للوسائل البدائية المرتكزة على العنف والإخضاع.

على هذا الأساس يصبح منطق التنافي السياسي المفضي بدوره إلى الاقتتال الأهلي، عبثيا ومدمرا لمستقبلنا القومي. ربما يكون الضرر لدى المعارضين أنكى منه لدى المتنفذين اليوم في السلطة لكنها في كل الأحوال أضرار مادية ومعنوية جسيمة ترهن مستقبل الأمة ومصير أبنائنا من بعدنا لآماد لا يعلمها إلا الله.

قد تقذف القدرة الأميركية القاهرة و"فوضاها الخلاقة" بأبناء معارضي اليوم إلى أعلى مراكز القرار غدا، ليسلطوا بدورهم على أبناء حكام اليوم صولة جديدة من القهر والظلم الذي أصبح على ما يبدو عادة عربية نتوارثها جيلا بعد جيل بعقل قبلي سخيف، ولبئس المصير.

المصير البائس الذي لا نريده لأبنائنا غدا قراره اليوم بين أيدينا، يترجمه فعلنا تجاه إخواننا المختلفين معنا، حتى تصبح التركة الوطنية غنية بالخير والعدل الذي تتقاسمه الأجيال من بعدنا فيلحق الخير أدناهم وإن بغى بعضهم على بعض كما هو حال الأمم المتقدمة التي علمتنا أن الديمقراطية هي أقل الأنظمة سوءا.

وعليه، فإن المدخل الأسلم لإصلاح الأوضاع وتعديل بوصلة الاتجاه هو تحقيق المصالحات الوطنية الشاملة التي لا تستثني أحدا في السلطة ولا في المعارضة.

إنه سلام الشجعان الذي لا ينظر إلى الماضي بقدر ما يعانق المستقبل ولا يهتم بالنوايا بقدر ما ينظر إلى الأعمال ولا يصنع العداوات بقدر ما يوسع من دائرة الأصدقاء.

غير أن الإشكال الذي يتبادر إلى ذهن القارئ والذي سيبقى، على ما يبدو، لسنوات عالقا دون حل هو: ما العمل أمام رفض أنظمتنا للتسويات الحقيقية وإصرارها على الإصلاحات المغشوشة والمصالحات المؤقتة؟
__________________

كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة