هل من مقومات للدولة الفلسطينية المنشودة؟   
الأربعاء 5/1/1428 هـ - الموافق 24/1/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:43 (مكة المكرمة)، 11:43 (غرينتش)
نبيل السهلي


يلحظ المتابع للشأن الفلسطيني خلال العام المنصرم 2006 بوضوح طغيان المصلحة الفصائلية الفلسطينية الضيقة على الشعارات الوطنية الكبيرة التي كانت تؤكد على الحقوق الفلسطينية الأساسية، ووصل الأمر إلى الاحتراب الداخلي الفلسطيني في شوارع قطاع غزة ومدن الضفة الغربية.

"
الخطاب الفلسطيني حول إقامة الدولة الفلسطينية بقي يدعو إلى امتدادها إلى كل أراضي الضفة والقطاع، وجعل عاصمتها الجزء الشرقي من القدس المحتلة
"
ومع الاستمرار في بناء جدار الفصل العنصري الإسرائيلي في عمق الضفة الفلسطينية برزت أسئلة كثيرة حول مستقبل الطموح الفلسطيني في إنشاء الدولة الفلسطينية القابلة للحياة بمقوماتها الاقتصادية والديموغرافية كهدف هام من أهداف الشعب الفلسطيني.

ويأتي ذلك في ظل الانحياز الأميركي إلى جانب التصورات الإسرائيلية التي تتركز حول إنشاء سلطة فلسطينية محدودة وفق المقاسات الإسرائيلية، بحيث يتم توسيع الحكم الذاتي الفلسطيني ليمتد على 42% من مساحة الضفة الغربية، وتكون تلك الأراضي معزولة جغرافيا بالمستوطنات القائمة والجدار العازل الذي سيمتد لنحو 720 كيلومترا.

وقد تكون مراكز المدن الفلسطينية تحت سيادة السلطة الفلسطينية لأنها تضم نحو 90% من مجموع السكان الفلسطينيين في الضفة والقطاع الذين وصل مجموعهم إلى نحو 3.9 ملايين فلسطيني في نهاية العام المنصرم 2006.

وبذلك تحقق إسرائيل أهدافا ديموغرافية تسيطر من خلالها على أكبر مساحة من الأرض الفلسطينية بأقل عدد ممكن من السكان العرب.

وستسعى إسرائيل إلى إبقاء سيطرتها على أوجه السيادة المختلفة ومفاتيح الدولة الفلسطينية من اقتصاد وعلاقات خارجية ومعابر، ناهيك عن سيطرتها على 85% من إجمالي الموارد المائية الفلسطينية.

فبعد أن أعلن عن الدولة الفلسطينية من قبل منظمة التحرير الفلسطينية من خلال وثيقة الاستقلال في نوفمبر/ تشرين الثاني 1988، استمرت المنظمة في خطابها الهادف إلى إنشاء الدولة الفلسطينية على أراضي الضفة والقطاع أي على نحو 22% من مساحة فلسطين التاريخية البالغة 27009 كيلومترات مربعة.

ولم تفض اتفاقات أوسلو في سبتمبر/ أيلول 1993 إلى تحقيق الهدف الفلسطيني المنشود، إذ تمت إعادة انتشار للجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقسمت إلى ثلاث مناطق "أ" و"ب" و"جـ".

الأولى تكون تحت السيادة الأمنية والإدارية للسلطة الوطنية الفلسطينية، والثانية تكون تحت سيادة مشتركة أمنية إسرائيلية وإدارية فلسطينية والثالثة التي تضم الريف الفلسطيني وتضم المساحة الكبرى من الضفة تكون تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة.

ورغم امتداد السيادة الفلسطينية على منطقة "أ" على نحو 19% من مساحة الضفة والقطاع حتى انطلاقة انتفاضة الأقصى في سبتمبر/ أيلول 2000، فإن الجيش الإسرائيلي احتل مع انطلاقة انتفاضة الأقصى جميع المناطق في الضفة والقطاع.

وبقي الخطاب الفلسطيني إزاء إقامة الدولة الفلسطينية في اتجاهه العام، يدعو إلى امتدادها إلى جميع أراضي الضفة والقطاع، وجعل عاصمتها الجزء الشرقي من القدس المحتلة عام 1967.

مقابل ذلك حاول الطرف الإسرائيلي عبر مراحل المفاوضات المختلفة وصولا إلى مفاوضات كامب ديفد عام 2000، فرض شروطه على الطرف الفلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية على جزء من الأراضي المحتلة مقطع الأوصال.

"
الطرف الإسرائيلي حاول فرض شروطه على المفاوضين الفلسطينيين بقبول حل قضية اللاجئين وفق التصورات الإسرائيلية الداعية إلى توطينهم في مناطق اللجوء، لكن المفاوض الفلسطيني رفض تلك الشروط والتصورات المجحفة في مفاوضات كامب ديفد
"
ووصلت أعلى نسبة من الأراضي التي يمكن أن تقام عليها تلك الدولة وفق التصورات الإسرائيلية إلى 98% من مساحة الضفة إبان حكومة إيهود باراك، لكن دون مساحة القدس الشرقية التي تصل إلى نحو ربع مساحة الضفة الفلسطينية البالغة 5800 كيلومتر مربع، هذا فضلا عن إبقاء القسم الأكبر من المستوطنات الإسرائيلية التي تلف المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية تحت السيادة الإسرائيلية المطلقة.

كما حاول الطرف الإسرائيلي فرض شروطه على المفاوضين الفلسطينيين بقبول حل قضية اللاجئين وفق التصورات الإسرائيلية الداعية إلى توطينهم في مناطق اللجوء المختلفة، لكن المفاوض الفلسطيني رفض الشروط والتصورات الإسرائيلية المجحفة في مفاوضات كامب ديفد.

واستمرت السياسات الإسرائيلية من نشاط استيطاني وتضييق اقتصادي على الفلسطينيين، ما أسس لانطلاقة الانتفاضة من باحات المسجد الأقصى بعد تدنيسها من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي الميت سريريا أرييل شارون يوم الخميس الموافق 28/9/2000.

رفعت الانتفاضة شعارات عديدة أهمها شعار الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وعاود الجيش الإسرائيلي احتلال مناطق السيادة الفلسطينية "أ" تحت ما يسمى عملية السور الواقي التي بدأت في نهاية مارس/ آذار 2002، وجرت عمليات اغتيال إسرائيلية منظمة لقيادات وكوادر فلسطينية ميدانية، كان الهدف منها إخضاع الفلسطينيين للشروط الإسرائيلية وإنهاء الانتفاضة في ذات الوقت.

ورغم انعكاسات وتداعيات الظروف السياسية على الوضع الفلسطيني، تركز الخطاب السياسي المعلن للسلطة الفلسطينية حول ضرورة أن تفضي أي مفاوضات مستقبلية إلى إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.

هذا في وقت دعت فيه الدول العربية إلى ضرورة إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، ورفض مبدأ الدولة الفلسطينية المؤقتة حسب التوصيفات الإسرائيلية.

وقد تأكد ذلك في البيان الصحفي المشترك إثر اجتماع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية مع أمين سر المكتب السياسي لحركة حماس في دمشق يوم الأحد 21-1-2007.

مما تقدم يظهر جليا أن المقدمات الأساسية لإنشاء الدولة الفلسطينية بمقومات اقتصادية ومادية وبشرية ستبقى محكومة ومرهونة بالموقف الأميركي، ومدى جدية الإدارات الأميركية في الضغط لإنشائها، إذ يتطلب الأمر الضغط الفعلي على إسرائيل من جهة والاقتناع بوجود مصلحة أميركية حقيقية في المنطقة العربية من جهة أخرى.

وقد يعزز الموقف الأوروبي المقدمات لإنشاء دولة فلسطينية منشودة، لكن لا بد من الإشارة إلى أن المشهد السياسي الدولي الراهن، الذي تلعب فيه الولايات المتحدة الأميركية دورا مركزيا، وكذلك تلعب فيه إسرائيل دور الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لا يشير إلى حدوث خطوات فعلية على الأرض باتجاه إقامة دولة فلسطينية وفق التصور والخطاب السياسي الفلسطيني.

وقد تكون عملية إنشاء الدولة الفلسطينية في المدى المنظور غير واردة تبعا للظرف الدولي والانحياز الأميركي إلى جانب الموقف الإسرائيلي.

"
الخطاب السياسي الفلسطيني مهما ارتقى لجهة إنشاء دولة فلسطينية في الضفة والقطاع فسيبقى أسير القوة العسكرية الإسرائيلية والموقف الإسرائيلي من إنشاء الدولة، وكذلك الموقف الأميركي المنحاز له
"
تبقى الإشارة إلى أن الخطاب السياسي الفلسطيني مهما ارتقى لجهة إنشاء دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، فسيبقى أسير القوة العسكرية الإسرائيلية والموقف الإسرائيلي من إنشاء الدولة، وكذلك الموقف الأميركي المنحاز له.

كما يبقى أسير الاتحاد الأوروبي الذي لم يرق حتى اللحظة لفرض الشروط لإعطاء الفلسطينيين حقوقهم ومن بينها إقامة الدولة الفلسطينية على جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 التي تشكل مساحتها نحو 22% من مساحة فلسطين التاريخية.

وهذا الأمر بات يتطلب في ظل الظروف الراهنة توحيد الجهود الرسمية والشعبية العربية لدعم استمرار الكفاح الفلسطيني والحفاظ على الأهداف الفلسطينية ماديا وسياسيا، ودعم الخطاب الفلسطيني إزاء إنشاء الدولة الفلسطينية في المستوى الإعلامي المحلي والدولي.

وهو يتطلب أيضا تكثيف الجهود العربية في الأروقة الدولية والإقليمية لإبراز أهداف الشعب الفلسطيني، خاصة إقامة الدولة على ترابه الوطني وكذلك حق العودة.

وقد يعزز آمال الفلسطينيين في تحقيق طموحاتهم للحفاظ على وحدتهم الوطنية على الأرض من جهة، وتحريم الدم الفلسطيني الذي تم التأكيد عليه مرارا من جهة أخرى، بالإضافة إلى تغليب أهداف الشعب الفلسطيني العليا على الأهداف الفصائلية الضيقة.

ودون تضافر العوامل المشار إليها يمكن أن تتحقق أهداف إسرائيل الرامية إلى تكريس الاحتلال وفرض الأمر الواقع الإسرائيلي القائم على حل انتقالي يتحول مع الوقت إلى حل دائم.

وقد تكون عملية الاستمرار في بناء الجدار العنصري الإسرائيلي الذي يمزق قرى ومدن ومخيمات الضفة الفلسطينية، ويحول دون تواصلها المرحلة الأولى من التصورات الإسرائيلية الرامية إلى الفصل العنصري من جهة، وفرض الحل الانتقالي طويل الأمد وتحويله إلى حل نهائي على أقل مساحة ممكنة من الأرض الفلسطينية وأكبر عدد من السكان الفلسطينيين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة