الاعتراف البريطاني بفلسطين ووعد بلفور   
الجمعة 1436/1/15 هـ - الموافق 7/11/2014 م (آخر تحديث) الساعة 18:26 (مكة المكرمة)، 15:26 (غرينتش)
عبد الله الأشعل


نريد أن نزيل لبسا عند العرب والإسرائيليين فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية، فالدولة الفلسطينية من الناحية القانونية أعلنت أراضيها في قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 وأعلن المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر يوم 15 نوفمبر/تشرين الثاني 1988 الاعتراف بهذا القرار وإعلان قيام الدولة على المساحة المخصصة فيه.


هناك فرق بين القانون وبين الواقع الذي ترسمه إسرائيل على الأرض، وهو علاقة بين المالك والحائز، والفلسطيني مالك واليهودي حائز، وتريد إسرائيل أن ترغم المالك على الاستسلام لحكم الحيازة وليس حكم القانون أي الاعتراف بما تيسر، وهو ما نجحت فيه بالفعل حيث قنع الفلسطينيون بأقل من نصف ما قرره قرار التقسيم وبالقدس الشرقية وحدها أي شرق القدس عاصمة لدولتهم، وهذا تراجع كبير جدا عن إعلان المجلس الوطني الفلسطيني هدفه المرونة مع الواقع الغلاب وضعف الجانب الفلسطيني.

هناك فرق بين القانون وبين الواقع الذي ترسمه إسرائيل على الأرض وهو علاقة بين المالك والحائز، والفلسطيني مالك واليهودي حائز، وتريد إسرائيل أن ترغم المالك على الاستسلام لحكم الحيازة وليس حكم القانون

وفى كلتا الحالتين فإن الاعتراف بدولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل قد أكدته الجمعية العامة للأمم المتحدة مرات عدة في قرار التقسيم وفي قرارها عام 1989 في دورتها الاستثنائية في جنيف وفي قرارها في بداية عام 2014، وأن جميع الدول التي وافقت على هذه القرارات تعترف بدولة فلسطين، كما أن العرب يعترفون بدولة فلسطين وكذلك الدول الإسلامية، وهي عضو في الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

المشكلة بالنسبة لهذه الدولة هي أن أراضيها يتم تقليصها والتهامها وأن الباقي يتم احتلاله واضطهاد سكانه حتى يضطروا إلى تفريغ الأرض من سكانها كما تريد إسرائيل.

فلسطين ليست عضوا في الأمم المتحدة ولكن لديها عناصر الدولة وهي الأرض والسكان والحكومة والاعتراف الدولي. ولكن نظرا لأن إسرائيل تنكر على الفلسطينيين الحق في البقاء فيما تبقى من أراضيهم إلى جوارها، فإن تأكيد الاعتراف الدولي بفلسطين هو تكريس لمبدأ حل الدولتين الذي يتبناه المجتمع الدولي، وهو هزيمة للمشروع الصهيوني الذي يريد تغييب العنصر الفلسطيني.

في ضوء ذلك يجب أن نفهم قيمة موقف السويد، وموقف بريطانيا الذي يحتاج إلى تحليل خاص. ذلك أن مجلس العموم البريطاني أصدر يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2014 قرارا عقب مناقشات استمرت أسابيع عدة بأغلبية 274 صوتا ضد 12 صوتا فقط يعترف فيه بفلسطين كدولة إلى جانب دولة إسرائيل حتى يتجسد حل الدولتين، وتدرس دول أخرى مثل إسبانيا الانضمام إلى السويد وبريطانيا.

واعتراف بريطانيا بدولة فلسطين، رغم أن قرار مجلس العموم غير ملزم للحكومة البريطانية، يبدو من الناحية الشكلية تحصيل حاصل ولكنه في الحقيقة له خصوصية مميزة، ويمكن اعتباره تفسيرا ولو متأخرا -بعد نحو مائة عام تقريبا- لوعد وزير الخارجية البريطاني اللورد بلفور في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 1917 أثناء الحرب العالمية الأولى والذي فسره الجانب العربي بأنه وعد لليهود، ومثل أحد أهم الأسس التي استند إليها الصهاينة في إقامة دولتهم.

فقد روج اليهود لتفسير خاص لبيان وزير خارجية بريطانيا العظمى الذي أوضح فيه أن سياسة الحكومة البريطانية في فلسطين -التي كانت تحتلها بريطانيا غصبا من تركيا في ذلك الوقت- تقوم على أساس أن الحكومة تشعر بالتعاطف مع اليهود في فلسطين، وأنها تريد أن يكون لهم وطن قومي، أي أن تكون فلسطين مأوى لليهود ضمن أهلها من العرب.

 قرار مجلس العموم الجديد هو أول اعتراف بريطاني بأن إعلان بلفور وقرار التقسيم لا يعنيان أن فلسطين كلها صارت ملكا لليهود، وإنما يعنيان أن الشعب الفلسطيني له الحق أيضا في دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل

وقد فسر اليهود هذا الإعلان بأنه تخصيص كل فلسطين لليهود والترخيص لهم بطرد العرب منها، والحق أن سياسة الحكومة البريطانية كانت تؤيد هذا التفسير من الناحية العملية. فقد استصدرت من مؤتمر السلام في فرساي في نوفمبر/تشرين الثاني 1918 صك الانتداب لها على فلسطين ثم كان الانتداب البريطاني غطاء لتمكين اليهود من فلسطين وتشجيع الهجرات إليها والتلاعب بالوسط العربي وإخماد الثورة العربية الكبرى ثورة القسام عام 1936 ثم لعبة التقسيم التي بدأتها بريطانيا بالتخلي عن انتدابها من طرف واحد دون الاتفاق مع الأمم المتحدة في أبريل/نيسان 1947 حتى تسمح باستيلاء العصابات الصهيونية على فلسطين تمهيدا لصدور قرار التقسيم بعد ذلك بسبعة أشهر.

وكان قرار التقسيم هو التتويج الرسمي لدور بريطانيا في إنشاء الكيان الصهيوني والذي تسلمت واشنطن بعده هذا الدور.

وتجب الإشارة في هذا المقام إلى أن بريطانيا لم تبد رأيا في تفسير اليهود لقرار التقسيم وهو أنه اعتراف من المجتمع الدولي بالمبدأ وهو حق اليهود التاريخي في فلسطين، وعلى القوة أن تكمل وتترجم سند هذا الحق وهو قرار التقسيم.

أما قرار مجلس العموم الجديد فهو أول اعتراف بريطاني بأن إعلان بلفور وقرار التقسيم لا يعنيان أن فلسطين كلها صارت ملكا لليهود، وإنما تعني هذه الوثائق أن الشعب الفلسطيني له الحق أيضا في دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل. وهذا يفسر عنف الرد الإسرائيلي والكتابات الإسرائيلية اللاحقة على تفسير بريطانيا وإعلان بلفور وقرار التقسيم وينسجم مع موقف المجتمع الدولي والقانون الدولي الوضعي، وإن كان يتناقض مع العدل وهو أن فلسطين كلها لأصحابها العرب ولا ضير أن يتمسك فريق من الفلسطينيين بخلفية هذا الحق لكي تكون المسافة واضحة بين الحق الطبيعي وبين الحق القانوني الوضعي، وبين هذا وذاك وبين الواقع السياسي الذي تفرضه القوة.

أي أن هناك ثلاث نقاط متتابعة للإجابة عن السؤال: فلسطين لمن؟ الإجابة الأولى بأنها كلها بالكامل للعرب الفلسطينيين، والإجابة الثانية بأن معظمها لليهود وبعضها لأصحابها العرب، والإجابة الإسرائيلية هي أنها كلها لليهود.

أهمية الاعتراف البريطاني أيضا، وكذلك اتساع نطاق الاعترافات الدولية، هي عمل تطبيقي لوقف برنامج إسرائيل لتغييب اسم فلسطين والفلسطينيين من الملفات والوثائق الدولية حتى لو كانوا قتلى وتأكيد نظرية الاسترداد اليهودي لفلسطين.

لقد تجاوزت إسرائيل مرحلة الصراع بينها وبين العرب عندما خلقت أوضاعا تكون فيها ضمن معسكر عربي فلسطيني ضد عربي فلسطيني آخر، فكأن السرطان قد نفذ إلى الجسد وأصبح يوجه خلاياه لمحاربة دفاعات الجسد الأصلية، وهذه مرحلة متقدمة جدا في تاريخ المرض الصهيوني.

ونتيجة لذلك يحاول هذا المعسكر العربي الصهيوني أن يساعد المشروع الصهيوني في خطته، ولذلك فإن الحديث الإسرائيلي عن أن إسرائيل لا تمانع في حل الدولتين ولا تمانع في إقامة دولة فلسطينية هو ضرب من العبث، ولكنها تريد أن تقوم هذه الدولة وتتحدد معالمها عن طريق المفاوضات بينها وبين الفلسطينيين بعد أن أوصلت القضية إلى مجرد نزاع فلسطيني إسرائيلي وليس صراعا، وأيُّ طرف يخرج عن هذا الحد يعتبر إرهابيا.

تجاوزت إسرائيل مرحلة الصراع بينها وبين العرب عندما خلقت أوضاعا تكون فيها ضمن معسكر عربي فلسطيني ضد عربي فلسطيني آخر، فكأن السرطان قد نفذ إلى الجسد وأصبح يوجه خلاياه لمحاربة دفاعات الجسد الأصلية، وهذه مرحلة متقدمة جدا في تاريخ المرض الصهيوني

ومن الواضح أن فكرة المفاوضات، وهي فكرة مركزية في السياسة الإسرائيلية منذ قيام إسرائيل، هدفها تطبيق العلاقة بين اللص وصاحب الحق حتى يصبح اللص هو المالك وصاحب الحق هو المغتصب.

وليس سرا أن كلمة المفاوضات تعني في القاموس الإسرائيلي والأميركي التفاهم على تنفيذ المشروع الصهيوني وتصفية القضية. وأنه عندما يكون الاحتلال أداة للالتهام والتصفية فإن المفاوضات بشأنه تصبح منزلقا خطيرا خاصة بعد أن تمت تجربة هذه المفاوضات لأكثر من ربع قرن وكانت المفاوضات هدفها المفاوضات، أي أن المفاوضات هدف بحد ذاتها وليست كما هو معروف وسيلة لتحقيق الهدف.

والمطالبة باستقلال فلسطين المحتلة يفيد في ثلاثة أوجه، الأول أنه تأكيد على أن علاقة إسرائيل بالأرض علاقة احتلال تحكمها مبادئ القانون الدولي، والثاني أن الاحتلال الطويل الأجل قد أسقط حقوق المحتل وهي مسألة ثابتة في القانون الدولي وأصبح الأمر غصبا وليس احتلالا، خاصة إذا أصرت إسرائيل على أن تهويد الأراضي المحتلة أمر قانوني يسمو على القانون الدولي، أي أن المفاوضات في هذه الحالة تفقد موضوعها وأهميتها.

الوجه الثالث هو أن العلاقة لم تعد بين فلسطين وإسرائيل، وإنما بين إسرائيل والمجتمع الدولي، ولذلك يجب على القيادة الفلسطينية أن تلجأ إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لكي تصدر قرارا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية حتى تؤكد الحق في مقاومة الاحتلال وبعدم الاعتراف بأي تصرف إسرائيلي يتناقض مع هذا الوضع.

وقد سبق للجمعية العامة أن أصدرت قرارا مماثلا لذلك الذي أطالب به أكدت فيه أن وجود جنوب أفريقيا في إقليم ناميبيا ليس انتدابا وإنما هو احتلال، ثم أصدر مجلس الأمن قرارا حدد فيه الآثار المترتبة على مثل هذا الاحتلال.

ورغم أن قرار الجمعية صدر في الستينيات وقرار مجلس الأمن صدر في أوائل السبعينيات والاستقلال تم بعدها بأكثر من عشرين عاما، فإن القرارين كانا ركائز للدبلوماسية الدولية ضد النظام العنصري سواء لجنوب أفريقيا أو ضد اغتصابها ناميبيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة