وهم المصالحة.. وحقائق العراق السبع   
الخميس 30/3/1430 هـ - الموافق 26/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 17:19 (مكة المكرمة)، 14:19 (غرينتش)
خالد المعيني


تأتي دعوات الحكومة العراقية للمصالحة الوطنية والحوار لتثير الكثير من علامات التعجب والاستفهام بشأن توقيتها ومدى جديتها. فبالإضافة إلى أنها تفتقر إلى وضوح الهدف وضبابية مصطلحاتها فإنها جاءت لتتعامل مع الإفرازات والنتائج ولم تقترب أو تلامس الأسباب والحقائق التي تقف وراء عدم استقرار العراق ولا تجيب على أهم سؤالين: من هي أطراف المصالحة؟ وعلى أية قاعدة يتم الحوار؟

استحقاقات الانسحاب الأميركي
"
الحكومة العراقية والطبقة السياسية التي قدمت واعتمدت على الاحتلال طيلة ست سنين تجد نفسها في وضع لا تحسد عليه لا سيما بعد الفشل الذريع على مسار الأمن والخدمات والعملية السياسية
"
جاء قرار الإدارة الأميركية بإعلان توقيتات الانسحاب من جانب واحد ليضع جميع أطراف الصراع في العراق أمام استحقاقات جديدة، ذلك أن الحكومة العراقية والطبقة السياسية التي قدمت واعتمدت على الاحتلال طيلة ست سنين تجد نفسها في وضع لا تحسد عليه لا سيما بعد الفشل الذريع على مسار الأمن والخدمات والعملية السياسية.

فالقوات الحكومية العراقية المشتتة الولاء عمودها الفقري من المليشيات وتفتقر إلى التجهيز وإلى عقيدة عسكرية وطنية وليست لديها جاهزية قتالية إلا بنسبة 10%، كما تشير التقارير الرسمية الأميركية. كما فشلت الحكومات الاحتلالية المتعاقبة طيلة ست سنين في تقديم أية خدمات أساسية للمواطن العراقي كالماء الصالح للشرب أو الكهرباء والتعليم والصحة، في وقت تفتك الكوليرا بأطفال العراق وتنخر البطالة والفساد جسد المجتمع العراقي.

ولم تكن الأمور بأفضل حال على المسار السياسي، إذ إضافة للتصدع والصراع بين حلفاء الأمس على السلطة والثروة والموت السريري والشلل الذي أصاب معظم مفاصل هذه العملية، فشلت الحكومات الاحتلالية وآخرها حكومة المالكي في إنجاز ما اتفقت عليه مع إدارة الاحتلال لتسوية ملفات كان من المقرر في حال إنجازها تهيئة أرضية مناسبة ومستقرة للانسحاب الأميركي ومنها ملف إعادة النظر في الدستور المفخخ وكذلك إصدار عفو عام لإطلاق سراح عشرات الآلاف من الأبرياء وإجراء مصالحة وطنية حقيقية وكذلك طي ملف اجتثاث البعث وضمان عودة أربعة ملايين من المهجرين الذين يشكلون تكنوقراط وعمود الدولة الفقري.

دفع هذا الفشل العميق بالإدارة الأميركية الديمقراطية الجديدة والمكبلة بتركة اقتصادية ثقيلة جراء غزوها للعراق، إلى أن تعلن على لسان الرئيس أوباما يوم 27 فبراير/شباط 2009 عن إستراتيجيتها لإنهاء ملف العراق الذي أصبح في ذيل أولويات الولايات المتحدة، وتم تحديد توقيتات لسحب القوات الأميركية من العراق من طرف واحد دون الإشارة إلى الاتفاقية الأمنية الموقعة مع الحكومة العراقية أو إلى التزامات أميركية تجاه الحكومة، بل ذهب الرئيس أوباما أبعد من ذلك عندما أشار إلى أن قواته لن تعمل كشرطة في شوارع العراق وأن أسماء قتلى الجيش الأميركي أطلقت على جسور وشوارع في كافة مدن وبلدات الولايات المتحدة الأميركية، ويبدو أن شهر عسل الإدارة الأميركية مع الحكومة الاحتلالية الفاشلة قد قارب على الانتهاء.

الاستدراج والإسقاط الفردي
"
توقيت إطلاق مبادرات الحوار والمصالحة حتى مع البعثيين  وإحاطتها بهذا الضجيج الإعلامي لا يعدو مناورة لشق صفوف الوطنيين العراقيين واستدراج الضعفاء والمترددين منهم بالإسقاط الفردي
"
اتخذت الدعوات الحكومية طبيعة الإملاءات، فالشرط الأساسي كان فيها الإقرار والاعتراف بالصفحات السياسية لمشروع الاحتلال المتمثلة بالدستور والفدرالية واعتماد مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية أسلوبا لتقاسم السلطة والثروة. مفهوم المصالحة بالنسبة للحكومة يعني التوبة، ولعل هذا ما ورد في مبادرة رئيس الوزراء المالكي التي أطلقها بتاريخ 25 يونيو/حزيران 2006 حيث أقترن "العفو عن المعتقلين والذين لم يرتكبوا جرائم وأعمال إرهابية وجرائم ضد الإنسانية بالتعهد بدعم الحكومة والعملية السياسية".

وعوضا عن تقديم الاعتذار والتعويض إلى عشرات الآلاف من الأسرى والمعتقلين لدى سجون الاحتلال والحكومة، تحرمهم من حق مقاومة الاحتلال وتفرض عليهم التعهد بدعم العملية السياسية، وسبق لنفس الجهات المتهالكة في دعوات المصالحة أن نكثت عهودها ووعودها في أول مؤتمر جدي للوفاق والمصالحة عقد بإشراف جامعة الدول العربية في القاهرة عام 2005.

إن توقيت إطلاق مبادرات الحوار والمصالحة حتى مع البعثيين العدو رقم واحد للحكومة كما يصفهم أحد أقطاب العملية السياسية، وإحاطتها بهذا الضجيج الإعلامي لا يعدو مناورة لشق صفوف الوطنيين العراقيين واستدراج الضعفاء والمترددين منهم بالإسقاط الفردي، ويؤكد من جهة أخرى عمق المأزق والخوف الذي باتت تعيشه طبقة الاحتلال السياسية برمتها وذلك كلما اقتربت توقيتات انسحاب القوات الأميركية وحتمية مواجهة استحقاقات الشعب العراقي الذي تم التفريط بحقوقه وكرامته واستقلاله.

ومن الجدير بالملاحظة أن هذه الدعوات تترافق مع تصاعد المبادرات الشعبية والاجتماعية للتواصل ومد جسور الثقة بين أبناء شعبنا وتقوية نسيجه الاجتماعي، والتي تأتي كرد على كافة دعوات التقسيم وعلى بذور الشك والريبة التي حاول الاحتلال وطبقته السياسية ترسيخها وزرعها في جسد المجتمع العراقي.

وتحاول الحكومة التي تقوم أصلا على مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية توظيف هذه المبادرات لأغراض سياسية ودعائية من أجل الانتخابات القادمة ومحاولة إسقاط ما يمكن من هوامش قوى المقاومة والمناهضة للاحتلال ومشروعه في العراق المخدوعين بهذه الدعوات لتمريغهم بوحل العملية السياسية المتهاوية.

حقائق العراق السبع
ثمة حقائق على الأرض لا يمكن لأي مناورة أو مشروع سياسي أن يتجاوزها وإذا ما تم عبورها فمصيرها "كمن ينقش على سطح الماء", ونجتهد في أدناه في بعض هذه الحقائق التي قد تصلح كخط شروع في مد جسور الثقة، وقد يفرز الموقف منها من هم مع شعبهم واستقلاله وسيادته، ومن يسير في مشروع آخر:

أولا: إن العلة الأساسية في قضية العراق تكمن في الاحتلال ومشروعه السياسي واتفاق جميع العراقيين المخلصين على هذه الحقيقة بدون مواربة هو مفتاح الحل, والآلية في تفعيل إنهاء ملف الاحتلال هي الشروع في الاتفاق مع فصائل المقاومة والقوى السياسية الأخرى المناهضة للاحتلال على جدولة انسحابها ضمن حزمة المطالب السياسية الأخرى.

ثانيا: المقاومة العراقية الوطنية رد فعل طبيعي مشروع على فعل غير مشروع، وهي لا تنشأ إلا حين يحتل ويغزو أجنبي إقليم شعب أو جزءا منه، ولولا الاحتلال ما عرفنا المقاومة. فهي تمثل شرف وإرادة الشعب العراقي وتعدّ حقا مكفولا قانونا وشرعا وأخلاقا ويجب على جميع الأطراف الاعتراف بها صراحة وتمييزها عن الإرهاب الذي يستهدف العراقيين الأبرياء.

ثالثا: تشكيل لجنة عراقية مستقلة ومحايدة بإشراف الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية لإعادة النظر في الدستور الذي جرى إعداده في ظل وإشراف قوات الاحتلال خلافا لقواعد القانون.

"
المقاومة العراقية الوطنية رد فعل طبيعي مشروع على فعل غير مشروع، وهي تمثل شرف وإرادة الشعب العراقي وتعدّ حقا مكفولا قانونا وشرعا وأخلاقا ويجب على جميع الأطراف الاعتراف بها صراحة
"
رابعا: حلّت قوات الاحتلال الغازية بقرارها المرقم 2 يوم 23 مايو/أيار 2003 الساري المفعول الجيشَ الوطني العراقي، واستعانت عوضا عنه بقوات غير رسمية شكلت امتدادا للمليشيات والعصابات التي قدمت مع قوات الاحتلال وتعمل تحت إشرافه كما أنها تدين بالولاء لأحزابها وطوائفها وقومياتها وليس للعراق، لذا يتطلب إعادة تنظيم وتشكيل الجيش العراقي ابتداء بقياداته الوطنية بعد استبعاد العناصر المسيئة وإلغاء كافة المليشيات المسلحة الطائفية والعرقية واعتبارها خارجة عن القانون, ودعوة المواليد لكل عراقي أتم الثامنة عشر لخدمة العَلم لمدة سنة واحدة بغض النظر عن الدين أو المذهب أو القومية.

خامسا: الإقرار بالحقوق القومية والثقافية لكافة مكونات الشعب العراقي وبضرورة التوزيع العادل للثروات وفق خطط مدروسة للمشاريع الخدمية والإستراتيجية بما يضمن نموا وازدهارا اقتصاديا وحضاريا متوازنا في عموم العراق دون تمييز, كذلك تقاسم الصلاحيات بين المركز والمحافظات بما لا يجزئ سيادة العراق أو يمس وحدته أرضا وشعبا، والتأكيد على أن العراقيين مواطنون متساوون أمام القانون بغض النظر عن الجنس أو العرق أو اللغة أو الدين.

سادسا: إطلاق سراح عشرات الآلاف من الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال وسجون السلطة، وتشكيل لجان دولية بإشراف الأمم المتحدة للتحقيق في الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت بحقهم، ومحاكمة المسؤولين عنها وتعويضهم ماديا ومعنويا.

سابعا: تشكيل لجنة قضائية عراقية دولية لمطالبة دول العدوان التي شاركت في غزو واحتلال العراق بدفع تعويضات عن كافة الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بالشعب العراقي، وتقديم هذه الدول الاعتذار إلى الشعب العراقي، وملاحقة مجرمي الحرب الذين قادوها وقاموا بتأجيجها تحت حجج باطلة بوصفهم مجرمي حرب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة