قراءة عربية في خطاب الاتحاد   
الجمعة 19/4/1434 هـ - الموافق 1/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:20 (مكة المكرمة)، 11:20 (غرينتش)
طلعت مسلم



خطاب الاتحاد في السياسة الأميركية
بلاد ذكرها خطاب الاتحاد
مهام في مواجهة الأمن
أساليب نص عليها الخطاب
ماذا ينتظر الوطن العربي؟

قدم الرئيس الأميركي باراك أوباما خطاب الاتحاد إلى الكونغرس يوم 13 فبراير/شباط على غير العادة، حيث اعتاد الرؤساء الأميركيون إلقاء خطاب الاتحاد سنويا في اليوم العشرين من شهر يناير/كانون الثاني من السنة، وهو خطاب يوضح وجهة نظر الرئيس الأميركي وإدارته، ويمكن من خلال متابعة الخطاب تلمس اتجاهات سياسة الولايات المتحدة عن السنة التالية على الأقل، مع اتجاهات أكثر عمومية في السنوات التالية.

يعتبر خطاب الاتحاد في السنة الأولى من ولاية الرئيس الأولى والثانية ذا اهتمام خاص، حيث يغلب عليه الطابع المنتظر استمراره خلال الفترة التالية، ورغم أن الرئيس قد يكون قد أمضى أربع سنوات قبلها فإن الرئيس قد يغير من أولوياته أو أساليبه في الفترة الثانية، خاصة مع حدوث تغييرات في شخصيات الإدارة، وجاء خطاب الرئيس باراك أوباما هذه المرة مع تغيير شخص كل من وزير الخارجية ووزير الدفاع، وهما وزارتان سياديتان لهما أهمية خاصة في توجيه سياسة الدولة، مما ينعكس على خطاب الاتحاد هذا العام.

خطاب الاتحاد في السياسة الأميركية
والولايات المتحدة الأميركية لها أهمية خاصة بالنسبة للعالم، حيث تشكل أكبر قوة اقتصادية وعسكرية، وهي مؤثرة على جميع الدول بشكل أو بآخر، لكن هذا لا يعني أنها قادرة على تشكيل العالم وفق ما تراه أو تراه قيادتها، وهي بالنسبة للوطن العربي موجودة من خلال قواتها العسكرية وقوتها الاقتصادية، حيث يعتمد الكثير من الدول العربية على استيراد احتياجاتهم من إنتاجها الاقتصادي، وتربطها ببعض البلاد العربية اتفاقات شراكة وتعاون سواء مباشرة أو من خلال الأحلاف وخاصة حلف شمال الأطلسي، في حين أنها على خلاف حاد مع بعض الدول والجهات العربية، وتربطها علاقات تعاون مع بعض دول الجوار الجغرافي للدول العربية وخلافات حادة مع الأخرى، ولاشك أن كل ذلك لا بد وأن يؤثر على أمن ومصالح الدول العربية.

السياسة الخارجية لم تشغل حيزا كبيرا في خطاب الاتحاد هذا العام، مما يعني أن أولويات الإدارة ستكون في القضايا الداخلية، وأن السياسة الخارجية ستكون في خدمة القضايا الداخلية

وتؤثر العلاقات الأميركية الإسرائيلية بدرجة كبيرة على أمن الوطن العربي، مما يجعل الولايات المتحدة في تناقض مع غالبية الشعوب العربية، ويحرج كثيرا من الحكومات والقيادات العربية. وأي تغير في هذه العلاقات لا بد وأن يكون له انعكاسه على الوطن العربي.

أبرز خطاب الاتحاد هذا العام أن هناك تحديات تواجه سياسة الولايات المتحدة الأميركية في العام القادم بصفة خاصة، والسنوات الأربع التالية بشكل عام، وبعض هذه التحديات تقع أساسا في الوطن العربي الذي تسميه السياسة الأميركية الشرق الأوسط، أو الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. بينما هناك تحديات عامة تقع في المنطقة وخارجها.

يلاحظ أن السياسة الخارجية لم تشغل حيزا كبيرا في خطاب الاتحاد هذا العام مما أوضح أن أولويات الإدارة ستكون في القضايا الداخلية، وأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة ستكون في خدمة القضايا الداخلية، وقد انعكس ذلك على الفقرات الخاصة بالسياسة الخارجية، حيث ورد ما يشير إلى إنشاء مناطق للتجارة والتعاون مما يخدم الاتجاه الأميركي العام.

بلاد ذكرها خطاب الاتحاد
من متابعة خطاب الاتحاد نلاحظ أن الجزء الخاص بالعلاقات الخارجية والأمن القومي يشتمل على ذكر لبعض الدول دون غيرها، فنرى الدول والمناطق التالية تذكر صراحة بينما أغفل ذكر باقي الدول، والدول التالية ذكر اسمها صراحة: أفغانستان، واليمن، ، وكوريا الشمالية، وإيران، ومصر، وسوريا، وإسرائيل، وذكرت المنطقة من الجزيرة العربية إلى أفريقيا.

وتلاحظ هنا انتقائية شديدة، أي أن الخطاب ذكر الدول التي تجري فيها اضطرابات، ونرى أن مناطق الجمع اشتملت على الجزيرة العربية وأفريقيا، مع إغفال مناطق مثل شبه الجزيرة الكورية، وأوروبا، وأميركا اللاتينية، بينما ذكرت الأميركتان وأفريقيا وأوروبا وآسيا عند الحديث عن الدفاع عن الحرية فقط.

مهام في مواجهة الأمن
حاول الخطاب أن يجمع المهام التي تواجه الأمن القومي الأميركي من وجهة نظره، وحاول تحديد أساليب إدارتها، وهي:

الانسحاب من أفغانستان بنهاية 2014، ويشير الخطاب إلى التحول إلى مهمة تدريب وتسليح قوات أفغانستان، ومقاومة الإرهاب، ويشير الخطاب صراحة إلى مقاومة الإرهاب أحيانا، وضمنا أحيانا أخرى. ويبدو هذا في الحديث عن مواجهة تهديدات بقايا القاعدة والجماعات المتطرفة، هناك أيضا مهمة مساعدة الحلفاء في محاربة الإرهابيين، مثل ما هو في مالي.

هناك أيضا مهمة مساعدة بلاد مثل اليمن وليبيا والصومال لتحقيق أمنها، ونلاحظ هنا أن مساعدة البلاد لتحقيق أمنها اشتملت على بلاد كلها عربية، ومنها دولة شارك حلف شمال الأطلسي في القضاء على النظام السابق فيها وهي ليبيا، بينما شارك الحلف من وراء ستار في محاولة تسوية القضية في اليمن، والاستمرار في قيادة الجهود الدولية لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، والدفاع عن الحرية ودعم الانتقال إلى الديمقراطية، ومساندة إسرائيل.

هناك أيضا مهام حماية الحواسيب، ومهام إضافية مثل محاربة الفقر المدقع ومساندة الاقتصاد القومي، والتأكد من المعاملة المتساوية لكل العاملين بالخدمة والمزايا المتساوية لعائلاتهم، والعمل على "تنمية شجاعة ومهارات أخواتنا وبناتنا حيث أثبتوا أنهم تحت النار أنهم مستعدون للقتال". والمحافظة على الوفاء للمحاربين القدماء بالاستثمار في العناية على المستوى العالمي بما فيها العلاج العقلي، وللجرحى ودعم أسر العسكريين وتوفير المزايا والتعليم وفرص العمل للمحاربين القدماء.

أكد الخطاب أنه لا حاجة لإرسال عشرات الآلاف من الأميركيين إلى الخارج أو احتلال بلاد أخرى، بل مساعدة البلاد لتتولى تأمين نفسها على نحو ما يحدث في أفغانستان

أساليب نص عليها الخطاب
من أهم ما جاء في الخطاب هو مواجهة جماعات الإرهاب، حيث نص على أنه لا حاجة لإرسال عشرات الآلاف من الأميركيين إلى الخارج أو احتلال بلاد أخرى، بل مساعدة البلاد لتتولى تأمين نفسها على نحو ما يحدث في أفغانستان، ومساعدة الحلفاء الذين يتولون محاربة الإرهابيين على نحو ما يحدث في مالي، ومن إجراء مباشر عند الضرورة ضد هؤلاء الإرهابيين الذين يشكلون أخطر تهديد لأميركا من خلال بعض القدرات، وهو ما يعتقد  أنه يقصد به أسلوب التخلص من أسامة بن لادن، والاغتيالات في إيران.

عند معالجة انتشار أسلحة التدمير الشامل، أشار الخطاب إلى عدة أساليب:
أن يعلم النظام في كوريا الشمالية أن أمنهم ورخاءهم يتحقق فقط من خلال التزامهم بواجباتهم الدولية، وأن الاستفزازات إنما تؤدي إلى مزيد من العزلة، وأن الولايات المتحدة ستعمل مع حلفائها على تقوية دفاعها الصاروخي، وتقود العالم لاتخاذ موقف حازم في مواجهة التهديدات. ومن جهة أخرى، جاء أسلوب التفاوض مع روسيا لخفض الترسانات النووية، وقيادة الجهود لتأمين المواد النووية من الوقوع في الأيادي الخطأ.

ويقول الخطاب إنه يجب على قادة إيران أن يعلموا أنه قد حان الوقت للوصول إلى حل دبلوماسي، وأن هناك تجمعا يقف متحدا يطالبهم بأن يحققوا التزاماتهم الدولية، وأن الولايات المتحدة ستفعل كل ما يلزم لمنعهم من الحصول على سلاح نووي.

وفي مواجهة التهديد المتزايد من الهجمات على الحواسيب، بغرض تخريب القوة المادية والمؤسسات المالية ونظم السيطرة على حركة الطيران، وقع الرئيس أوباما أمرا تنفيذيا يقوي الدفاعات للحواسيب بمزيد من تقاسم المعلومات وتطوير المعدات لحماية الأمن القومي وخصوصياته. وطالب الكونغرس بأن يعجل أيضا بإجازة التشريع ليعطي للحكومة قدرة أكبر على تأمين الشبكات ويردع الهجمات.

يتحقق دعم الانتقال إلى الديمقراطية بالوقوف إلى جانب الذين يطالبون بحقوقهم العالمية، ودعم الانتقال المستقر للديمقراطية، فستكون العملية غير منظمة ولا يمكن فرض مسار التغيير في بلاد مثل مصر، ولكن يمكن الإصرار على احترام الحقوق الأساسية لكل الشعوب. ويشكل الاستمرار في الضغط على النظام في سوريا، ودعم قادة المعارضة التي تحترم حقوق كل سوري، عنصرا لتحقيق هذه المهمة.

ويتضمن الخطاب مساندة إسرائيل بالوقوف إلى جانبها في سعيها إلى الأمن والسلام الدائم. ولكنه لا يوضح مزيدا من التفاصيل في هذا المجال، وهو أمر مفهوم لما في السياسة الأميركية من حساسية حيال إسرائيل.

كما يدعو للانضمام إلى جهود الحلفاء لمحاربة الفقر المدقع في العقدين القادمين بالاتصال بالمزيد من الشعوب بالاقتصاد العالمي وتمكين النساء، وتوفير فرص جديدة لأفضل العقول الشابة لخدمة  الجماهير والجماعات للغذاء والقوة وتعليم أنفسهم، وبإنقاذ أطفال العالم من الوفيات التي يمكن منعها، وبتحقيق الوعد بجيل خال من الإيدز.

ويؤكد الخطاب مساندة السياسة الخارجية للاقتصاد القومي باستكمال المفاوضات حول شراكة عبر الباسفيك، وبدء محادثات شراكة شاملة حول التجارة والاستثمار مع الاتحاد الأوروبي، حيث التجارة الحرة والعادلة عبر الأطلسي تدعم وظائف لأميركيين تحقق أجورا جيدة.

ماذا ينتظر الوطن العربي؟
يمكن القول بأنه استنتاجا من الخطاب فلا ينتظر الوطن العربي من الولايات المتحدة الأميركية أن ترسل قوات إليه أو تحتل جزءا منه، كما سبق أن فعلت في العراق وقبل ذلك في أفغانستان، سواء في مقاومة الإرهاب أو لمنع انتشار أسلحة التدمير الشامل، ولكنها ستدعم أعمال حلفائها الذين يمكن أن يقوموا بذلك، مع احتمال استخدام بعض القوات الخاصة والاغتيالات عند الضرورة، وقد يجري خفض للوجود العسكري للولايات المتحدة في المنطقة مثل الأسطول الخامس، وتحول بعض العناصر إلى التدريب والتسليح في ليبيا ومالي.

ويحتمل أن تكون هناك إجراءات جديدة لتأمين المواد النووية ومنع وصولها إلى ما يسميه الخطاب "الأيادي الخطأ"، وتعتبر إيران الهدف الأول في هذا المجال.

ستعمل الولايات المتحدة على دعم الجماعات المطالبة بالانتقال إلى الديمقراطية بالتركيز على احترام حقوق الإنسان، ولكن سيختلف حجم وأسلوب الدعم من دولة عربية إلى أخرى

الباب مفتوح لكل الاحتمالات لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية، إلا أنه يمكن القول بأن روح الخطاب تشير إلى تجنب الانخراط في عمليات عسكرية كبيرة، وهذا لا يمنع من استخدام وسائل وأساليب مختلفة بما فيها الضربات الجوية والصاروخية، واستخدام القوات الخاصة والاغتيالات، ودعم الحلفاء بمن فيهم إسرائيل، والتدخل في الحواسيب. مع الاعتماد على العقوبات بدرجة أكبر لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، ومن خلال الجهود الدبلوماسية في مفاوضات 5+1.

وتشير الظروف التي أحاطت بالخطاب إلى أن الولايات المتحدة ستعتبر إطلاق الصواريخ وتجربتها عنصرا من عناصر انتشار أسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك صواريخ إطلاق أقمار صناعية لأهداف سلمية، مثل أقمار الاتصالات وأقمار الأرصاد الجوية وغيرها، وكما هو مفهوم فإن هذا لا ينطبق على إسرائيل.

من المحتمل زيادة وجود عناصر للدفاع الصاروخي الأميركي في المنطقة، وفقا للمطالب الفنية التي قد يراها الفنيون الأميركيون والغربيون، وينتظر أن يكون هناك تعاون أميركي إسرائيلي وتركي، وربما قطري وإماراتي في هذا المجال.

ستعمل الولايات المتحدة على دعم الجماعات المطالبة بالانتقال إلى الديمقراطية بالتركيز على احترام حقوق الإنسان، ولكن سيختلف حجم وأسلوب الدعم من دولة عربية إلى أخرى، فلا ينتظر أن تقوم بمساندة فعالة لحقوق الإنسان الفلسطيني في مواجهة إسرائيل، حيث الالتزام بالوقوف إلى جنب إسرائيل غالب على الالتزام بحقوق الإنسان، في حين يبدو الالتزام بدعم الانتقال إلى الديمقراطية في سوريا أكبر منه في اليمن وفي مصر والجزيرة العربية. ويظل دعم الانتقال إلى الديمقراطية أسلوبا للضغط على باقي الدول وفقا لما تراه الولايات المتحدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة