الانتخابات الكويتية.. مؤشرات ودلائل   
الأحد 30/5/1430 هـ - الموافق 24/5/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:47 (مكة المكرمة)، 13:47 (غرينتش)
غانم النجار


- صيغة دستورية غير مرضية

- انتخابات 2009
- نتائج الانتخابات

انتهت الانتخابات البرلمانية الأغرب في تاريخ الكويت منذ أيام، مثيرة من علامات الاستفهام أكثر مما تطرحه من الإجابات. فمن حيث التسلسل فهي الانتخابات الثالثة عشرة منذ استقلال الكويت عام 1961.

حينها، وبعيد الاستقلال، وبناء على ظروف متنوعة ومتشابكة تقرر أن يكون نظام الحكم في الكويت حكما دستوريا. واستنادا على تلك الظروف الموضوعية والذاتية لم يقم حاكم الكويت آنذاك الشيخ عبد الله السالم باللجوء إلى أن يكون ذلك الدستور بأسلوب المنحة، بل تقرر أن يتم انتخاب مجلس تأسيسي يتولى اقتراح ومناقشة وإقرار الدستور.

وهكذا كان. انتخب المجلس التأسيسي بانتخابات عامة، وتولى مهماته، وخلال سنة واحدة من النقاش المستفيض، وربما الجدل، والخلاف مع بعض ممثلي الأسرة الحاكمة، تم حسم الأمر، وأقر أمير البلاد الدستور بالصورة التي سلمها له رئيس المجلس التأسيسي عبد اللطيف ثنيان يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1962.

ومن ثم أجريت أول انتخابات للبرلمان (يطلق عليه في الكويت مجلس الأمة) عام 1963 استنادا على ذلك الدستور، الذي كان خليطا بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي، وتضمن من حيث الشكل والنص تنازلات واضحة من قبل الأسرة الحاكمة، إذ الأمة هي مصدر السلطات جميعا.

"
الصيغة الدستورية التي تقوم عليها الكويت خلقت حالة من عدم الرضا بين بعض أفراد الأسرة الحاكمة الذين اعتبروا أن ما جرى لم يكن إلا غلطة تاريخية لا بد من إصلاحها عن طريق إلغاء الدستور أو تنقيحه
"
صيغة دستورية غير مرضية

كان واضحا أن الصيغة الدستورية قد صنعت حالة من عدم الرضا بين بعض أفراد الأسرة الحاكمة الذين اعتبروا أن ما جرى لم يكن إلا غلطة تاريخية لا بد من إصلاحها عن طريق إلغاء الدستور أو تنقيحه.

كان ذلك التوجه غير المتوائم مع الدستور يقوى حينا ويضعف حينا، واتضح ذلك من حالات الانكسار الشبيهة بالبتر كتزوير الانتخابات سنة 1967 أو حل المجلس مرتين بصورة غير دستورية في 1976 و1986، إلا أنه يبدو أن تواؤما من نوع ما قد بدأ يطفو على الساحة السياسية منذ انتخابات 1992 وحتى هذه اللحظة من تاريخ الكويت السياسي، إذ لم يتم حل مجلس الأمة إلا استنادا على الدستور.

والمقصود هنا هو الدعوة إلى انتخابات مبكرة، بل إنه منذ 1992 جرت مجموعة من الإصلاحات الهيكلية، سواء على مستوى البرلمان ونظمه ولوائحه أو على المستوى السياسي العام بما في ذلك الأسرة الحاكمة.

فخلال تلك الحقبة تم إلغاء قانون أمن الدولة، كما تم إلغاء قانون التجمعات عبر حكم للمحكمة الدستورية، وتم تقليص عدد الدوائر الانتخابية من 25 دائرة إلى خمس دوائر بواسطة حركة شعبية شبابية، وتم فصل منصب ولاية العهد عن رئاسة مجلس الوزراء.

وخلال أزمة الحكم تم تفعيل قانون توارث الإمارة الذي لعب فيه مجلس الأمة الدور الأساسي، حين أصبح الأمير الحالي للكويت، ربما الأمير الوحيد من أسرة حكم وراثي، الذي تتم تزكيته عبر مجلس منتخب من الشعب، وليس باختيار الأسرة الحاكمة.

كما تم إقرار حقوق المرأة السياسية عام 2005، وكسر احتكار الصحف لتصبح 15 صحيفة بعد أن كانت خمسا فقط، وحرية إنشاء الفضائيات التي أصبحت حتى اليوم حوالي 17 فضائية.

إلا أن الملاحظ هو أن كل هذه الإصلاحات لم تنجح في إنضاج العملية السياسية، خاصة بعد تعيين رئيس الوزراء الحالي الشيخ ناصر المحمد، إذ وصلت حالة الاحتقان السياسي إلى تشكيله ست حكومات خلال ثلاث سنوات، والدعوة إلى ثلاثة انتخابات مبكرة في 2006 و2008 و2009. بل إن الأزمة قد بلغت مداها الأقصى عندما لم يستطع برلمان 2008 أن يكمل سنة واحدة.

وتتلخص الأزمة في عدم قدرة الحكومة على طرح رؤية تنموية متكاملة وتنفيذها وبالمقابل تعسف بعض النواب في استخدام الأدوات الدستورية.

ولما كان شرح مسببات حالة الاحتقان تلك يحتاج إلى مقال تفصيلي آخر، نكتفي بهذا المدخل الضروري لفهم الأجواء السائدة والمؤثرة على انتخابات 2009.

انتخابات 2009
جرت الانتخابات الثالثة عشرة يوم 16 مايو/أيار 2009. وقد جرت كما أسلفنا في أجواء أزمة طاحنة بين بعض نواب المجلس والحكومة، حين تم تقديم ثلاثة استجوابات دفعة واحدة موجهة مباشرة إلى رئيس الوزراء، وعلى إثر ذلك تقدم رئيس الحكومة باستقالته.

وقد ترددت في تلك الأجواء احتمالات كثيرة، كان منها تعطيل الدستور لفترة زمنية معينة يتم فيها إجراء تعديلات على الدستور، أو إعادة دمج منصب ولي العهد بمنصب رئيس الوزراء، إلا أن أمير البلاد في نهاية الأمر انحاز للإبقاء على الوضع الدستوري، فكان أن قام بحل مجلس الأمة والدعوة إلى انتخابات مبكرة خلال 60 يوما.

"
انتخابات 2009 تجرى في أجواء أزمة سياسية خانقة، خلقت حالة من الإحباط العام وشعورا شعبيا بإلقاء اللوم على كل من المجلس والحكومة على حد سواء، مما يؤثر إلى حد بعيد على طبيعة ومستوى المشاركة فيها
"
وهكذا برزت مجموعة من الملاحظات والمؤشرات على تلك الانتخابات:
الملاحظة الأولى هي أنها انتخابات تجرى في أجواء أزمة سياسية خانقة، خلقت حالة من الإحباط العام وشعورا شعبيا بإلقاء اللوم على كل من المجلس والحكومة على حد سواء، ظهرت فيها مصطلحات جديدة كـ"نواب التأزيم"، وبالتالي فإن تلك الأجواء كانت ستؤثر إلى حد بعيد على طبيعة ومستوى المشاركة في الانتخابات، وسادت أجواء سلبية توحي بعزوف الناخبين عن المشاركة في التصويت.

أما الملاحظة الثانية فهي أنها انتخابات تجرى لنفس الناخبين خلال فترة قصيرة نسبيا (عشرة أشهر)، ويحدث ذلك لأول مرة، وبالتالي فإن ذاكرة الانتخابات الماضية ما زالت حاضرة في الأذهان، وهي بالضرورة ستكون عنصرا فاعلا في التأثير على سلوك التصويت واتجاهاته.

والملاحظة الثالثة هي أنها، مع كونها أسرع انتخابات، هي ثاني انتخابات تتم بموجب التقسيم الجديد للدوائر الانتخابية على أساس خمس دوائر بعد إلغاء النظام الانتخابي السابق القائم على 25 دائرة انتخابية، الذي يسمح للناخب بالتصويت لمرشحين اثنين فقط كحد أقصى، بينما يختار الناخب في النظام الخمسي أربعة مرشحين كحد أقصى من أصل عشرة مقاعد.

وقد أحدث استحداث النظام القائم على خمس دوائر إرباكا كبيرا في الحملات الانتخابية نظرا لاتساع رقعة الدائرة الانتخابية وتضاعف عدد الناخبين في الدائرة الواحدة.

والملاحظة الرابعة هي أنها الانتخابات الثالثة التي تشارك فيها المرأة خلال ثلاث سنوات، ومع أن مشاركة المرأة لأول مرة كانت في 2006 فإنها كانت مفاجئة، لكونها انتخابات مبكرة، وبالتالي فإن أول مشاركة جدية للمرأة كانت في انتخابات 2008 التي أحدثت فيها مفاجآت باحتلالها مواقع متقدمة اقتربت فيها من الفوز، وجعلت منها رقما صعبا لم يكن يتوقعه حتى المتفائلون من أمثالي.

والملاحظة الخامسة أنها انتخابات تجرى في هيمنة ملحوظة للإعلام الجماهيري، حيث تم تأسيس قنوات فضائية عديدة خصيصا للانتخابات وزاد عددها عن 18 قناة فضائية، يضاف إلى ذلك وجود 15 صحيفة يومية، والعديد من المواقع الإلكترونية، ووسائل الاتصال الإلكترونية عبر الهواتف النقالة.

وقد سعى المرشحون إلى التركيز على وسائل الإعلام تلك نظرا لاتساع الرقعة الجغرافية للدوائر الانتخابية والتعويل عليها في التواصل مع الناخبين أكثر من الوسائل التقليدية التي اعتاد عليها المرشحون أيام نظام الخمس وعشرين دائرة.

أما الملاحظة السادسة فهي سيادة أسلوب التشهير بالمرشحين، سواء من قبل وسائل إعلام بذاتها أو من خلال قيام المرشحين أنفسهم بالهجوم على مرشحين آخرين، مع أن تلك الممارسة ليست جديدة، إلا أنها تجاوزت الحدود المتعارف عليها.

والملاحظة السابعة هي استمرار الانتخابات الفرعية على أسس قبلية في بعض الدوائر الانتخابية (الدائرة الرابعة والخامسة تحديدا)، وهي انتخابات تصفية أولية تقوم بها القبيلة لضمان عدم تشتت أصوات ناخبيها والتركيز عليهم في الانتخابات العامة.

فعلى الرغم من أن تلك الانتخابات مجرمة بحكم القانون فإنها ظلت تمارس دون توقف، والملاحظ هو أن الحكومة تغاضت عن التعرض لها أو إيقافها كما حدث في انتخابات 2008.

نتائج الانتخابات
الخطوط العريضة لنتائج الانتخابات يمكن تلخيصها على النحو التالي: فوز المرأة للمرة الأولى بعد ثاني محاولة جدية، وانحسار ملحوظ للتيار الإسلامي المنظم، مع تراجع أرقام أو خسارة غالبية نواب مجلس الأمة السابق.

يضاف إلى ذلك تواضع وتراجع نتائج التنظيمات السياسية عموما لحساب المستقلين، ثم بداية تفكك وارتباك التصويت القبلي على الرغم من صموده ظاهريا، وأخيرا زيادة نسبة تمثيل النواب الشيعة.

"
انتهت الانتخابات الأغرب في تاريخ الانتخابات الكويتية إدارة ونتائج، ويبدو أنها تصب في تأكيد مقولة إن علاج عيوب الديمقراطية لا يكون إلا بمزيد من الديمقراطية
"
أما فوز المرأة فلم يأت مفاجأة لي كمراقب، بل إنني كنت قد توقعت فوز المرشحات الأربع بالاسم، مع أن البعض ظل حتى اللحظة الأخيرة يقول بعدم إمكانية فوزهن.

ومع أن المرأة قد شاركت في الانتخابات لأول مرة عام 2006، فإن تلك الانتخابات جاءت على نحو مفاجئ، ولذا فإنها لا يمكن أن تدخل في الحسبان، ولم تترشح آنذاك شخصيات نسائية تذكر بالأساس.

أما انتخابات 2008 التي يمكن اعتبارها الأولى الجدية لمشاركة المرأة، فقد شهدت بداية تغير نحو مشاركة المرأة خاصة أن تنظيما كالتحالف الوطني الديمقراطي رشح امرأة من ضمن قائمته وحصلت على مركز متقدم.

أما في انتخابات 2009 فقد سادت أجواء الانتخابات حالة من القبول بفكرة وصول المرأة للبرلمان، رافقتها رغبة عارمة في التغيير انعكست على وصول أربع نساء دفعة واحدة.

وكان لافتا حصول إحداهن على المركز الأول بفارق كبير وحصول الثانية على المركز الثاني بتفوق في دائرة انتخابية صعبة يتنافس فيها الإسلاميون عادة.

بل إنه تجدر الملاحظة أن مرشحة أخرى لم تتمكن من الفوز، تنتمي إلى قبيلة، خاضت وأدارت حملة انتخابية لفتت الأنظار وحصدت أصواتا غير مسبوقة في دائرة انتخابية مغلقة قبليا.

أما تراجع التيار الإسلامي فلعله جاء نتيجة لعوامل عدة منها تواضع الأداء ومنها تعرض بعض عناصره لحملات إعلامية حادة ومنها ضعف نمط حملاتهم الانتخابية، وسيادة شعور عام بالرغبة في تغييرهم.

إلا أن العنصر الشامل بهذا الصدد هو انتفاء صفة التقديس التي كان الإسلاميون يضفونها على أنفسهم وتحولهم إلى تنظيمات سياسية عادية لها ما لغيرها وعليها ما على غيرها.

ولا يعني هذا بالطبع أن التيارات الإسلامية قد خرجت من المنافسة مستقبلا ولكنها بحاجة إلى مراجعة الذات وإعادة ترتيب الأوراق.

أما بالنسبة لتراجع أو خسارة معظم نواب مجلس الأمة السابق، فيبدو أنها قد تأثرت بحالة الإحباط والشعور بفشل مجلس الأمة في تحقيق الإنجازات المطلوبة منه، وربما ينسحب ذلك أيضا على تراجع أداء التنظيمات السياسية، حيث لم يفلح أي منها في تحقيق تقدم يذكر، بل إن أغلبها تعرض لخسائر موجعة.

كما يلاحظ أيضا أنه على الرغم من استمرار التصويت القبلي في بعض الدوائر الانتخابية عبر التركيز على مخرجات الانتخابات الفرعية القبلية، فإنها شهدت ارتباكا ملحوظا وتعرض بعضها لاختراقات لا يمكن تجاهلها سواء في الدائرتين الانتخابيتين الرابعة والخامسة.

كذلك تلاحظ زيادة عدد النواب الشيعة عما كانت عليه في الانتخابات الماضية، إلا أنه يلاحظ بالمقابل أن النواب الشيعة الذين حصلوا على مراكز متقدمة إنما حصلوا عليها بالأصوات السنية، وهو اتجاه يبدو فيه انحسار جزئي للاعتبار الطائفي في التصويت.

وهكذا انتهت الانتخابات الأغرب في تاريخ الانتخابات الكويتية إدارة ونتائج، ويبدو أنها تصب في تأكيد مقولة إن علاج عيوب الديمقراطية لا يكون إلا بمزيد من الديمقراطية.

ويبقى سؤال أخير عن طبيعة التشكيل الحكومي القادم ومدى قدرته على استيعاب الرسائل التي تواترت من خلال النتائج، فإن لم تنجح الحكومة في استيعاب الدرس، ولم تتمكن من تجاوز الخلل الموجود في بنيتها وأسلوب عملها وعلاقتها مع البرلمان، فإننا مقبلون على أزمة خانقة واحتقان سياسي جديد لا يعلم إلا الله مداه ومساراته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة