ظلال الفرعونية وتحديات الديمقراطية بمصر   
عبد الله الأشعل


الفرعونية مصطلح يقصد به تجبر الحاكم واستبداده، فالفرعون هو من تجاوز الحدود، حتى لا يوجد معارض له، وانفرد بالدنيا والآخرة، وحاز السلطة المطلقة ولذلك بلغ به الأمر حد ادعاء الألوهية.

والثابت في التاريخ المصري القديم أن المصريين اتخذوا من العديد من الأشياء كالظواهر الطبيعية وبعض الحيوانات آلهة، ولم يعبدوا الأوثان.

وتشير اتفاقية قادش -أول اتفاقية مكتوبة في التاريخ الإنساني كما أكد البروفيسور شوارزنبرحر- إلى أن فرعون مصر رمسيس الثالث بعد أن هزم الحيثيين أجداد الأتراك في آسيا الصغرى وقع اتفاقية قادش مع حاتوسيل الثالث ملك الحيثيين وأشهد على نفسه وتوقيعه 3500 من كبار آلهة المصريين كضمان أن الملك المصري سوف يحترم ويطبق هذه المعاهدة.

لا قيمة للمواطن في نظر الحاكم الذي يسعى إلى أن يستسلم المواطن لأقداره بالتدليس والإفقار والوعود والاستخفاف، رغم الفارق الهائل بين أسباب استسلام المصريين لفرعونهم القديم الذي شيد حضارة يعتز بها المحدثون والفرعون الحديث الذى يهدر هذه الحضارة

مؤدى ذلك أنه في المرحلة المتأخرة من التاريخ المصري بدأ المصريون يضفون القداسة بفعل الكهنة على الملوك. وكان الملك الإله يحتكر الحكم والدين معا مما أورثنا الخصائص الخمس الخطيرة الآتية في علاقة الحاكم بالمحكوم:

الخصيصة الأولى: هي أن ألوهية الفرعون -حسبما كشف الحوار بين الفرعون وموسى عليه السلام- ألوهية سياسية بعد أن ضيق عليه موسى في الحوار وأدرك الفرعون ما يعرفه جيدا وهو أن هناك إلها حقا لهذا الكون كله، وأنه يتشبه بالإله في مطلق سلطته.

وللألوهية السياسية تقاليد في مصر، وهى أن المصريين لا يعبدون الفرعون وإنما يسلمون له في كل شيء، فقد قال لهم فرعون إن موسى أجنبي جاء ليصرفكم عن طريقتكم المثلى، وإنه لا إله لكم غيرى، وإننى إله بدليل أن لي ملك مصر وهى معظم العالم المعمور في ذلك الوقت وهذه الأنهار تجري من تحتي، وإنهم يعتمدون عليه كما يعتمد الإنسان على الله عندما يبذر الحب في الأرض ثم يسعى لإرضاء الإله حتى يخرج الزرع.

الخصيصة الثانية: هي أن استسلام المصريين لملكهم بني على أساس أنه إله، وأنه يعطف عليهم ويرعاهم وأن فكرة الألوهية نموذج سياسي خاص نسجه المصريون. وقد أخبرنا القرآن أنهم فضلوا فرعون على موسى ولم يستمعوا له، وربما كان سبب ذلك أنه "استخف قومه فأطاعوه"، فالقرآن يكشف عن حالة التسليم وعدم استخدام العقل ما دام الإله يعقل كل شيء في الحكم والدين، فحذرهم فرعون من موسى "الساحر" وكانوا يستخفون به بهذا اللقب "يا أيها الساحر أدع لنا ربك".

الخصيصة الثالثة: أن العامة هم الجمهور الذي شهد معركة السحر بين موسى والسحرة، ولذلك كان من الخطورة أن يهزم السحرة وأن يؤمنوا برب موسى وهارون، ولذلك لجأ فرعون إلى أقصى تهديد ونفذه بأن قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولكنهم استخفوا بالعقوبة وقالوا اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا.. وهم على ثقة بأن موسى نبي الله وأن فرعون يدعى الألوهية.

ولذلك حذر فرعون الجمهور في هذه المنازلة الخطيرة التي تدور حول الأساس السياسي لشرعية حكمه، فإن زالت عنه صفة الألوهية سقط في أعين الناس الذين استسلموا تماما ولم يصدقوا موسى الذي قال عنه فرعون إنه جاء ليفسد عليهم حياتهم المثالية وهي طبيعة العلاقة بين الشعب والملك الإله. 

يسجل القرآن أن المصريين وقتها تميزوا بالاستسلام لملكهم وعطلوا عقولهم فلم يستمعوا إلى موسى ما دام الملك الإله يوفر لهم الحياة الكريمة ويتسم بالعدل.

ولم يجد موسى نقائص دنيوية في فرعون حتى ينزع ثقة المصريين في ملكهم، وما كان له ذلك، لأنه لم ينازعه في ملكه وإنما نازعه في ألوهيته التي حكم بها الناس من دون الله. ولذلك فزع فرعون خوفا من انصراف العامة وسقوطه في نظرهم ما دامت المهارة في السحر هي مفصل المعضلة في النهاية، فمن ينتصر على الآخر في السحر رجحت كفته وهلك الآخر.

ما زال المصري يحمل بقايا قدسية الحاكم وشيئا من الخضوع لألوهيته، ولذلك يصعب عليه أن يتحدى حاكمه خاصة وأن فقهاء السلطان قد بنوا على الفرعونية التاريخية فرعونية إسلامية وهي أن الحاكم هو ولي الله حتى لو ضرب أعناق الناس

ولو كان موسى قد هزم (حاشا لله) لذبح أمام الناس وألصقت به تهم التآمر الخارجي والحسد والغل خاصة وأن موسى ينتمى إلى بني إسرائيل الذين كانوا قد جلبوا إلى مصر منذ أيام يوسف عليه السلام، ولضاعت معه رسالته، ولكن الله زوده بأدوات المنعة، وكان الله معه ومع أخيه هارون "يسمع ويرى" ثم إنه سبحانه صنع موسى على "عينه" فلم يترك ثغرة يسقط منها موسى في هذا الاختبار الدقيق.

الخصيصة الرابعة: أن استسلام المصريين للملك الإله في كل شيء أعماهم عن أن يفكروا لأن فرعون صادر العقل وهو أداة التمييز بين الحق والباطل ولذلك ذمهم القرآن الكريم بأنه كلما استخف بهم فرعون ازدادوا تعلقا به، ووصفهم القرآن بأنهم قوم فاسقون، وتولى عقابهم على التفصيل الذى حفلت به قصة موسى والتي توزعت بين أكثر من ثماني سور في القرآن الكريم.

الخصيصة الخامسة: مؤداها أنه لا يزال أثر الفرعونية وخصائصها عالقة في علاقة الحاكم بالمحكوم حتى الآن، وذلك في الصور الثماني الآتية:

أولا: أن المواطن لا قيمة له في نظر الحاكم الذي يسعى إلى أن يستسلم المواطن لأقداره بالتدليس والإفقار والوعود والاستخفاف، رغم الفارق الهائل بين أسباب استسلام المصريين لفرعونهم القديم الذي شيد حضارة يعتز بها المحدثون والفرعون الحديث الذي يهدر هذه الحضارة حتى ظن الناس أن لا صلة بين مصر الفرعونية ومصر الأخرى الراهنة.

ثانيا: أنه ما زال المصري يحمل بقايا قدسية الحاكم وشيئا من الخضوع لألوهيته، ولذا يصعب على المصري أن يتحدى حاكمه خاصة وأن فقهاء السلطان المسلمين قد بنوا على الفرعونية التاريخية فرعونية إسلامية وهي أن الحاكم هو ولي الله الذي تجب طاعته في المنشط والمكره ولا يجوز الخروج عليه حتى لو ضرب أعناق الناس، مع العلم أن الإسلام الحق ربط بين طاعة الحاكم وبين أن يراعى الحاكم الله في رعيته "فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" وهو عين ما فعل المصريون القدماء مع فرعون وموسى.

وقد وضع الخلفاء الراشدون القاعدة: لقد وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.

ثالثا: فإذا كان المحكوم فرعونيا لا يسيغ الثورة على الحاكم الظالم في العصر الحديث، فإنه لا يصلح إلا لمعارضته المستأنسة كما فعل السادات بوضوح. فلا الحاكم مؤهل للحكم الرشيد كما لا يتحمل المعارضة، ولا المحكوم مستعد ومؤهل للمعارضة السليمة لحاكم لا يجيد فنون الحكم الرشيد الديمقراطي.

الشعب المصري جاهز للديمقراطية إذا تخلص من الفرعونية التاريخية والفرعونية الإسلامية، فليس صحيحا أن الإسلام ضد الديمقراطية إلا في خيال دهاقنة السلطان وبطانته الدينية التي اخترعت التناقض مع الإسلام والدولة، بين الدولة والدين، أو بين الدنيا والآخرة

رابعا: تحالفت الفرعونية القديمة مع الفرعونية الإسلامية التي أرساها المنتفعون المتاجرون بالدين من فقهاء السلطان وغيرهم لكى تقف عثرة في الثقافة السياسية المصرية في فقه الثورة والحكم الديمقراطي. ولذلك لم يكن غريبا أن يعبث الحاكم الذي أخذ من فرعون الاستبداد دون بناء الحضارة والعدل، كما لم يكن غريبا أن يطمئن هذا الحاكم إلى هذا البعد التاريخي والثقافي، كما بادر فقهاؤه وحواريوه إلى تحصينه ومهاجمة كل من يثور أو يتجرأ عليه.

خامسا: لهذا السبب التبس عند الناس الصواب والخطأ، والأساس الديني والأساس الثقافي التاريخي خاصة وأن الحكام عبر العصور أدركوا أن الشعب لن يكون طرفا في معادلة الحكم والثروة وأنه لا بد من تخديره وتجهيله وقهره حتى يسهل حكمه، وأن يتعلق بصره ويعتمد دائما على السلطة في كل شيء، خاصة بسبب الطابع النهري في حياة المصريين كما يقول جمال حمدان.

سادسا: أن ثقافة المصريين وتربيتهم لا تسمح بالحرية من أي نوع. فالطفل يظل معتمدا على ثدي أمه أكثر من عامين ثم تظل أمه تحدد له ما يأكل وما يرى وما يقول، ولا تدربه على الموقف عندما تتنوع مصادر ومواد معرفته وأيها يأخذ ويدع، ثم تولي نظام التعليم والتلقين تكريس هذه الخاصية.

ولذلك، فإن الحديث عن الحرية والديمقراطية دون إعداد تصور شامل للطفل منذ ولادته لثقافة شاملة وحدود الحرية وأساليب الحوار وطرق الاختلاف والاعتراض، هو لغو وفتح لمعارك جانبية وليس من مصلحة الحاكم ولا زبانيته أن يغادر المصريون فرعونيتهم المركبة: القديمة والإسلامية.

سابعا: لا يتصور وجود إسلام سياسي ويستحيل الفصل بين الإسلام والسياسة وهذا الفصل حق أريد به باطل، وستظل من أهم معوقات الديمقراطية عدم النقاء في فهم الدين، والالتواء في التظاهر بوجود السياسة، وجوهر المسألة هي الجدية ومفارقة الفرعونية التاريخية والإسلامية التي تبرر الاستبداد، وضرورة تثقيف الناس، وقبول الآخر والحوار معه وهي اللبنات الأولى في أي نظام ديمقراطي.

ثامنا: الشعب المصري جاهز للديمقراطية إذا تخلص من الفرعونية التاريخية والفرعونية الإسلامية، فليس صحيحا أن الإسلام ضد الديمقراطية إلا في خيال دهاقنة السلطان وبطانته الدينية التي اخترعت الإسلام السياسي والتناقض مع الإسلام والدولة، بين الدولة والدين، أو بين الدنيا والآخرة، فصار للحاكم الدنيا وللشعب الآخرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة