غارنر الأسمر.. ديمقراطية أميركا والآخر   
الخميس 1436/2/26 هـ - الموافق 18/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:32 (مكة المكرمة)، 13:32 (غرينتش)
مهنا الحبيل


جاء مقتل المواطن الأميركي من أصول أفريقية أريك غارنر من خلال ممارسة عنصرية لشرطي أبيض برئ في توقيت مهم من تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، أي على مقربة من اختتام تجربة تولي أول رئيس أميركي من أصول أفريقية رئاسة اتحادها الفدرالي في ظل مؤشرات فشل له في العديد من الملفات القومية.

لكن أهم فشل كان في ملف دور الرئيس أوباما في تعزيز قيم الحقوق والمساواة في النظام الفدرالي الأميركي أو في مجمل القوانين المحلية للولايات المتحدة لكل مواطنيها بأعراقهم المتحدة، وهو ما يشتعل اليوم في حركة احتجاج مدنية جديدة تعم الولايات المتحدة.

أهم فشل للرئيس أوباما كان في ملف  تعزيز قيم الحقوق والمساواة في النظام الفدرالي الأميركي وفي مجمل القوانين المحلية للولايات المتحدة، تأثيرات ذلك تتضح اليوم في اشتعال حركة احتجاج مدنية جديدة تعم الولايات المتحدة

والسؤال المركزي في هذا المقال متعلق بإعادة قراءة التجربة الأميركية بمفهوم الديمقراطية الإنسانية الشاملة، والسؤال الذي يتبع هذا الطرح هو ما هي الديمقراطية الإنسانية الشاملة أصلا، وما معيار تقييمها، وهل وُلدت في الأصل واكتمل نموذجها أم لا تزال تحت الضغط ونزعات الصراع في العالم الجديد، وكيف يُقيم الخطاب الإنساني كـ"مضبطات" تَعاليم أو تبشير للإنسانية، إن الجواب على هذا السؤال يبدو واضحا بالنفي تأكيدا لعدم ميلاد تصور ديمقراطي شامل في تجسيد صورة نموذجية تجمع بين العدالة في بعدها القومي والعدالة كمنظومة إنسانية.

فلم تتشكل هذه المنظومة الشاملة إلى اليوم وإن وُلدت لها تجارب في بعدها القومي كالدول الإسكندنافية، لكنها شهدت مؤخرا تراجعا أمام الأقليات المسلمة على سبيل المثال، فضلا عن البعد الثاني، وهو الرابط بين الإطار القومي والإنساني الشامل، لكن هذا الجدل والحوار الطويل تتولى المصارحة فيه نماذج تفكير وتنظير قليلة في تعاطيها الشامل للديمقراطية المزدوجة، ربما أبرزهم منظر العهد اليساري الجديد نعومي تشومسكي الذي لا تزال أمامه مساحة طويلة للإعلان العام عن جمهورية الديمقراطية الفاضلة.

وما يحتاجه الفكر الإنساني اليوم أمام بروز تحرر فكري جديد يواجه التجربة الديمقراطية الأميركية، هو مصارحة العالم وأدوات الوعي الجديد عن أن هذا النموذج هو في حقيقته مناهض للديمقراطية الإنسانية، وهو اليوم يواجه انتكاسات في ديمقراطيته القومية وإن ساهم في بعض تشريعاتها الإيجابية، لكن هذا الطرح يُشكل عليه في العالم الثالث أو عالم الجنوب مساران رئيسيان في توجيه الفكر النقدي للتجربة الأميركية فلسفيا وتشريعيا.

المسار الأول هو أن هذا الصوت الناقد الناقض يُطبخ في أحيان كثيرة في دول الاستبداد للعالم الجنوبي، فيُرفع ضجيجه من منابر أنظمة استبداد متوحش مناهضة أو حليفة لواشنطن ولكن إعلامها يمارس دورات ملاعنة على التجربة الأميركية، ليس حرصا على الإنسان والحريات التي تُذبح في أرض المستبد، لكن خشية من انتقال ثقافة الردع القانوني وقيم المطالبة الحقوقية إلى أوطانهم وتأثر شعوبهم بها.

وهو ما يحتاج أن نُشير إليه في هذا المسار، فرحلة التجربة الأميركية لها جوانب إيجابية ونجاح في تأمين المستوى القانوني والحقوقي وإعلاء صوت المواطنة إجمالا، وتأمين مرادفات عقابية وتشريعات قانونية جيدة، منذ ميثاق الآباء المؤسسين وحتى حركات التحرر الإنساني للأقليات خاصة حركة مارتن لوثر كينغ.

وهو ما أنتج بالجملة حياة قانونية ومنظومة حريات ساهمت في راحة الفرد من جهة وهيأت فرصا عديدة واستقرارا اجتماعيا وملجأ إغاثيا للكثير من المهاجرين والمقيمين وأخفت من جهة أخرى جوانب سوداء لنموذج الديمقراطية الأميركي قوميا وليس عالميا وحسب، وهو يتجسد بصورة كبيرة في جملة سياسات مباشرة وعمليات عنف وإرهاب وحروب قامت بها الولايات المتحدة على مدى عقود ضد الإنسان الآخر وبروح إقصائية شرسة وعنيفة لا تعترف بضحاياه وتعلن مصالح أمنها القومي الموغل في الاستبداد كمبرر لهذا العنف والتحالف مع الاستبداد المحلي في الجنوب.

التجربة الأميركية لها جوانب إيجابية ونجاح في تأمين المستوى القانوني والحقوقي وإعلاء صوت المواطنة إجمالا، وتأمين تشريعات قانونية جيدة، منذ ميثاق الآباء المؤسسين وحتى حركات التحرر الإنساني للأقليات
أما المسار الثاني فهو قصة صراع نموذج التبشير بالديمقراطية الأميركية أمام تجربة عالمية أخرى وهي ما سمي بالديمقراطية التقدمية التي قدمها اليسار الماركسي وعبْرها خاض حروبا شرسة عنيفة ضد الإنسانية وصنع جماعات تصارع الرأسمالية الأميركية المتطرفة وتبطش بشعوبها وتنتهك حياة الفرد وقيمه الأساسية السياسية قوميا وعالميا، واتخذها الاتحاد السوفياتي قبل انهياره ستارا أمم فيه الفرد وصادر تفكيره وطريقة ثقافته فأضحى نموذج قمع جُسد إعلاميا في هذه الديمقراطية التقدمية، فاستخدمها التبشير الأميركي المُضلل حُجة على صحة تجربته وحريات نموذجه الديمقراطي أمامها، وهذا مدار واسع يحتاج إلى تفصيل مستقل.

لكن القضية اليوم تنفجر من جديد في مسيرة نموذج الديمقراطية الأميركي قوميا، فجريمة مقتل غارنر ليست حدثا منفردا ولكنها ضمن نماذج تعديات متسلسلة على الآخر داخل الولايات المتحدة الأميركية، الذي تمت صياغة مفهوم التعامل معه سواء من الأميركيين الأفارقة أو المكسيكيين أو مجمل أميركا اللاتينية أو العرب أو الآسيويين أو المسلمين وغيرهم من أقليات، كجانب تمييزي يمارس أمنيا دون تشريع قانوني ويفرض ذاته في الحياة الاجتماعية الأميركية والعديد من مساراتها التعليمية والوظيفية، ونحن نعتمد هنا الإحصائيات ذات الشأن من داخل الولايات المتحدة ومؤسساتها المهنية وليس البربوغندا الإعلامية التي تنشرها حكومات العالم الثالث.

إن أكبر خطأ في عملية التشريح الفكري والبحث الإنساني عن جوانب تقييم التجربة الأميركية وسقوط نموذجها الديمقراطي هو اعتبار أن عودة هذا الفشل والتمييز الحقوقي مرتبط بشخصية الرئيس أوباما، الذي فشل بالفعل على الصعيد الشخصي رئيسا قدم خطابا أمميا وقوميا يبشر بعهد جديد وفشل في تنفيذه، لكن الحقيقة أن ربط هذا السقوط أو التصدع لحريات الفرد خاصة الإنسان الآخر داخل الولايات المتحدة بتجربة أوباما الرئيس، يُخفي قضية مهمة، وهو أن هذا الفشل ليس مرتبطا بشخص بل بمنظومة التفكير والتنظير والتشريع للتجربة الأميركية في ديمقراطيتها القومية.

إن كل دلالات الحياة السياسية الأميركية تشير إلى أن البناء السياسي وقوة مفاتيحه الانتخابية وتصعيد الإدارات الفدرالية تقوم على تحالف بين رأس مال شرس يعتمد بصورة رئيسية الأميركيين الإنجيليين من أصل أوروبي والأقلية اليهودية في طبقتها الإعلامية والسياسية والاقتصادية.

وعليه فمن هو خارج مصالح هاتين الجماعتين أو شريحتهما الشعبية المباشرة لا يتمتع بكامل الحقوق الدستورية فعليا ولو كان ذلك مكتوبا ومقننا في الأنظمة، كما أن قانون الانتخابات وصعود الطبقة السياسية فيه مرتبط بصورة كبيرة بدعم رؤوس الأموال للساسة والمرشحين من تجار سلاح وشركات نفط وتصنيع عقاقير غير مؤتمنة علميا، وهو أمر مجرم في الديمقراطيات الأكثر إنصافا.
إن كل دلالات الحياة السياسية الأميركية تشير إلى أن البناء السياسي وقوة مفاتيحه الانتخابية وتصعيد الإدارات الفدرالية تقوم على تحالف بين رأس مال شرس يعتمد بصورة رئيسية الأميركيين الإنجيليين من أصل أوروبي والأقلية اليهودية المؤثرة

هذه الحياة السياسية والتمييز المتداخل بقوة في النظام الاجتماعي الأميركي هي السبب الرئيسي للنكوص في ميدان الحريات والمساواة الوطنية وعزل شريحة الآخر، والحقيقة أن ذات النظام الأميركي وتركة النظرة للأفريقي الأميركي هي المسؤولة عن ذلك، حين لم يوفر لهم كامل أسباب الرقي الحضاري وفرص المعيشة والصحة السليمة والتعليم.

إن تأسيس الديمقراطية الأميركية على تسليع الفرد في تسوقه التجاري أو تسويقه للمكاسب التجارية هيمن على هذا النظام الاجتماعي وأضحت الثقافة والفنون بما فيها السينما الأميركية مقننة لمصالح هذا النظام، الذي لم يكتف بشيطنة كل من يقف أمام حروب أميركا الرأسمالية واعتبار أن الجندي الأميركي الغازي هو سوبرمان الديمقراطية الحقوقي لمجرد أميركيته، بل انتقل إلى توسيع صناعة الأفلام في هذا المضمار الذي حيد القيم والحقوق الفردية الأخلاقية ونقدها نقدا متتاليا وأضعفها في الأسرة والمجتمع، وإن وجدت بعض المنتجات الفنية والإعلامية الجيدة، لكنها لا تقف أمام هذا الكم الهائل السلبي لهوليود.

إن نظرية الأرقام وتمييز الإنسان طرحت في الإعلام والخطاب الاجتماعي الأميركي لتبرير الحروب المصلحية، فلا يهتم المواطن بعدد ضخم من الضحايا بمئات الآلاف من المدنيين، أمام ما تُصور له الإنتلجستا الاجتماعية أنه مصلحة لحياة الجندي المعتدي ولمصروفه الشخصي كمواطن، وهي اليوم تنتقل ضمنيا ليتحول الأميركي الآخر في الداخل القومي إلى كومة الأرقام رغم صراع اليسار الأميركي الجديد ضدها.

إنها قصة فشل النموذج الديمقراطي الأميركي في الداخل القومي بعد أن بطش بالآخر الجنوبي، وهي قضية فكرية وسياسية وفلسفية تقوم عليها معادلة النقد الموضوعية للديمقراطية الأميركية، أولها وأهمها أن الناس أمم وشعوب أفرادها شركاء في الإنسانية والوطنية القومية وليسوا معادلة أرقام أمام المستبد البرجوازي الغربي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة