حول دخول القاعدة على خط الثورة السورية   
السبت 26/3/1433 هـ - الموافق 18/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:43 (مكة المكرمة)، 13:43 (غرينتش)
 

بعد غياب لا بأس به عن تطورات الأحداث في المنطقة، عاد أيمن الظواهري إلى الساحة بتسجيل سريع يدعم فيه الثورة السورية (كان له تسجيل سابق في نفس السياق قبل شهور)، الأمر الذي يستحق التوقف من أجل قراءة الأسباب ومن ثم التداعيات المتعلقة بدخول القاعدة على خط الثورة السورية.
والحال أن غياب الظواهري عن الساحة لبعض الوقت لم يكن مستغربا، إذ إن ارتباك الرجل في التعاطي مع تطورات المنطقة يبدو طبيعيا إلى حد كبير.

حدث ذلك أولا بسبب إستراتيجية الربيع العربي التي همّشت نظرية التنظيم المسلح الذي يواجه نظاما سياسيا في دولة عربية أو مسلمة (مقاومة الاحتلال شيء آخر)، في مقابل نجاح نظرية الثورة الشعبية السلمية، حتى لو تحولت تلك الثورة لهذا السبب أو ذاك إلى ثورة مسلحة كما وقع في الحالة الليبية، والآن في الثورة السورية التي تتخللها بعض الأعمال المسلحة.

تفرض الثورة السورية نفسها على خطاب الظواهري لأنها تشكل في هذه المرحلة أولوية قصوى لدى الشارع العربي والإسلامي، كما تمنح بقايا تنظيم القاعدة، وربما عموم تيار السلفية الجهادية فرصة العودة إلى الساحة من جديد

يضاف إلى ذلك أن الثورات العربية لم ترفع شعار تطبيق الشريعة الذي رفعه تنظيم القاعدة، بقدر ما ركزت على فساد الأنظمة وظلمها، مع المطالبة بالحرية والديمقراطية، وإن مالت الجماهير بعد ذلك في اختيارها السياسي نحو القوى الإسلامية تبعا للصحوة الدينية التي تعم المجتمعات الإسلامية، وانحيازا لقوًى واجهت قمع الأنظمة ودفعت الثمن الباهظ خلال العقود الأخيرة.

الجانب الثاني الذي فرض على الظواهري بعض الغياب المشفوع بفترة تأمل (لا ننسى الضربات التي تعرض لها التنظيم) هو ذلك المتعلق بالساحة المصرية التي خرج منها، والتي تابع من دون شك تحولاتها السياسية أثناء الثورة، ومن ثم بعد نجاحها، وكيف انخرط زملاء سابقون عملوا معه في ميدان الجهاد ضد النظام المصري بطبعتيه (الساداتية والمباركية)، في العمل السياسي "الديمقراطي"، وهم الذين كان بعضهم يكفّره من قبل.

هذا الأمر أسقط النظريتين المتناقضتين في الساحة السلفية: نظرية السلفية الجهادية في الخروج المسلح على الأنظمة، ونظرية السلفية التقليدية في الطاعة شبه المطلقة لولاة الأمر وعدم جواز الخروج عليهم، بل حتى انتقادهم في العلن، مع التذكير بتقدم النظرية الثالثة ضمن نفس التيار، وهي ترى الانخراط في العمل السياسي وفق الفرص المتاحة، وضمن نظرية المقاصد الشرعية كما هو حال الإخوان المسلمين.

ونتذكر في هذا السياق كلام زعيم القاعدة (بن لادن) في آخر رسالة له قبل اغتياله، وهي تدعم بشكل واضح الثورات السلمية على الأنظمة.

لم يكن بوسع الظواهري أن يخرج في هذه الأجواء ليقول لكل أولئك الإسلاميين أن انخراطهم في الثورة السلمية أصلا أو بعد نجاحها مسار خاطئ، ويبدو أنه آثر الصمت انتظارا لتحولات المشهد، من دون أن نستبعد خروجه لاحقا بتسجيل يدعوهم فيه إلى تحكيم الشريعة، كما فعل من قبل.

الآن، تفرض الثورة السورية نفسها على خطاب الظواهري، وبالطبع لأنها تشكل في هذه المرحلة أولوية قصوى لدى الشارع العربي والإسلامي، كما تمنح بقايا تنظيم القاعدة، وربما عموم تيار السلفية الجهادية فرصة العودة إلى الساحة من جديد.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه فرع التنظيم في العراق من إشكالات كبيرة بسبب تراجع الحاضنة الشعبية وشراسة الضربات الأمنية، ويمكنه تبعا لذلك أن ينقل بعض نشاطه للساحة السورية، الأمر الذي وعد به منذ شهرين أو أكثر، وهو ما قد ينطبق على بعض منتسبي التيار في الساحة اللبنانية، من دون استبعاد مجيء آخرين من ساحات أخرى في حال توافر ملاذات آمنة وخطوط إمداد للثورة.

ولا ننسى بالطبع أن في الساحة السورية بقايا شبان يؤمنون بهذا الخط وسبق أن ساهموا في العمل المسلح في العراق، وإن لم يبق منهم الكثير لاعتقال أكثرهم بعد عودتهم من هناك، في ظل انحياز نظام الأسد لحكم المالكي الأقرب إلى إيران.

خلاصة القول هي أن محاولات تيار السلفية الجهادية الدخول على خط الثورة السورية لم تعد من باب التكهنات، مع بقاء السؤال قائما حول حجمها وفرص نجاحها، والأهم هل هي عنصر إسناد للثورة، أم ستشكل عبئا عليها وتشويها لصورتها.

عسكرة الثورة السورية بالكامل لا تبدو مفيدة لها من الناحية العملية، أعني العسكرة التي تلغي الفعاليات السلمية ممثلة في المسيرات والاعتصامات وسائر أشكال الاحتجاج السلمي

ما ينبغي أن يقال ابتداءً هو أن عسكرة الثورة السورية بالكامل لا تبدو مفيدة لها من الناحية العملية، أعني العسكرة التي تلغي الفعاليات السلمية ممثلة في المسيرات والاعتصامات وسائر أشكال الاحتجاج السلمي التي ينبغي أن تتواصل، بل ينبغي أن تتطور ويُبتكر المزيد منها، من ذلك اللون القادر على استقطاب أعداد أكبر من الجماهير.

ذلك أن العمل المسلح يبقى محصورا في الأقلية، بخاصة من فئة الشباب في مواجهة نظام دموي وطائفي لا يفتقر للإسناد الخارجي (الإيراني على وجه الخصوص)، بينما تكتفي الغالبية بتلقي ردود النظام العنيفة من اقتحام للأحياء وقصف لها، إلى جانب توفير الحاضنة الشعبية للمسلحين.

المؤكد أن استمرار العمل السلمي وتطويره، وصولا إلى العصيان المدني هو المسار الأفضل.

ولما كان العمل السلمي يُواجَه بآلة قمع دموية تحول بينه وبين توسيع نطاق الفعل وصولا إلى المظاهرات المليونية والاعتصامات الضخمة في ميادين المدن الكبيرة المهمة مثل دمشق وحلب وسواهما، فإن توفير الحماية المسلحة للنشاطات السلمية من خلال عمل منضبط لا يبدو خاطئا، وهو ما أعلن الجيش السوري الحر أنه يقوم به من الناحية العملية.

والمؤكد من جانب آخر أن استمرار نشاط الجيش الحر، وتوفير الحاضنة الشعبية الضرورية لعناصره سيشجع قطاعا واسعا من العسكر السوريين على الانشقاق، وإن لم يؤد ذلك بالضرورة إلى انفراط عقد الجيش لوجود غالبية من الطائفة العلوية بين عناصره، ولتمتع كبار الضباط من السنة بامتيازات (معطوفة على مخاوف على الأهل من بطش النظام) ربما لا تدفعهم نحو الانشقاق بسهولة، اللهم إلا إذا أدركوا أن النظام على وشك السقوط.

إذا كان دخول العناصر القادمة من الخارج على خط الثورة السورية ينسجم عمليا مع هذا التوجه، أعني حماية المتظاهرين ومواجهة اقتحام المدن واستهداف جيش النظام للمدنيين، فقد يكون مقبولا إذا تطلبت الحاجة ولم يرفضها المعنيون بالأمر، تماما كما حصل مع مجموعات مسلحة تشكلت من الشبان السوريين الذين لا ينتمون عمليا لجماعات سياسية، وإن كانوا من الشباب المتدين الذي يُقبل على الجهاد إيمانا بعدالة قضيته وطلبا للشهادة في سبيل الله.

وهذا الأمر رأينا نموذجه الواقعي والعملي في الثورة الليبية التي كان عمادها الشباب، بخاصة من الطلبة والحرفيين الذي ترك الكثير منهم أعمالهم وانخرطوا في الثورة.

دعم الثورة السورية من قبل أي طرف، ينبغي أن يتم وفق الأسس التي يجمع عليها القائمون عليها حتى لا يتحول الأمر إلى فوضى تصب في مصلحة النظام وضد مسار الثورة وفرص نجاحها

أما إذا انخرط القادمون من الخارج في عمليات ذات طابع طائفي، أو عمليات انتحارية تستهدف مراكز الأمن والشرطة، ولا تأخذ في الاعتبار احتمال سقوط مدنيين قريبين من تلك المراكز، مع خطاب سياسي معروف يستعيد المشهد العراقي، فإن هذا اللون من النشاط سيكون له تأثير سلبي كبير على الثورة (داخليا وخارجيا).

وما رأيناه من الجدل حول تفجيري حلب يوم الجمعة 10/2 هو مجرد نموذج، وإن كان من الصعب الجزم بهوية منفذيهما، مع إقرار بأنهما يصبان في خدمة النظام من حيث تشويه الثورة، بدليل اتهام الغالبية له بالوقوف خلفهما.

ومن المؤكد أن النظام لن يترك مراكز الأمن المهمة وذات العلاقة بقمع الناس من دون حراسة مشددة، مما يعني أن استهدافها سيكون بالغ الصعوبة، وإن تم فقد يؤدي إلى إصابة الكثير من المدنيين، وهو ما سيترك ردودًا سلبية في أوساط الناس.

نكرر أن أي نشاط عسكري في الثورة السورية من قبل أي قادمين من الخارج ينبغي أن يتم من خلال أهل البلد الفاعلين في الثورة، ولا ينبغي التورط في مسارات يرفضها أهل الخبرة، بخاصة من قوى المعارضة ذات الشرعية، وفي مقدمتها المجلس الوطني والجيش السوري الحر.

والأهم أن لا يرفع القادم شعارات سياسية خارج إطار الإجماع الوطني، من ذلك اللون الذي يربك الثورة داخليا ويفقدها الدعم العربي والدولي.

ولعل أفضل المشاركة المباشرة هو توفير سائر أشكال الدعم للسوريين الذين يمتلكون القدرة على حسم المعركة إذا وجدوا العون الكافي من أمتهم.

من يُسأل عن عسكرة الثورة السورية أولا وأخيرا هو النظام، إذ لم يخطر ببال أحد من الذين فجروها وساروا فيها أنها ستتحول إلى ثورة مسلحة، لكن استمرار القمع الدموي واستهداف المدن والأحياء بالقصف والتدمير هو الذي أدى إلى ما أدى إليه، فضلا عن استمرار الانشقاقات في صفوف الجيش.

أيا كان الأمر، فقد غدا واضحا أن النظام السوري فقد كل شرعية ممكنة، وأنه ساقط لا محالة، بصرف النظر عن الوقت الذي سيستغرقه ذلك، وعن التضحيات التي سيضطر السوريون إلى دفعها حتى إعلان الانتصار.

أما دعم تلك الثورة من قبل أي طرف، فينبغي أن يتم وفق الأسس التي يجمع عليها القائمون عليها حتى لا يتحول الأمر إلى فوضى تصب في مصلحة النظام وضد مسار الثورة وفرص نجاحها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة