جبهة الإنقاذ المصرية والتحدي الانتخابي   
الأربعاء 28/6/1434 هـ - الموافق 8/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:15 (مكة المكرمة)، 12:15 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح

حياد الجيش
غموض أميركي
صحوة الفلول
محفزات انتخابية

بعد تمنع حذر، أبدت جبهة الإنقاذ الوطني، أبرز تكتلات المعارضة المصرية حاليا، استعدادا، لم يخل من تردد ومراوغة، لخوض الانتخابات البرلمانية المرتقبة، التي اعتبرتها استحقاقا وطنيا، بالتوازي مع مضيها قدما في ممارسة الضغوط بغية توفير الضمانات الكفيلة بنزاهة وشفافية هذه الانتخابات. 

حياد الجيش
بعد طول رهان على الاستعانة بالجيش في الإطاحة بالرئيس المنتخب وجماعته، سواء من خلال استفزاز قياداته أو عبر الوقيعة بينهم وبين الرئاسة أو حشد المطالبات الشعبية باستدعاء الجيش للتدخل وإدارة البلاد توطئة لتعظيم فرص المعارضة في الولوج لسدة السلطة، التي عجزت عن بلوغها بالصناديق، بدأ اليأس يتسلل إلى نفوس جبهة الإنقاذ الوطني، كما سائر المعولين على الاستقواء بالجيش في المنافسة السياسية، وذلك بعد أن لاحت في الأفق حزمة من الشواهد والمؤشرات التي تشي  بعدم نية الجيش التدخل المباشر في الشأن العام وفقا لأي من أنماط التدخل التقليدية المتعارف عليها، بعدما تراءى لقياداته غياب الدوافع والمبررات لتلك الأنماط كافة.

بدأ اليأس يتسلل إلى نفوس جبهة الإنقاذ الوطني كما سائر المعولين على الاستقواء بالجيش في الحياة السياسية، وذلك بعد أن أظهر الجيش نيته في عدم التدخل المباشر

فإلى جانب التداعيات السلبية لخبرتها المؤلمة في إدارة البلاد منذ تنحي مبارك في 11 فبراير/شباط 2011 وحتى انتخاب الرئيس مرسي نهاية يونيو/حزيران 2012، لم تستقر في ضمير قيادات القوات المسلحة قناعات بأن البلاد في سبيلها إلى الانهيار، أو أن أمنها القومي يواجه تهديدا مباشرا وقائما، هذا في الوقت الذي تلمس تلك القيادات حرصا شديدا من قبل السلطة المدنية المنتخبة على تلافي التحرش بالجيش أو منازعته مكتسباته وامتيازاته أو السعي للنيل من تماسكه ووحدته أو العمل على تقويض حرفيته وكفاءته، إذ لا يدخر الرئيس مرسي وسعا في التأكيد على احترامه وتقديره الكاملين للقوات المسلحة ورجالاتها، نافيا غير مرة أية نية لتغيير قياداتها أو التدخل في شؤونها وأعمالها.

ورغم حرص قياداتها على استرضاء الشعب وطمأنته، فضلا عن تلويحها بالجاهزية للتدخل السريع والمحدود والمؤقت إذا ما استدعى الأمر، ألمحت قيادات الجيش إلى الاكتفاء بممارسة دور الضاغط على الفاعلين السياسيين الأساسيين في هذه المرحلة كالرئيس مرسي وجبهة الإنقاذ لكبح جماح الاستقطاب السياسي والصراع على السلطة فيما بينهما، من دون انخراط في المستنقع السياسي، على نحو ما بدا جليا في تحذيرات الفريق السيسي للرئيس مرسي من مغبة فرض الأحكام العرفية، أو التفريط في ثروات البلاد وأصولها بالبيع أو الإيجار أو حق الانتفاع، وكذا مناشدته إياه التحاور والتشارك مع كافة القوى السياسية.

ومن شأن موقف الجيش أن يدفع بقوى المعارضة السياسية المراهنة على تدخله إلى مراجعة حساباتها فيما يخص التعاطي مع الرئيس مرسي والاستحقاق البرلماني المقبل، ذلك أن يأسها من إمكانية استدراج الجيش للتدخل سياسيا بغرض إسقاط الرئيس المنتخب، أو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، أو حتى حمله على تقديم تنازلات سياسية مرضية لمعارضيه من قبيل إشراكهم معه في إدارة البلاد، قد يضطرها لتبني آليات وسبل سياسية لبلوغ مقاصدها، إن عبر القبول بالحوار والتفاوض مع الرئيس وجماعته، أو بشحذ هممها تأهبا لخوض معارك سياسية وانتخابية ضارية.
 
غموض أميركي
ربما كان التعلق بتلابيب الدعم الأميركي المتوقع يشكل الركيزة الثانية الأبرز لعزوف جبهة الإنقاذ عن المشاركة في الانتخابات المقبلة بقصد النيل من شرعيتها والرئيس مرسي في آن. فلقد خيل لقيادات الجبهة أن تواتر بعض الآراء والتحليلات من واشنطن بشأن تراجع شعبية الإخوان أو تواضع أدائهم أو حتى شروع الإدارة الأميركية في مراجعة تقديرها لقدراتهم ونجاعتهم كفيل بأن يمد جسور الثقة والتنسيق بين واشنطن وجبهة الإنقاذ لإنهاء وجود الإخوان على رأس السلطة في مصر.

بيد أن المعطيات طفقت تتداعى تباعا لتظهر غير ذلك. فلقد جاءت زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري للقاهرة قبل ما يربو على شهرين مخيبة لآمال المعارضة، حينما طالبها بتحضير نفسها وتوحيد جهودها وخوض الانتخابات المزمعة لإحداث التغيير السياسي الذي ينشدونه من خلال الآليات الديمقراطية المتعارف عليها عالميا.

وبرغم تسابق بعض وسائل الإعلام الأميركية في إظهار مدى تراجع شعبية جماعة الإخوان المسلمين خلال الأشهر الماضية، لا يخالج الإدارة الأميركية أدنى شك في ضرورة احترام شرعية الرئيس المنتخب، الذي أكدت غير مرة رضاءها عن أدائه على صعد شتى، خصوصا في ظل عدم وجود بديل مدنى ليبرالي حقيقي يمكن الرهان عليه، في الأمد القصير على الأقل.

ويبدو أن جبهة الإنقاذ بدأت في إعادة تكييف مواقفها بما يتماشى وهذا الموقف الأميركي. فبعد أن ظلت تنتقد محاولات واشنطن لإقناعها بخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، معتبرة ذلك تدخلا أميركيا في الشأن المصري ودعما للإخوان وتعضيدا لشرعية الرئيس مرسي توخيا لحماية المصالح الأميركية في المنطقة، كما ترفض ما اعتبرته ضغوطا أميركية على المعارضة المصرية، تراجعت جبهة الإنقاذ واستجابت للنصائح الأميركية وأعلنت نيتها خوض الانتخابات المزمعة.

صحوة الفلول
من بين مثالب شتى لمقاطعة جبهة الإنقاذ، المحسوبة على الثورة، للانتخابات البرلمانية المنتظرة، برأسها أطلت إمكانية فتحها الباب أمام زحف فلول النظام السابق لملء الفراغ الناجم عن انسحاب قوى المعارضة المدنية من المشهد السياسي خلال الانتخابات وما سوف تتمخض عنه من استحقاقات، في ظل وجود ثغرات قانونية بقانون العزل السياسي.

مقاطعة جبهة الإنقاذ للانتخابات المزمعة بدت كما لو كانت قد مهدت السبيل لعزل المعارضة الثورية وعودة الفلول وأنصار الثورة المضادة

فلم يكن وجود المادة ٢٣٢، التي تنص على منع كل من كان عضواً بالأمانة العامة للحزب الوطني المنحل قبل الثورة، أو بلجنة سياساته، أو بمكتبه السياسي، أو عضواً بمجلسي الشعب والشورى في الفصلين التشريعيين السابقين على قيام الثورة، من العمل السياسي والترشح للانتخابات الرئاسية والتشريعية لمدة عشر سنوات من تاريخ العمل بالدستور، كافيا للحيلولة دون عودة الفلول للساحة السياسية، حيث ستطبق هذه المادة على من جمع بين عضوية مجلسي 2005 و20010 معا وليس أحدهما فقط.

ولما كانت انتخابات برلمان 2005 قد شهدت إشرافا قضائيا كاملا في مرحلتها الأولى مما أدى إلى حرمان كثير من مرشحي الحزب الوطني من فرص النجاح عبر التزوير، فقد أتاحت انتخابات برلمان 2010 الفرصة لغالبية مرشحي الحزب لدخول البرلمان بفعل التزوير ومقاطعة المعارضة.

ومن ثم سيتسنى لفلول كثر، بمن فيهم النساء، الإفلات من العزل السياسي، إذ لن يطال سوى اثنتين فقط من نائبات الوطني المنحل هما آمال عثمان وزينب رضوان، لاسيما وأن كوتة المرأة لم تطبق إلا في برلمان 2010 فقط.

وانطلاقا من ذلك، سيتم تقليص عدد الفلول الذين سيطالهم العزل السياسي من 1200 نائب برلماني إلى 192 فقط بواقع 107 لمجلس الشعب و85 للشورى، وهو ما لن يتعدى نسبة 16% فقط من إجمالي تعداد نواب البرلمان المحسوبين على الحزب الوطني المنحل.

وبالتوازي، عمد الفلول إلى تقنين وشرعنة عودتهم للمشهد السياسي، حيث قرر "تحالف نواب الشعب" الذي يضم عدداً من النواب البرلمانيين عن الحزب المنحل، تشكيل لجنة لمناقشة طرق المواجهة القانونية والسياسية للمادة ٢٣٢ من الدستور الجديد، مع الاستعانة بعدد من خبراء القانون وكبار المحامين لتقديم مذكرة إلى المحكمة الدستورية للحصول على تفسير لهذه المادة، وتوضيح موقف من قدموا استقالاتهم من الحزب الوطني قبل ٢٥ يناير/كانون الثاني ٢٠١١، خاصة وأن قانون الأحزاب السياسية لم ينظم طرق الاستقالة من الأحزاب.

ولم تتورع اللجنة ذاتها عن التحضير لتدويل قضية العزل السياسي عبر تقديم مذكرة إلى الاتحاد البرلماني الدولي بجنيف حول تعارض تلك المادة مع اتفاقية الاتحاد التي وقعت عليها مصر، وكذا بيان القاهرة الصادر عقب انعقاد مؤتمر الاتحاد في مصر عام ١٩٩٩، والذى يتضمن حظر أي ممارسات تمثل اضطهاداً للنواب الحاليين أو السابقين بسبب آرائهم أو أفكارهم أو انتماءاتهم الحزبية، ويتضمن البيان أيضاً حق الاتحاد في توقيع جزاءات على الدول المخالفة، من بينها تجميد عضوية برلمانها في الاتحاد الدولي.

وهكذا، بدت مقاطعة جبهة الإنقاذ للانتخابات المزمعة كما لو كانت قد مهدت السبيل لعزل المعارضة الثورية وعودة الفلول وأنصار الثورة المضادة، الأمر الذى يتيح الفرصة أمام الإسلاميين والفلول لتقاسم مقاعد البرلمان القادم، واستبقاء المعارضة الثورية بشتى أطيافها الليبرالية واليسارية والقومية وشباب الثورة خارج إطار التأثير السياسي في مصر الجديدة.

محفزات انتخابية
متنوعة هي التطورات التي اعترت البيئة الانتخابية المصرية محفزة جبهة الإنقاذ على مراجعة موقفها من الانتخابات البرلمانية المرتقبة، وكان من أبرزها:

غياب الإجماع بين أحزاب وفصائل الجبهة بشأن قرار مقاطعة الانتخابات. فمن جهة، تصر أحزاب مثل الدستور والجبهة الديمقراطية والمصريين الأحرار والتيار الشعبي على ضرورة المقاطعة، رغبة منهم في إبراز فاعلية إستراتيجية الضغط الشعبي والسياسي لتغيير قواعد اللعبة السياسية من خارج أروقتها الرسمية كالبرلمان والحكومة، وطرح بدائل تنموية ناجزة تعتمد على حركة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والإعلام للتأثير في والرقابة على مخرجات البرلمان والحكومة دون المشاركة في عملهما.

وقد ارتأت قيادات تلك الأحزاب أيضا أن الانتخابات المرتقبة تفتقد لضمانات النزاهة المطلوبة، وعلى رأسها: تغيير قانون الانتخابات وتشكيل لجنة لتعديل الدستور وإجراء حوار وطني حول المواد المختلف عليها، وإقالة المستشار طلعت عبد الله النائب العام الحالي وإقرار قانون جديد للسلطة القضائية يكفل استقلال القضاء ونزاهته بشكل تام، وحل حكومة قنديل بالكامل وتشكيل حكومة إنقاذ وطني جديدة تتمتع بالحياد بحيث يتم اختيار وزرائها على أسس الكفاءة وليس الولاء أو الثقة.

ومن جهة أخرى، ترى أحزاب، كالوفد والمصري الديمقراطي الاجتماعي والمؤتمر، أن مقاطعة الانتخابات ستنال من حضور المعارضة في الشارع وتقلص حظوظها في السلطة وتفسح الطريق أمام الهيمنة الأبدية للتيار الإسلامي. ففي الوقت الذي يبرر دعاة مقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة موقفهم هذا بغياب الضمانات الكفيلة بنزاهتها علاوة على رغبتهم في إبراز فاعلية إستراتيجية الضغط الشعبي والسياسي، تشى تجارب التاريخ وخبراته بأن المقاطعة غالبا ما تكون هي الاختيار الأصعب والأكثر كلفة للأحزاب المقاطعة.

تشى تجارب التاريخ وخبراته بأن مقاطعة الانتخابات غالبا ما تكون هي الاختيار الأصعب والأكثر كلفة للأحزاب المقاطعة

فإلى جانب إذكائها لنيران الخلافات والصراعات بين قيادات وأجنحة تلك الأحزاب، تفاقم المقاطعة من عزلتها عن الشارع، كونها تغذى حالة الجفاء بين قيادات هذه الأحزاب وقواعدها الجماهيرية وهياكلها التنظيمية، لأنها تزيد من ابتعادها عن الشارع وهموم المواطن، الأمر الذى يقوض إستراتيجية التغيير من خارج العملية السياسية الرسمية والتي تتطلب بدورها رصيدا من التفاهم والتفاعل البناء بين الأحزاب والجماهير.

ويرى أنصار المشاركة أن ظهور بعض المؤشرات على تراجع شعبية جماعة الإخوان والرئيس مرسي في الشارع، وفقا لما أظهرته بعض استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخرا، من شأنه أن يوفر حافزا مهما للمعارضة حتى تشارك في الانتخابات المقبلة والاستفادة من نزيف الأصوات الذي من المحتمل أن يصيب الإخوان خلالها.

على صعيد مواز، شجعت التعديلات التي أدخلت على قانون الانتخابات قوى المعارضة من أجل مراجعة موقفها، ففي مارس/آذار الماضي قضت محكمة القضاء الإداري بوقف تنفيذ قرار الدكتور مرسى رقم 134 لسنة 2013 ووقف إجراء انتخابات مجلس النواب بجميع مراحلها وإحالة القانون رقم 2 لسنة 2013 الخاص بتلك الانتخابات إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستوريته، وهو ما حمل مجلس الشورى على تعديل مشروعي قانون الحقوق السياسية وقانون مجلس النواب، باستلهام أحكام الدستور الجديد، وبما يتفق ومطالب المعارضة وما توافقت عليه الأحزاب والقوى السياسية والوطنية في حوارها، وما اقترحته اللجنة العليا للانتخابات، ضمانا لحسن سير العملية الانتخابية ونزاهتها وشفافيتها، ثم إحالة القانونين بعد ذلك إلى المحكمة الدستورية مجددا بعد الموافقة عليهما، لتقرير مدى مطابقتهما للدستور.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة