من تجليات أزمة مرسي مع المعارضة   
الثلاثاء 28/1/1434 هـ - الموافق 11/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:57 (مكة المكرمة)، 11:57 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح

 

رغم حالة الاستقطاب السياسي الحاد وأجواء التوتر الشديدة التي تمخضت عنها أزمة الوثائق الدستورية الناجمة عن الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ثم قراره بإجراء الاستفتاء على مسودة الدستور الدائم الجديد منتصف الشهر الجاري، سلطت تلك الأزمة الضوء على حزمة من التطورات والظواهر الجديرة بالوقوف عندها نظرا لما يمكن أن تستتبعه من تداعيات على العملية السياسية في مصر الجديدة مستقبلا.
أعادت الأزمة في مصر الزخم والفاعلية إلى ميدان التحرير مجددا، وهو ما بدا جليا في تسابق المتظاهرين سواء من الإخوان أو القوى المدنية توخيا للاستفادة من رمزيته

ومن أبرز هذه التطورات:
- عودة الزخم والفاعلية إلى ميدان التحرير مجددا، ليشكل قلب الثورة النابض ومنبر التعبير عن الرأي الحر، وهو ما بدا جليا في تسابق المتظاهرين سواء من الإخوان أو القوى المدنية للتظاهر والاعتصام في ربوعه قبل أي موضع آخر توخيا للاستفادة من رمزيته. ولا مراء في أن الاحتشاد الجماهيري بالميدان قد لعب دورا مهما في توجيه رسائل مهمة إلى النظام في مصر كما للعالم الخارجي، وهو ما أسهم بشكل كبير في بلورة وتشكيل المواقف الإقليمية والدولية حيال الأزمة.

- بقدرتها على حشد أعداد لا يستهان بها، من الجماهير بميدان التحرير وفي محيط قصر الاتحادية على عكس ما كان متوقعا، تسنى للقوى السياسية المدنية توجيه رسائل إلى الرئيس وجماعة الإخوان المسلمين، بل والعالم أجمع مؤداها أن تيار الإسلام السياسي لا يعزف منفردا على المسرح السياسي المصري بعد سقوط مبارك وحل حزبه الوطني، كما لا يحتكر وحده القدرة على حشد الجماهير بأعداد هائلة.

- تصدر الشأن المحلي لأولويات المصريين، فلم تكن نجاحات مرسي على صعيد السياسة الخارجية، خصوصا إدارته الناجعة لأزمة العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، كفيلة وحدها بتحصينه ضد الغضب الشعبي أو الاستياء الدولي من أسلوب تعاطيه مع أزمة الوثائق الدستورية، إذ لم تشفع له عند قوى المعارضة المدنية، التي تظاهرت ضده وحاصرت القصر الرئاسي كما تبنت حملات إعلامية شرسة رفضا للإعلان الدستوري الذي أصدره، خصوصا مع تواضع إنجازات الرئيس فيما يتصل بالتحديات الاقتصادية والأمنية التي ازدادت وطأتها بعد اندلاع الثورة.

فشتان بين الوضع المصري ونظيره التركي، فعلى خلاف الحال في مصر، نجحت حكومة حزب العدالة والتنمية، ذي الجذور الإسلامية، بزعامة أردوغان في تحقيق إنجازات اقتصادية وسياسية واجتماعية هائلة خولته اجتذاب تأييد الجماهير ودعمها له في مواجهة خصومه ومنافسيه من القضاة والعسكر والقوميين المتطرفين والدولة العميقة.

عاد مرة أخرى إلى الواجهة تأثير الخارج على مجريات الأحداث في مصر، حيث استحضر الدور الأميركي والأوروبي في أحداث أزمة الوثائق الدستورية، حينما سعى بعض رموز المعارضة لاستجداء الإدانة الدولية للإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي وتمهيده السبيل لتمرير مسودة الدستور الجديد، وطالب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بممارسة الضغوط عليه وحمله على التراجع وتجميد كلا المسارين. الأمر الذي هرعت دوائر غربية لتوظيفه سياسيا حينما طالبت بتجميد المساعدات الاقتصادية للقاهرة إلى حين استجابة الرئيس مرسي لمطالب المعارضة المدنية.

- رغم قرارات الرئيس مرسي التي أصدرها في 12 أغسطس/آب 2012، ويفترض أنها أنهت عمليا دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة في إدارة المرحلة الانتقالية وفي المجال السياسي عموما في حقبة ما بعد مبارك، تشي أزمة الوثائق الدستورية بأن الجيش المصري لم يخرج من المعادلة السياسية كلية كما تراءى للكثيرين في الداخل والخارج، وهو الأمر الذي ظهر في لجوء أطراف الأزمة إلى القوات المسلحة بوصفها العنصر الأكثر تماسكا وتنظيما وفاعلية مما جعلها بحق خط الدفاع الأخير:

فمن جانبها، جنحت قوى المعارضة المدنية إلى الاستقواء بالقوات المسلحة عبر مناشدتها التدخل لحمل الرئيس مرسي على العدول عن إعلانه الدستوري وقراره بإجراء الاستفتاء الشعبي على مسودة الدستور الجديد، علاوة على الحيلولة دون انفراد جماعة الإخوان المسلمين بالهيمنة على كل مفاصل السلطة في البلاد.

وإدراكا منه لقدرة القوات المسلحة وأهمية دورها في ظروف كهذه، خصوصا بعد ارتباك جهاز الشرطة وتنامي عجزه عن السيطرة على الأوضاع كما ينبغي، فقد أوكل الرئيس مرسي إليها مهمة تأمين عملية الاستفتاء على مسودة الدستور الجديد ومنح رجالاتها حق الضبطية القضائية.

وبدورها، أصدرت القوات المسلحة بيانين متتاليين يومي الثامن والتاسع من الشهر الجاري، أكدا على احترامها للتقاليد الديمقراطية والشرعية القانونية، كما حثا القوى السياسية على الاحتكام إلى منهج الحوار باعتباره الأسلوب الأمثل الوحيد للوصول إلى توافق يحقق مصالح الوطن والمواطنين وأن عكس ذلك يدخل البلاد في نفق مظلم كارثي النتائج، وهو أمر لن تسمح به القوات المسلحة.

وقد أكد البيانان أن القوات المسلحة ليست بعيدة عن الهم الوطني، وأن عودتها إلى ثكناتها لا تعني التخلي عن رسالتها في المحافظة على أمن وسلامة الوطن والمواطنين، مهما كلفها ذلك.

وفيما ارتأى بعض المراقبين أن هذين البيانين قد تأخرا بعض الشيء، حيث جاءا بعد أن ظلت الأبصار شاخصة باتجاه قوات الحرس الجمهوري لمتابعة كيفية تعاطيها مع المتظاهرين بمحيط قصر الاتحادية، وكذا مواقف قيادات القوات المسلحة من الأزمة ككل، إلا أنهما حملا في طياتهما دلالات مهمة.

بينما تشكو القوى المدنية المعارضة من مساعي الإسلاميين للهيمنة واحتكار السلطة وأسلمة الدولة، يكابد الإسلاميون ملاحقة المعارضة المدنية لهم وعدم تقبلهم لدمجهم في العملية السياسية ثم صعودهم إلى السلطة بإرادة شعبية

فبصدورهما من دون تنسيق مسبق مع رئيس الدولة، حسب مصادر مطلعة، يشي البيانان بأن القوات المسلحة بدأت تعيد تحديد معالم دورها في الأزمات والصراعات السياسية في مرحلة ما بعد مبارك، بعد أن استوعبت قياداتها جيدا دروس تجربتها المريرة في إدارة البلاد في العام الأول من المرحلة الانتقالية، التي ألقت بظلال سلبية على بنية القوات المسلحة ورصيدها الشعبي كما على علاقاتها ببعض الدوائر الحقوقية والقوى السياسية المدنية، بحيث تعمل كفصيل محايد لا يدين بالولاء لغير شعب مصر وللشرعية والديمقراطية، وليس أداة في يد الحاكم أو السلطان يوجهها كيف وحيث يشاء ووقتما يريد.

- تفاقم أزمة النخبة السياسية المصرية، سواء من هم في سدة الحكم والمنخرطون في صفوف المعارضة، إلى حد الافتقاد للقدرة على التوافق والحوار بين مختلف الأطياف السياسية بعد تنحي مبارك. فبينما تشكو القوى المدنية المعارضة من مساعي الإسلاميين للهيمنة واحتكار السلطة وأسلمة الدولة، يكابد الإسلاميون ملاحقة المعارضة المدنية لهم وعدم تقبلهم لدمجهم في العملية السياسية ثم صعودهم إلى السلطة بإرادة شعبية.

وهو الأمر الذي يؤكد عدم جاهزية النخبة السياسية المصرية لتطبيق فكرة الديمقراطية التوافقية التي بشر بها عالم السياسة الهولندي ليبهارت، والتي تكفل مشاركة كل الأطياف السياسية في الحكم بغير إقصاء وتجعل من العملية السياسية مباراة غير صفرية لا يخسر فيها أي طرف.

- بروز ظاهرة "الجماهير بلا قيادة"، أو ما يعرف في علم الاجتماع السياسي بـ"اللا حركات اجتماعية" أو "السياسة من أسفل"، بمعنى إقدام قطاعات من القاعدة الشعبية العريضة على المبادرة بالفعل السياسي وتوجيه مسار التفاعلات السياسية من أسفل وليس من أعلى، حيث مستوى الفاعلين السياسيين التقليديين كالنخب السياسية أو الأحزاب وقوى المجتمع المدني.

فمن بين جموع المتظاهرين المعارضين لقرارات الرئيس مرسي ومسودة الدستور الجديد، ووسط الحشود التي زحفت إلى محيط قصر الاتحادية وميدان التحرير، لاحت مجموعات من المحتجين نأت بنفسها عن التفاهمات والحوارات التي كانت تتم بين الرئيس ومعارضيه لتسوية الأزمة، وأصرت على مواقفها المطالبة بإلغاء الإعلان الدستوري ووقف الاستفتاء على مسودة الدستور الجديد، وحينما تأخر الرئيس مرسي في الاستجابة لمطالبها، وبدا لهم أنه يتحايل عليها على غرار ما كان يفعل مبارك، رفعت من سقف مطالبها وأعلنت عدم اكتراثها باستجابة الرئيس لتلك المطالب من عدمه، مؤكدة عدم تنازلها عن رحيل الرئيس وإسقاط النظام.

وقد كان من أبرز نتائج ثورة يناير 2011 أن أوجدت فاعلين سياسيين جدد يمارسون دورا معارضا من خارج الأطر المؤسسية التقليدية كالأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، تتمثل في جموع الشباب غير المنضوية تحت لواء أي تنظيمات حزبية أو أهلية، والتي ليس لها قيادة واضحة أو أيديولوجية محددة، لكنها تتلاقى، على نحو غير مرتب، حول حزمة من الأهداف ثم تتبع سياسة الحشد الجماهيري والتعبئة الشعبية لممارسة الضغوط على النخبة الحاكمة من أجل تحقيق تلك الأهداف.

وتلك ظاهرة عالمية ربما ساعد على انتشارها ثورة الاتصالات وتفاقم دور العالم الافتراضي في التواصل الجماهيري، وقد بدت جلية في حركة "احتلوا وول ستريت" للمطالبة بتغيير النظام الاقتصادي واتباع سياسات اقتصادية أكثر عدلا بالولايات المتحدة، وكذا "حركة الطلاب"، التي ظهرت في بريطانيا للمطالبة بتعديل الرسوم الدراسية لطلاب الجامعات.

وبقدر ما تنطوي عليه تلك الظاهرة من إيجابيات، كونها تعبر عن حالة حراك اجتماعي إيجابية يمكن أن تثري بدورها عملية التفاعل السياسي الإيجابي وتنشط التحول الديمقراطي، لم تخل من مخاطر شتى على المجتمع والدولة في آن.

فعلاوة على إمكانية نجاح بعض العناصر التخريبية أو الجهات المغرضة، كفلول النظام السابق على سبيل المثال، في توجيه "اللا حركات الاجتماعية" أو "الجماهير بلا قيادة" للنيل من وحدة الدولة أو سلامة الشعب واستقرار النظام، يؤخذ على مثل هذه الجموع ميلها إلى رفع سقف مطالبها تدريجيا من دون مراعاة لأي اعتبارات أمنية أو حسابات سياسية منطقية، بل وعدم التراجع أو العدول عنها بسهولة، غير مكترثة بأي عواقب، خصوصا إذا ما أصرت النخبة الحاكمة على تجاهلها أو الالتفاف عليها أو حتى تباطأت في التجاوب معها، وقد تصعد هذه الجماعات من وسائلها وأدواتها التعبيرية، بحيث يجنح بها إصرارها على بلوغ غاياتها إلى الصدام بالدولة أو استخدام العنف.

- الحضور الواضح لما اصطلح على تسميته إعلاميا بـ"الطرف الثالث" و"الفلول" بقوة في المشهد السياسي المصري رغم الإطاحة بمبارك وحل الحزب الوطني الديمقراطي وتبني حزمة من الإجراءات لتطهير مؤسسات الدولة، حيث لم تتورع القوى المدنية عن فتح الطريق أمام عناصر الثورة المضادة وفلول الحزب الوطني المنحل للمشاركة في التظاهرات المناهضة للرئيس مرسي كما المساعي الرامية للإطاحة به وبنظامه وإقصاء التيار الإسلامي.

تفاقم حالة الاستقطاب السياسي الحاد بين القوى الثورية وانشطارها إلى شطرين، أحدهما إسلامي والآخر مدني، شجع الفلول على تكثيف جهودهم لتعزيز فرصهم في العودة إلى مسرح السياسة

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفلول لم يكونوا بعيدين كلية عن المشهد السياسي المصري حتى قبل تفجر هذه الأزمة، فقد تحايلوا من أجل الولوج إليه عبر طرق ملتوية شتى، كان من أبرزها: تشكيل أحزاب سياسية بمسميات مختلفة، فضلا عن انضمام الكثيرين منهم لأحزاب قائمة بالفعل بعضها محسوب على الثورة، في حين خاض مستقلون منهم الانتخابات أو تحالفوا مع حزبيين وإسلاميين ومسيحيين.

غير أن اشتداد وطأة الأزمة الراهنة، وتفاقم حالة الاستقطاب السياسي الحاد بين القوى الثورية وانشطارها إلى شطرين، أحدهما إسلامي والآخر مدني، قد شجع الفلول على تكثيف جهودهم لتعزيز فرصهم في العودة إلى مسرح السياسة مجددا مستفيدين من عدة معطيات أخرى مهمة أبرزها: تبرئة ساحة العديد من رموز النظام السابق وقيادات الحزب الوطني المنحل في موقعة الجمل، وكذا ضباط ورجال الشرطة من جرائم قتل المتظاهرين في محافظات عديدة، ثم رفض القضاء إقرار قانون العزل السياسي استنادا إلى عدم دستوريته، الأمر الذي وفر للمحسوبين على النظام السابق مسوغا قانونيا للمشاركة في العملية السياسية ما لم يكن هناك معوق قانوني من قبيل صدور أحكام تدينهم أو ثبوت تورطهم في أي جرائم مخلة بالشرف، وهو ما شجع الكثير منهم على إعلان نيته خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة.

وإلى جانب ضعف القوى الثورية والمدنية واهتزاز شعبية التيار الإسلامي نسبيا في الآونة الأخيرة، يسعى الفلول إلى استغلال بعض أوراق القوة التقليدية المتاحة لديهم لتعظيم فرصهم في المنافسة والفوز، كالمال السياسي والخبرة السياسية والتنظيمية الطويلة، فضلا عن توظيف العصبيات والقبليات إضافة إلى العناصر الخارجة على القانون.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة