الجيش والإرهاب والدين في مصر   
الاثنين 26/10/1434 هـ - الموافق 2/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:35 (مكة المكرمة)، 12:35 (غرينتش)
محمد الجوادي



أفرط الانقلابيون في مصر في الحديث عن كثير من الأوهام التي لجؤوا إليها من قبيل أنهم يخوضون حربا ضد الإرهاب وليس ضد السلطة الشرعية المنتخبة، لكن الأسابيع الماضية مرت سريعة وثقيلة عليهم وعلى مصر جميعها.

ومع الوقت اكتشف الشعب المصري والإعلام العالمي أن الجيش استدعى "الدين" بطريقة سافرة ومكشوفة في شحن الجنود البسطاء ضد السلطة الشرعية وضد الاعتصام المدني، وظهرت الفيديوهات المصورة في مكان واحد وهي تعلن للجنود أنهم يخوضون حربا شرسة للحفاظ على الدين على طريقة تستند إلى فتوى هؤلاء الشيوخ الذين بدا أنهم يتمتعون بطلاقة اللسان المضلل، وطلاقة القدرة على الفتوى بالضلال، وجاء ثالثهم وهو داعية عصري صنعه أمن الدولة على عينه ليتحدث بشبق وتشنج عن البدلة العسكرية وكأنها لباس التقوى الذي يرتفع بصاحبه منذ اللحظة الأولى لارتدائه.

وهكذا فإن على أصحاب هذه الكسوة الشريفة! أن يدحضوا بأنفسهم وأرواحهم "زيف" الإخوان المسلمين الذين كانوا في الحكم عن طريق الصناديق وكان صاحبنا نفسه قد ظل يتودد إليهم ويسير في ركابهم بكل ما أوتي من قوة.

إذا أرادت القوات المسلحة بعد شهر واحد أن تعود عن سياسة الانقلاب العسكري فما عليها إلا أن تستدعي ثلاثة دعاة آخرين يقومون بالمهمة المطلوبة نظير أجر محدد غير قابل للتكرار

كما كان في الوقت نفسه يسرب من أخبار اجتماعاتهم ما يعود عليه بالنفع هنا أو هناك، وهو نفع مادي على كل حال، لكنه يستند إلى معنويات صناعية بالغة الإتقان والتمثيل. أما الرجلان الأولان فقد كانا ولا يزالان موتورين من 25 يناير/كانون الثاني 2011 وما حدث فيه وبعده، ويكفيهما أنهما فقدا مكانتهما بعد أن مضت عجلة تلك الثورة المجيدة خطوات إلى الأمام.

رأى البعض في سلوك إدارة التوجيه المعنوي خطأ جديدا لم تكن هذه الإدارة تلجأ إليه فيما مضى من سنوات حكم العسكريين، حتى إن هذه الإدارة احتفظت لنفسها في النهاية بمجموعة خاصة من الوعاظ ورجال الدين يعملون لها وحدها ويتولون لها وعنها أمور الدين التقليدية التي لم تكن تعني رجال العسكرية من قريب أو من بعيد.

لكن نجاح جماعة الإخوان المسلمين وغيرها مما سمي بجماعات الإسلام السياسي دفعت العسكريين ومستشاريهم الإستراتيجيين إلى البحث عن مكان تحت سقف هذه "الموجة الجديدة" من "موجات" السياسة أو تجلياتها الحداثية.

كانت القوات المسلحة في بداية حكم العسكر (1952-1967) حريصة على أن يكون العمل معها مدعاة للفخر والزهو والربح المادي، والارتباط العضوي الذي يجعل المهندس الضابط أعلى قيمة من المهندس غير الضابط.

لكن هذه النعرة اختفت بعد هزيمة 1967 مع احتفاظ القوات المسلحة بالكوادر الفنية التي كانت قد تكونت عبر الفترة من 1952 وحتى 1967، وقد ظلت هذه الكوادر صالحة للعمل المتميز في بداية التسعينيات حسب التاريخ البيولوجي والعمري لأبناء هذه المرحلة الذين يعود ميلاد أغلبهم إلى 1930 وما حولها ويبلغون سن التقاعد في حدود 1990 وما حولها.

لكن القوات المسلحة منذ 1991 (وهو تاريخ تولي المشير طنطاوي وزارة الدفاع) وحتى الآن أصبحت تفضل أن تستعين بأصحاب المهن الفنية (ومن أبرزها الميدان الطبي) على طريقة أجر محدد نظير عمل مؤقت، وهو ما يعني مثلا أن يكون رئيس قسم العيون في المستشفى العسكري الكبير طبيبا أو طبيبا لواء متقاعدا ينتدب متعاقدا للعمل في هذه الوظيفة لوقت محدد (عاما بعد عام ويتم التجديد أو عدم التجديد) دون أن تكون له علاقة عضوية بالقوات المسلحة.

صحيح أن بعض هؤلاء المتعاقدين من الضباط الأطباء السابقين الذين وصلوا سن التقاعد، لكن هذا لا يمنع بالطبع أن يكون هناك آخرون من غير هؤلاء.

أي أن الضباط المتقاعدين هم شريحة واحدة فقط من المتعاقدين الذين يمكن أن يكونوا أساتذة جامعة أو أطباء أحرارا أو أطباء هيئات.

ربما تكشف الأسابيع القادمة عن آثار رد الفعل المبالغ فيه حين يكتشف الجندي البسيط أنه سيق إلى نار الدنيا ونار الآخرة من أجل أن يحصل داعية ما على عدة آلاف من الجنيهات

ومع ما في هذه السياسة من إبقاء روح المؤسسة فإنها كانت ولا تزال تضمن لضباط القوات المسلحة نوعا من التميز الدائم في المؤسسة التي يعتقدون بانتمائها لهم وليس العكس.

وقد جاءت استعانة القوات المسلحة أخيرا بشيوخ الفتوى أو دعاة الفتوى (وفي قول آخر: الفتنة) لتمثل التجلي الأكبر لهذه السياسة التي يطلق عليها في علوم الإدارة "أجر محدد مقابل عمل محدد".

وفيما يبدو وحتى هذه اللحظة فإن هذه السياسة قد أثبتت نجاحا ساحقا وقابلا للتكرار على نحو أو آخر، فعلى سبيل المثال فإن القوات المسلحة إذا أرادت بعد شهر واحد أن تعود عن سياسة الانقلاب العسكري فما عليها إلا أن تستدعي ثلاثة دعاة آخرين يقومون بالمهمة المطلوبة نظير أجر محدد غير قابل للتكرار.

وبنظرية علوم الإدارة والتسويق فما أروع هذه السياسة الموفرة للتكاليف إلى هذا الحد المذهل، والمحققة للنجاح إلى هذا الحد المذهل أيضا.

بيد أن علوم الاجتماع لها رأي آخر يجعلها تختلف عن علوم الاقتصاد في هذه الجزئية، ومن حسن الحظ أن الصواب يقع في منطقة علوم الاجتماع التي تجاهر بالخطورة القاتلة لمثل هذه السياسة التي تجلب من الآثار السلبية أضعاف ما يبدو من مزاياها الظاهرة.

وربما تكشف الأسابيع القادمة عن آثار رد الفعل المبالغ فيه حين يكتشف الجندي البسيط أنه سيق إلى نار الدنيا ونار الآخرة من أجل أن يحصل داعية ما على عدة آلاف من الجنيهات قد تصل إلى المليونات لكنها لن تصل إلى المليونيات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة