الحرب آتية   
الخميس 8/9/1428 هـ - الموافق 20/9/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:44 (مكة المكرمة)، 11:44 (غرينتش)


عبد الستار قاسم

- الحرب الاستباقية
- عوامل الدفع
- عوامل الكبح لدى أميركا وإسرائيل
- نشر الفتن
- نتيجة الحرب
- مدى الجبهة

هل ستنشب حرب في المنطقة العربية الإسلامية تكون أميركا وإسرائيل وإيران وسوريا وحزب الله أطرافها أو بعض أطرافها؟ نعم.

يدور جدل واسع حول إمكانية نشوب الحرب، وأغلبه يدور حول احتمال مهاجمة أميركا وإسرائيل للأطراف المشار إليها أعلاه، ويندر أن نسمع أحدا يناقش احتمال قيام سوريا وإيران وحزب الله بالهجوم.

هناك من يستبعد قيام أميركا بالهجوم على إيران مرجحا اللجوء إلى تشديد العقوبات المتنوعة من خلال مجلس الأمن، وهناك من يرى أن العقوبات لن تجدي نفعا كبيرا لأميركا وإسرائيل، وأن الحسم العسكري هو الحل الوحيد للقضاء على التهديد الإيراني لإسرائيل والنفوذ الأميركي في المنطقة.

وهناك من يرى احتمالا قويا بأن تقوم إسرائيل بمهاجمة سوريا وحزب الله، بينما يرى آخرون أن إسرائيل تكتفي بالترتيبات التي تمت في جنوب لبنان عام 2006 مع السعي إلى منح مزيد من الصلاحيات الأمنية للقوة المتعددة الجنسيات والجيش اللبناني.

الحرب الاستباقية
تعتبر الحرب الاستباقية أو الوقائية عنصرا أساسيا في النظرية الأمنية الإسرائيلية التي ما زالت معتمدة حتى الآن، ولا يبدو في الأفق أن إسرائيل ستتخلى عنها تحت الظروف العسكرية القائمة حاليا في المنطقة، وهي أيضا ركن أساسي في تفكير الهيمنة للمحافظين الجدد الذين يسيطرون إلى حد كبير على البيت الأبيض في هذه المرحلة.

هذا فكر أمني يقول بضرورة القضاء على قوة الخصم قبل أن تنمو وتشكل تهديدا عسكريا فعليا، ما يؤدي إلى استسلام الخصم في النهاية والقبول بالشروط المطلوبة.

استعملت إسرائيل الحرب الاستباقية عام 1967، وعمدت إلى قصف مواقع عسكرية عربية قبل أن تكون قادرة على الحركة العسكرية مثل المفاعل النووي العراقي، واستعملتها أميركا ضد العراق عام 2003.

"
 الحرب الاستباقية لا تنطلق ضد أي دولة، وإنما ضد دولة معادية تعمل على مراكمة القوة العسكرية التي يُشتم منها رائحة التهديد للمصالح أو الهيمنة
"
لا تنطلق الحرب الاستباقية ضد أي دولة، وإنما ضد دولة معادية تعمل على مراكمة القوة العسكرية التي يُشتم منها رائحة التهديد للمصالح أو الهيمنة.

مصر في عهد عبد الناصر شكلت تهديدا للنفوذ الغربي في المنطقة العربية الإسلامية، وأعطت مؤشرات قوية حول عدائها لإسرائيل، فهاجمها الغرب وإسرائيل عام 1956، ولم تنسحب إسرائيل من سيناء إلا بعد حصولها على بعض الضمانات الأمنية، كان على رأسها منع نشاط المقاومة في قطاع غزة. وقامت إسرائيل بمهاجمة قواعد المقاومة الفلسطينية في مخيم الكرامة عام 1968، وهاجمت أميركا الدومينيكان وبنما.

أصبح واضحا أن إيران تصنع أسلحة متطورة، وأثبتت ذلك حرب إسرائيل على حزب الله عام 2006. كما أن طهران تسير قدما في برنامجها النووي غير عابئة بمختلف المواقف الدولية المساندة للولايات المتحدة.

حزب الله صمد في جنوب لبنان، وأوقع خسائر كبيرة في صفوف الجيش الإسرائيلي، وأفشل الحملة العسكرية الإسرائيلية.

أما سوريا فتعمل بوتيرة متزايدة على رفع استعداداتها العسكرية سواء من ناحية التسليح أو التدريب.

هذه ثلاث جهات لا تخفي عداءها لإسرائيل، ولا تحديها للهيمنة الأميركية على المنطقة، وفي هذا ما يبرر الحرب الاستباقية.

بالتأكيد، تعمل أميركا وإسرائيل مجتمعتين ومنفردتين على تقييم كل الاحتمالات وإبراز محاسن وعيوب كل خيار.

هناك مجازفة كبيرة في خوض الحرب، لكن البديل للحرب هو مزيد من تنامي قوة القوى الثلاث، ما يعني المزيد من التحدي لهما مستقبلا.

فماذا تختاران؟ هل يتم اختيار المجازفة مع كل ما تحتويه من خسائر وتدمير واحتمالات، أم الصبر وانتظار مزيد من القوة الإيرانية المتصاعدة التي قد تتوج بالقنبلة الذرية؟ يحتوي الحاضر على مجازفة، لكن المستقبل يتضمن المزيد من المجازفة.

عوامل الكبح لدى أميركا وإسرائيل
هناك عوامل كبح تدعو كلا من إسرائيل وأميركا إلى مزيد من التفكير بشن حرب، أُجملها فيما يلي:

1- عنصر التخوف الإسرائيلي الأميركي ارتفع جدا بعد حرب يوليو/ تموز 2006 التي انتهت بفشل إسرائيل، فقد فاجأ حزب الله العالم، ولا يظن أحد أن الترسانة العسكرية الإيرانية تمتلك فقط المفاجآت التي أظهرها حزب الله. إذا كان الحزب قد أظهر بعض أسلحته، فإن إيران -استنتاجيا- تمتلك ما هو أكثر بكثير.

"
لا يظن أحد أن الترسانة العسكرية الإيرانية تمتلك فقط المفاجآت التي أظهرها حزب الله. وإذا كان الحزب قد أظهر بعض أسلحته، فإن إيران -استنتاجيا- تمتلك ما هو أكثر بكثير
"
2- تعاني أميركا وإسرائيل من شحّ المعلومات حول تسليح إيران وحزب الله والتكتيكات العسكرية التي يمكن اتباعها، وهناك ضعف كبير في الاختراق الاستخباري. وقد
خاضت إسرائيل حربا عمياء بقليل من المعلومات عن حزب الله، وهي وحليفتها ما زالتا تعانيان من قلة الجواسيس والمتعاونين.

3- المقامرة واردة بشأن نفط الخليج الذي سيتأثر تصديره، ما سيؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار على المستوى العالمي.

وهناك احتمال بأن تتمكن إيران من إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي سيخفف بصورة كبيرة من تدفق النفط إلى الأسواق، والمسألة ستكون أكثر شدة إذا ضربت إيران منشآت نفطية على السواحل الغربية للخليج.

4- تملك إيران وسوريا أوراقا للضغط على الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان.

5- ربما تتمكن إيران من إغراق سفن حربية أميركية في الخليج. أما إسرائيل فستتكبد خسائر كبيرة في الجنود والمدنيين والمنشآت.

فإذا ارتفع سعر النفط إلى ما هو أكثر من مئة دولار فإن ضجة عالمية كبيرة ضد الولايات المتحدة ستشتعل سواء على مستوى الدول أو على مستوى الشارع، خاصة في الشارعين الأميركي والأوروبي.

وإذا أغرقت سفينة حربية واحدة لأميركا وغرق معها مئات الجنود الأميركيين فإن السخط سيعم مختلف القطاعات في الولايات المتحدة. أما إسرائيل فستقع في محنة كبيرة إن لم تستطع حسم الحرب خلال أسبوع.

عوامل الدفع
على الرغم من عوامل الكبح المكلفة جدا، هناك عوامل دفع باتجاه الحرب أجملها فيما يلي:

1- قوة مثلث الممانعة (إيران وسوريا وحزب الله) تهدد الهيمنة الأميركية في المنطقة من خلال الإصرار على التغيير الشامل.

2- تتطلع إيران بالتحديد ومعها حزب الله إلى إحداث تغيير سياسي واجتماعي واقتصادي في المنطقة العربية والإسلامية، ما يهدد الأنظمة العربية ومعها المصالح الأميركية والإسرائيلية.

فإذا استطاعت إيران إحداث اختراق في المنطقة وتمكنت فإن الضائقة ستلحق بالأنظمة العربية، وستضطر معها أن تهادن إيران مما يعني زيادة نفوذها على حساب نفوذ أميركا وإسرائيل.

3- الصبر على إيران يعني التفرج عليها وهي تتقدم بخطى ثابتة نحو القنبلة النووية، الامر الذي سيحدث توازنا مع قوة الردع النووي الإسرائيلية.

4- الصبر على قوة حزب الله وسوريا يعني تقليص هيبة إسرائيل وتحقيق توازن عسكري يهدد في النهاية وجود إسرائيل.

5- للأنظمة العربية دور تحريضي لأنها تخشى على استمراريتها، وهي معنية بعدم وجود قوى في المنطقة تهدد الاستقرار المفروض بقوة أجهزة الأمن العربية.

6- قوة إيران وحزب الله تعني تأجيج التنافس السني الشيعي، ما يشجع قوى المقاومة السنية على العمل بطريقة صحيحة وعلمية مختلفة عن أساليب الفهلوة والارتجال، وهذا يعني المزيد من المشاكل مع من تسميهم أميركا بالإرهابيين.

نشر الفتن
"
الفتن الداخلية تشكل بديلا أميركيا وإسرائيليا جيدا إذا تحقق، لأنه يوفر عليهما الدخول في حروب محرجة داخلية وخارجية وغير مضمونة النتائج
"
ربما فكرت أميركا ومعها قوى عربية متعددة في لحظة ما نشر الفتن في المنطقة خاصة بعد حرب يوليو/ تموز 2006 وانتصار حزب الله، ما سيؤدي إلى استنزاف الطاقات بأيد داخلية كما حصل في الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات.

وقد جرت محاولات للعب على وتر سنة وشيعة، وعرب وفرس، لكن لا يبدو أن النجاح كان حليفها. كما حمل رجال دين وسياسة لواء الفتنة وحاولوا جر الناس إلى خنادق الاقتتال المذهبي والقومي، لكن التجاوب بقي ضعيفا.

وانحسرت المشاكل الطائفية قليلا في العراق، وأفشل حزب الله كل محاولات الانجرار إلى الحرب الأهلية. فقط فصائل فلسطين لبت الدعوة وغرقت في اقتتال داخلي ألحق مزيدا من الضعف في الساحة الفلسطينية.

وع ذلك تشكل الفتن الداخلية بديلا أميركيا وإسرائيليا جيدا إذا تحقق لأنه يوفر عليهما الدخول في حروب محرجة داخلية وخارجية وغير مضمونة النتائج.

نتيجة الحرب
لا تستطيع أميركا وإسرائيل ضمان نتيجة الحرب إذا نشبت، ولهما عبرة قوية في حرب يوليو/ تموز 2006. فلا تستطيع الدولتان ضمان نتيجة الحرب النهائية، ولا تستطيعان ضمان تدمير قوة الخصم خاصة فيما يتعلق بالمنشآت النووية الإيرانية.

حزب الله وإيران مخندقان جيدا، ومن غير المؤكد أن تتمكن القنابل والصواريخ الساقطة من تدمير أهدافها.

ومن الوارد -بل من المؤكد- أن حزب الله وإيران قد أعدا مواقع مموهة كثيرة لتستقطب هجمات تشغل بال العسكريين المعتدين، أي أن جزءا كبيرا من المجهود الحربي الأميركي والإسرائيلي سيضيع هباء وبلا طائل.

أما سوريا فهي الحلقة الأضعف، وضعفها يأتي أولا من عدم قدرة النظام على تحقيق الانتماء الوطني. فقد بقي النظام ضمن عقلية الولاء للحكم، وأبقى على أجهزة الأمن ضمن عملها التقليدي العربي الذي يتمثل في ملاحقة المواطنين.

على الرغم من ذلك، طورت سوريا صناعة الصواريخ وحصلت على معدات متطورة من إيران وروسيا، ومن المحتمل أن لديها قوة دفاع جوي حديثة تستطيع إسقاط الطائرات الحديثة.

قد تنجح الحرب الاستباقية ضد سوريا، لكنها لن تنجح ضد حزب الله وإيران لأن الاستعداد في لبنان وإيران قائم على امتصاص هجمات العدو مع المحافظة على قوة الرد.

وتحاول سوريا منذ فترة تبني نموذج حزب الله الدفاعي، لكن الاستعداد الذي يمتد على مدى عام أو عامين لا يمكن أن يحقق نتائج الاستعداد على مدى سبعة أعوام وأكثر.

وفي تقديري أن خسائر كبيرة ستلحق بمثلث الممانعة لكنها لن تكون قاصمة، إذ سيصمد هذا المثلث ويحتفظ بقدرته على الرد على الرغم من أن وهنا عسكريا سيلحق بسوريا.

الصمود بحد ذاته انتصار، لكن ظني أيضا أن إسرائيل ستخسر خسارة كبيرة إذا استطاعت سوريا وحزب الله إسقاط طائراتها لأن جيشها سينكشف ويصبح من الممكن دحره على الأرض.

مدى الجبهة
"
ضرب سوريا وحزب الله أولا يشكل بالون استكشاف لمعرفة بعض الأسلحة التي تملكها إيران خاصة فيما يتعلق بالدفاع الجوي, وإذا استطاعت إسرائيل أن تنهي قوة هاتين الجهتين فإنه سيتم الاستفراد بإيران وتأليب دول العالم بالمزيد ضدها
"
هل ستفتح إسرائيل وأميركا جبهة إيران وسوريا معا؟ هذا مستبعد جدا لأن الحكمة تقتضي تضييق الدائرة إلى أقصى درجة ممكنة مع تحقيق أفضل النتائج.

تشكل إيران مصدر القلق الرئيسي وهي مركز النشاط النووي، وضربها وتدمير منشآتها العسكرية يعني حرمان حزب الله وسوريا من مصدر التسليح والتمويل الرئيسي. وإذا خسرت إيران، يخسر كل من سوريا وحزب الله.

وقد أظهرت حرب يوليو/ تموز 2006 أن التريث في ضرب إيران كان حكيما بسبب ظهور أسلحة لدى حزب الله لم تكن في الحسبان، ولو كان للحرب أن تشتعل ضد إيران لوقعت أميركا في فخ كبير من حيث الخسائر العسكرية.

وعليه فإن ضرب سوريا وحزب الله أولا يشكل بالون استكشاف لمعرفة بعض الأسلحة التي تملكها إيران خاصة فيما يتعلق بالدفاع الجوي.

وإذا استطاعت إسرائيل أن تنهي قوة هاتين الجهتين فإنه سيتم الاستفراد بإيران وتأليب دول العالم بالمزيد ضدها.

لكن يبقى السؤال: هل ستقبل إسرائيل أن تكون هي البالون الاستكشافي، أم ستصر على دعم أميركي مباشر في حال نشوب الحرب؟

حرارة المنطقة تسخن مع الأيام، ومعها ترتفع حرارة الجدل والنقاش حول مكان الحرب وتوقيتها وكيفية أدائها.
ــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة