إيران بين نذر الحرب والاحتواء الدولي   
السبت 1430/7/25 هـ - الموافق 18/7/2009 م (آخر تحديث) الساعة 11:40 (مكة المكرمة)، 8:40 (غرينتش)
نبيل شبيب


- وفاق أقطاب الشمال

- نذر حرب.. بعيدة الاحتمال
- القرار المصلحي بمنظور إيراني

السياسة مصالح كما يقال، ومعظمها أنانية، هدفها في عالم السياسة المعاصر تحقيق المكاسب الذاتية بغض النظر عن الآخرين، فلا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة.

وقد اعتمدت إيران على إمكاناتها الذاتية، ولم تستطع الاعتماد كما ينبغي على أرضية مصالح إقليمية مشتركة، ولكن عولت على المواقف الروسية والصينية خلال عهد بوش الابن، وآن لها أن تضع في حسابها أن المرحلة القادمة حافلة بألغام جديدة، من صنع روسي أميركي أوروبي مشترك هذه المرة.

"
من مصلحة الدولة الروسية أن يكون الملف النووي الإيراني ورقة سياسية في علاقاتها مع القوى الغربية، ولكن أوشك الغرض من توظيفه على هذا النحو أن يبلغ غايته
"
وفاق أقطاب الشمال

لقد وُضع بين أوباما وميدفيديف في قمة موسكو حجر الأساس لعلاقة تحالف جديدة ستشمل القوى الدولية في الشمال، وقد لا يحتاج الأمر إلى أكثر من بضعة أشهر لتظهر للعيان الإفرازات الأولى لهذا التحالف الذي كان متوقعا وتأخر نسبيا بعد الحرب الباردة، وقد عرقلته سياسات "جنون العظمة" الإمبراطورية في فترة حكم بوش الابن والمحافظين الجدد.

في مقدمة الإفرازات المنتظرة ما يرتبط بالتعامل مع إيران وملفها النووي، وقد أصبح خلال القمة جزءا من صفقة تحددت معالمها المبدئية، وبدأت المفاوضات حولها من قبل القمة، وستشهد جولات متسارعة بعدها، لا سيما أن الطرفين أعلنا -ومن ورائهما الاتحاد الأوروبي- أن الأولوية في هذه المرحلة هي لما يسمى حظر انتشار الأسلحة النووية (والصواريخ البعيدة المدى) أو بتعبير أصح: ترسيخ احتكارها من جانب الدول التي تملكها حاليا.

العنوان الكبير في المرحلة الأولى هو معاهدة جديدة للحد من التسلح النووي، وعنوان أحد بنودها الرئيسية وفق اتفاقية الإطار الموقعة في موسكو هو شمول المفاوضات للأسلحة النووية الهجومية والدفاعية وليس الهجومية فقط كما كان يسمى "ستارت1".

ويتفرع عن ذلك الدرع الصاروخي الأميركي (الدفاعي) وسيصبح درعا صاروخيا أميركيا روسيا أوروبيا. وتحت هذا البند يأتي الملف النووي الإيراني.

لقد أصبح هذا الملف عبر قمة موسكو نقطة ضمن جداول أعمال المفاوضات والمقايضات بين الدولة المتزعمة للعالم الغربي، والدولة الراغبة في الجلوس على مقعد مجاور لها في نظام عالمي يخلف نظام الحرب الباردة بعد زهاء عشرين سنة مرحلية من انتظار قيامه بالفعل.

وباتت جميع الدلائل تشير إلى أنه سيكون نظاما "قطبيا" شاملا لتحالف القوى الرئيسية في الشمال، وليس متعدد الأقطاب كما يقال باستمرار، فالخلافات بين أقطاب الشمال تتضاءل إلى درجة تجعلها غير قابلة للمقارنة مع ما عرفه نظام الاستقطاب الثنائي بين الشرق والغرب.

ويشهد على ذلك بصورة مبكرة فتح الأراضي الروسية للعتاد والجنود الأميركيين باتجاه أفغانستان وباكستان، وعودة الدفء والعلاقات الحميمة إلى علاقات المشاركة الأطلسية الروسية، ومجرى قمة الثماني في إيطاليا.

صحيح أن من مصلحة الدولة الروسية أن يكون الملف النووي الإيراني ورقة سياسية في علاقاتها مع القوى الغربية، ولكن أوشك الغرض من توظيفه على هذا النحو أن يبلغ غايته، ولئن تم الاتفاق على معاهدة جديدة للحد من التسلح النووي قبل نهاية العام 2009 كما هو مقرر، فسيتضمن ذلك حصول موسكو على "ثمن" هذه "الورقة"، وآنذاك يظهر للعيان مجددا ما تعنيه قاعدة "السياسة مصالح" وأن المصالح لا تعتمد على أرضية أخلاقية بالضرورة!

"
النتيجة المطلوبة عبر الحرب من جهة، ونذر الحصار السياسي من جهة أخرى، هي بالنسبة إلى الملف النووي الإيراني، أن تتحرك طهران بمواقف جديدة في نطاق العرض الجديد للمفاوضات
"
نذر حرب.. بعيدة الاحتمال

لم يكن من باب المصادفة -على صعيد الملف الإيراني- أن تتزامن قمة موسكو مع إطلاق نذر حرب إسرائيلية ضد طهران أكثر مما مضى، بالكشف عن مناورات إسرائيلية جديدة صريحة المقصد، ومرور غواصة إسرائيلية ألمانية الصنع نووية التسلح عبر قناة السويس بطريقة استعراضية، وإشاعة أنباء ثم تكذيبها بشأن موافقة مزعومة على عبور مقاتلات إسرائيلية للأجواء العربية باتجاه إيران، وإعلان نائب الرئيس الأميركي أن واشنطن لا تعارض هجمات إسرائيلية محتملة، فإعلان الرئيس الأميركي نفسه أن هذا لا يعني "ضوءا أخضر" كما قيل!

جميع ذلك أقرب إلى الضغط على روسيا أكثر منه على إيران، لتتبنى موقفا جديدا "قبل اشتعال حرب جديدة" قرب حدودها الجنوبية لا قبل لها باتخاذ "إجراءات عسكرية مضادة" على صعيدها، ولا يتوقع منها ذلك فلا مصلحة لها في مواجهة دولية.

يضاف إلى ذلك ما يتردد مع مبالغة ملحوظة بشأن تقارب جديد بين العالم الغربي ومن يعتبرهم حلفاء إيران في الساحة العربية، بدءا بما يقال على سبيل الإغراء بشأن منظمة حماس، والتواصل الأوروبي مع منظمة حزب الله، والإعلان عن تعيين سفير أميركي في دمشق، وارتفاع مستوى الزيارات الرسمية وتعددها إلى العاصمة السورية، جنبا إلى جنب مع عودة الحديث عن استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية، والتصريح الغريب الصادر عن وزير الخارجية السوري وليد المعلم بأن طرح مسألة العلاقات السورية مع إيران والمقاومة يعتبر شرطا مسبقا، وهو ما يمكن تفسيره دبلوماسيا بالاستعداد للحديث عن ذلك في المفاوضات، مع عدم قبوله شرطا مسبقا!

نذر الحرب بطريقة استعراضية لا تعني وقوعها في الشهور المقبلة، فليس صحيحا أن الإسرائيليين يمكن أن يقدموا على مغامرة عسكرية ضخمة دون إذن أميركي، رغم ما يمكن أن يصيب المصالح الأميركية من أضرار، وليس من المصلحة الأميركية الآن إشعال حرب أخرى، في الوقت الذي تعمل فيه واشنطن على استكمال خروجها من أتون حرب العراق، وتواجه وفق المصادر العسكرية الغربية عقبات كبيرة تعرقل الأهداف الأميركية من تصعيد الحرب في أفغانستان وباكستان.

هذا علاوة على وجود أرضية مشتركة مع إيران تحتاج واشنطن إليها في قضيتي أفغانستان والعراق، ويمكن أن يكون الثمن الذي تطلبه لقاء نفوذ إيراني جنوب آسيا هو تقليص النفوذ الإيراني في ساحة قضية فلسطين، لبنانيا وعربيا، بغض النظر عن استعداد إيران لدفع هذا الثمن، فتصفية قضية فلسطين تحت عنوان حل الدولتين بات أيضا من الأولويات الأميركية.

إن النتيجة المطلوبة عبر الحرب من جهة، ونذر "الحصار السياسي" من جهة أخرى، هي بالنسبة إلى الملف النووي الإيراني، أن تتحرك طهران بمواقف جديدة في نطاق العرض الجديد للمفاوضات قبل سبتمبر/أيلول 2009، كما أعلن في قمة الثماني بإيطاليا بمشاركة موسكو واعتمادا على تأثيرها في إيران دون ريب.

ليس المطلوب أميركيا إشعال فتيل حرب ضد إيران، بل المطلوب احتواؤها دوليا مع أدوارها الإقليمية شرقا وغربا، ومع الحيلولة بالوسائل غير العسكرية دون تسلحها نوويا، ليمكن وضع الحصيلة على الخريطة الجديدة المتوقع أن تنبثق عن تحالف جديد بين قوى الشمال الذي بدأت معالمه بالظهور.

"
ينطلق العالم الغربي من أولوية قضية فلسطين بمنظوره على ما عداها، ولهذا سيبقى السؤال الحاسم في مستقبل العلاقات الإيرانية الغربية مرتبطا في نهاية المطاف بمستقبل علاقة إيران بالمقاومة الفلسطينية واللبنانية
"
القرار المصلحي بمنظور إيراني

يقال في الغرب الكثير عن عدم عقلانية القرار الإيراني، فهذا من المرتكزات الرئيسية لتسويغ الهدف الرسمي الدولي لدى الرأي العام بشأن استمرار تطوير التسلح النووي وسواه في مجموعة من دول العالم، وحرمان سواها من تسلح رادع على مستوى فعال.

إنما لن تخضع استجابة إيران لما يعرض عليها في هذه المرحلة للشعارات وإن انبثقت من منطلقات عقدية وثورية، ولن يكون القرار الإيراني بين الاستجابة وعدمها خارج تأثير "أزمة النظام" المنبثقة عن أزمة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بل سيخضع القرار لقاعدة السياسة المصلحية أيضا، وسيكون على الأرجح أقرب إلى الاستجابة إذا ما انطوت العروض الغربية أو عروض قوى الشمال، على قبول إيران في نادي الصناعة النووية السلمية، وقبولها قوة إقليمية ذات نفوذ وتأثير على جيرانها، ووضع حد للعراقيل في وجه نهضتها اقتصاديا عن طريق الحصار والمقاطعة وفرض العزلة الغربية عليها.

إنما ينطلق العالم الغربي من أولوية قضية فلسطين بمنظوره على ما عداها، ولهذا سيبقى السؤال الحاسم في مستقبل العلاقات الإيرانية الغربية مرتبطا في نهاية المطاف بمستقبل علاقة إيران بالمقاومة الفلسطينية واللبنانية، سيان من حيث حجم تأثيرها الحقيقي، أو من حيث الدوافع والنوايا الإيرانية على هذا الصعيد، فإن أصبحت هذه العلاقة مادة للمقايضة في المرحلة المقبلة، سيزداد احتمال التوصل إلى حلول مقبولة إيرانيا ودوليا للمشكلات الأخرى القائمة.

وإذ بلغ حجم الخلافات بين إيران ومعظم الدول العربية مبلغه، لا بد من التساؤل:
1- إذا كانت إيران على استعداد لتغليب منطق المصالح السياسية في تعاملها مع الغرب، واستخدام أسلوب الأخذ والعطاء، فما مدى استعدادها لتطبيق ذلك على العلاقات مع الدول العربية، بطرح مختلف أسباب النزاع، بدءا بالجزر الثلاث في مضيق هرمز، مرورا بالأمن الإقليمي في الخليج، انتهاء بأسلوب التعامل مع التناقضات المذهبية والطائفية، ووضع ذلك في "سلة" مفاوضات واحدة بهدف احتواء الأزمات، وترسيخ أرضية مشتركة للمصالح المشتركة؟

2- وبالمقابل، هل من مصلحة الدول العربية على المدى المتوسط والبعيد أن تسقط الورقة الإيرانية في التعامل الدولي والإقليمي مع قضية فلسطين؟

إذا صح الطرح السياسي القائل إن "الخطر الإيراني" أكبر من "الخطر الإسرائيلي" على الدول العربية أو بعضها، وأصبح الاستعداد قائما للتعامل مع الخطر "الأصغر" وفق ذلك الطرح بأسلوب الحلول الوسطية كما يقال، ألا يفرض المنطق السياسي التعامل مع الخطر الأكبر بذلك الأسلوب؟

بتعبير آخر، ألا يمكن التفكير الجاد في احتواء السياسة الإيرانية عربياً وفق لغة المصالح الإقليمية، بدلا من احتوائها دولياً وفق لغة المصالح الدولية وعلى حساب المصالح الإقليمية؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة