قراءة في قرار الصدر اعتزال السياسة   
الأربعاء 1435/4/27 هـ - الموافق 26/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:26 (مكة المكرمة)، 14:26 (غرينتش)
فارس الخطاب



ليس موضوع هذا المقال إعادة ما قيل عن إعلان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر اعتزاله العمل السياسي وحل الكتلة التي تمثله في العملية السياسية، كما ليس موضوعه تكرار هجوم الصدر على رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ووصفه بنعوت وصفات أمثال "الديكتاتور والطاغوت المتسلط على الرقاب"، ولا حديثه عن أن العراق "تحكمه الذئاب المتعطشة للمال والدماء والقتل" وأنهم عبارة عن ثلة جاءت "من وراء الحدود" إلى غير ذلك مما أطلع عليه كل أو أغلبية المهتمين بالشأن العراقي.

وإنما سيكون منحى هذا المقال بيان ما وراء هذا كله وإلى أين سيتجه الموقف السياسي في العراق عامة، وفي المؤسسة السياسية التي اصطلح على تسميتها بالبيت الشيعي، وتزامن ذلك كله مع تصعيد عسكري وأمني في عدة محافظات عراقية كانت الأنبار في صدارتها، لكنها بالتأكيد لن تكون حصريا فيها كما تشير إلى ذلك أوضاع عدة محافظات بعضها اصطلح على تسميتها بالسنيّة وأخرى بالشيعية.

بدءا يجب الاعتراف بأن مقالة مقتدى الصدر في رئيس وزراء العراق وما أسماه بـ"الثلة" التي تحكم العراق قد تسببت بهزة كبيرة للبيت الشيعي في العراق، فلأول مرة يتبرأ شيعة عراقيون يتبعون حزب الدعوة أو يقلدون مراجع شيعية تتقاطع مع مرجعية الصدر الحالية، مما قاله مقتدى الصدر ويحاولون تعليل موقفه الأخير بتفسيرات متناقضة ومتوترة إلى حد كبير.

فالبعض وصف شخصية الصدر بالهوائية والآخر قال إنه أخذ توجيهاته من دولة أخرى وآخرين اعتبروا موقفه ينم عن هروب من واقع كتلته السياسي على الأرض والذي بدا واضحا تخلخله وسريان الفساد بين قياداته.. إلخ.

أصاب الصدر البيت الشيعي السياسي بهزة عنيفة ستربك موضوع التحالفات والإعداد للانتخابات المقبلة ويجعل الفرقاء جميعا لا يملكون ما يضمن لهم الدخول لهذا المعترك بأريحية جماهيرية

لكن حقيقة الأمر تقول إن الصدر أصاب البيت الشيعي السياسي المخلخل أصلا بهزة عنيفة بما يربك موضوع التحالفات والإعداد للانتخابات المقبلة ويجعل الفرقاء جميعا لا يملكون ما يضمن لهم قواعد شعبية تتيح لهم الدخول لهذا المعترك بأريحية جماهيرية تجاه بقية الكتل السياسية.

إن المتابع لشؤون العراق ومآلات الأمور فيه منذ العام 2003 وحتى اليوم، يستطيع أن يرى بشيء من الوضوح، ثم يقيم كل طرف من الأطراف وتحديدا من الشخصيات التي تواتر اسمها في سنوات الظلام التاريخي التي مر بها العراق وما زال.

ولعل من بين أكثر الشخصيات إثارة للجدل هي شخصية مقتدى الصدر، تلك الشخصية التي بدأت مشوارها بعمليات مسلحة بشعة طالت الكثير من ضباط الجيش العراقي السابق ومنتسبي حزب البعث وشخصيات دينية سنيّة والكثير من عامة الناس لاختلاف المذهب أو لغرض التهجير أو إخلاء المساكن وغيرها، تلك الجرائم كانت ترتكب باسم تنظيم مليشياوي خطير أطلق عليه (جيش المهدي)، حتى بعد أن قوت شوكته بسبب عدم مبالاة القوات الأميركية والبريطانية المحتلة ورغبتها في نشر الفوضى بين العراقيين، صدرت التوجيهات له بالقيام ببعض العمليات ضد القوات الأميركية والتي أعلن عنها مقتدى بوضوح لإضفاء الصفة الوطنية على تلك المليشيا.

ولكن -عراقيا على أقل تقدير- لم يحصل هذا، وبقيت مليشيا جيش المهدي تنظيما مرعبا لكل العراقيين خاصة منهم من ذكرنا آنفا. وكان لجيش المهدي ذراع طويلة في اختطاف وتعذيب وقتل الآلاف من السنة أثناء الحرب الطائفية التي شهدها العراق وبلغت ذروتها في العامين 2006 و2007.

ومع استمرار الاحتلال الأميركي وتعاظم الدور الإيراني في العراق وتحديدا على حكومة العراق التي ارتأت طهران أن تكون لصالح تنظيم رصين يمكن الاعتماد على قيادته وتغذية قواعده، كان الخيار عام 2005 أن يكون حزب الدعوة العراقي هو خيار إيران في العراق، وهو ما توافقت عليه إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش.

وهكذا كان اتفاق عمان لاحقا عام 2006 الذي أطلقت من خلاله يد رئيس حزب الدعوة العراقي، رئيس الوزراء نوري المالكي لإرساء نظام حكم يؤمن الوجود الأميركي من جهة ويخدم مصالح الدولة الأكثر تأثيرا في الداخل العراقي، إيران، وكانت ثمار ذلك إنهاء الوجود الميداني لما يسمى بجيش المهدي، فكان الانكفاء الأول لمقتدى الصدر وحل جيش المهدي ثم الفرار إلى إيران بعد صدور مذكرة إلقاء قبض بحقه في العام 2008.

لقد تناول الكثير من المحللين موضوع إعلان مقتدى الصدر اعتزاله الحياة السياسية على أنه سيصب بمصلحة غريمه الأكبر، رئيس الوزراء الحالي، نوري المالكي والطامح بشدة للحصول على ولاية ثالثة، ولست أرى ذلك، سواء تعلق الأمر بما يذهب إليه أصحاب هذا الرأي من ضغوط إيرانية لإجباره على هذا التنحي، أو بما يعتقد آخرون أن الأصوات الشيعية ستذهب -نتيجة غياب الصدر وتياره- إلى تكتل "دولة القانون" أي إلى المالكي.

قرار الصدر أفقد المالكي وبوقت جد مهم واحدة من أهم أوراق اللعبة الانتخابية، حيث كان المالكي ينوي استغلال بعض ملفات الفساد ضد عدد من قادة التيار الصدري ليسقط التيار وقيادته

وحقيقة الأمر أن الصدر أراد خلط الأوراق وبعثرتها بسبب ما حصل عليه من معلومات مؤكدة لقيام المالكي باستدراج الكثير من قادة التيار الصدري من نواب وسياسيين وبالتالي تثبيت حالات عديدة من ملفات الفساد بحقهم كان سيستخدمها قبيل فترة الانتخابات الفعلية ليسقط التيار وقائده، سمعة ومستقبلا، وهو ما أستدعى إجراء مؤلما وحازما من قبل مقتدى لإنقاذ سمعته الشخصية أولا ثم لإنقاذ ما يمكن أن يعتمده لاحقا للولوج به من جديد للعملية السياسية.

وبهذا الإجراء يكون الصدر قد أفقد المالكي وبوقت جد مهم واحدة من أهم أوراق اللعبة الانتخابية، وفي البيت الشيعي السياسي تحديدا، سيشكل أزمة حقيقية بينه وبين تيار أو كتلة المواطن التي يتزعمها عمار الحكيم، وهو ليس بحال أفضل من الصدر مع المالكي لكنه أقل حدة بسبب طبيعة شخصيته أولا ثم بسبب التأثير الإيراني المباشر عليه.

إن مجريات السياسة الداخلية في العراق تتجه بوضوح ضد توجهات رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي بسبب إشكالات كثيرة، يعلمها كل عراقي، وذكرها الصدر في أسباب اعتزاله.

فإضافة إلى التخلف الذي يهيمن على المشهد العراقي فإن تردي الحالة الأمنية المستمر وسوء الخدمات والتهميش الطائفي والاعتقالات العشوائية واستهداف الدول العربية المحيطة بالعراق باتهامات تضر بمصالح البلد الإستراتيجية، إضافة إلى ارتفاع معدلات الفقر والجهل والمرض وسوء العلاقة مع إقليم كردستان، ثم أخيرا العمليات العسكرية الظالمة والطائفية كما يراها العراقيون ضد سكان محافظة الأنبار بحجة مكافحة الإرهاب، كل هذه العوامل وغيرها جعلت من شعبية هذا الرجل في أدنى حد يتصوره المراقب.

وحتى في داخل الرؤى الشيعية العربية لشعب العراق، وهو ما يشكل فارقا بينه وبين مقتدى الصدر الذي نجح بمد جسور من الثقة والتعاون مع بقية المكونات العراقية، وقلل إلى درجة ما من حمى الطائفية التي يسعرها بين الحين والآخر غريمه المالكي، ولطالما ذكر في خطبه المظالم التي لحقت بالمكون السنّي أو بمكونات الشعب الأخرى دون أن يفرض حتمية حكم العراق لشيعة العراق كحتمية سياسية وإنسانية.

لقد أراد مقتدى الصدر إحداث صدمة، لدى شيعة العراق لعلها تفيقهم من حالة التبعية غير الواعية لمسيرة المالكي وبالتالي لإيران، أو تخرج البقية الباقية منهم (وهم كثر) من حالة اللامبالاة تجاه مجريات الأمور وتحميلهم مسؤولية اختيار من هو أصلح ومن هو ابن العراق ولا يأخذ أوامره من خارج الحدود (والتي قصد بها إيران دون منازع) وإن كان ذكر في خطابه الأخير مفردة (الشرق والغرب) ويعني بها الولايات المتحدة وإيران.

وفي لقاء سابق مع صحيفة "إندبندنت" اللندنية قال الصدر "إنه حاول في وقت سابق ومعه عدد من القادة إخراج المالكي من السلطة، لكنه تمكن من الاستمرار في منصبه بفضل دعم قوى خارجية له، وعلى وجه الدقة الدعم الأميركي والإيراني".

وتأكيدا لفكرة (الصدمة) فإن خطاب الصدر عقب قرار اعتزاله السياسة احتوى دعوة للمواطنين للمشاركة في الانتخابات المقبلة وعد التخلف عنها خيانة للوطن، وقال إن الاشتراك في الانتخابات البرلمانية المقبلة ضرورة وواجب ويجب الاشتراك بها من أجل ألا تقع الحكومة بيد غير أمينة.

تبقى أهم نتائج قرار الصدر هي اعترافه ببطلان العملية السياسية وفقدانها للمصداقية والأهلية، وأنها أسهمت في تعميق الانقسام والاحتراب الطائفي بين العراقيين، وأنها ستقود البلاد لحرب أهلية

وأشار الى أنه سيقف مع الجميع على مسافة واحدة، وبين طيات هذه الكلمات دلالات عدة لمنع المالكي من الحصول على الأصوات اللازمة للفوز بعد أن جرده من إمكانية النيل من خصومه الصدريين من خلال استقالته الأخيرة.

"إن العراق تحكمه ذئاب متعطشة للسلطة والمال مدعومون من الشرق والغرب وجاؤوا من خلف الحدود وتسمع كلام أسيادها وتستخدم القضاء المسيس ضد الشركاء"، "إن حكومة المالكي استأثرت لنفسها بكل شيء، ولا تسمع لأي شريك.. فمن يعارض الحكومة من شيعي أو سني أو كردي يتهم بالإرهاب".
 
هذه العبارات ومثلها قد تكون للمحللين ذات معان واضحة ومسلم ببعضها وإن أتت من زعيم شيعي، لكن الأهم من ذلك أن هذه العبارات تفعل فعلها الأكبر بالناخب العراقي البسيط والشيعي تحديدا والذي يعد الكلام من زعيم ديني بمكانة الصدر وآل الصدر توجيها دينيا لحرمة انتخاب من يحكمون العراق الآن، وأن يختاروا من سيتقدم للانتخابات من غيرهم، وأغلب هؤلاء سيكونون من غيرهم أي من خارج معادلة (حزب الدعوة) و(دولة القانون) التي مثلته طيلة هذه الفترة.

ولعل أشد العبارات التي تزعج رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي هي وصفه بالديكتاتورية، وقد أراد الصدر أن يكرس هذا الوصف حيث قال "لا حياة في ظل حكومة ديكتاتورية".

وتبقى أهم نتائج قرار مقتدى الصدر بالاعتزال وما ذكره من أسباب لهذا القرار هو اعترافه أمام الملأ ببطلان العملية السياسية وفقدانها للمصداقية والأهلية، لأنها -وبحسبه- أسهمت في تعميق الانقسام والاحتراب الطائفي بين أبناء الشعب وأنها ستقود البلاد لحرب أهلية.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة