ماذا فعلت سياسة فرّق تسد بالعراق والعراقيين؟   
السبت 26/1/1429 هـ - الموافق 2/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 23:02 (مكة المكرمة)، 20:02 (غرينتش)


ياسر الزعاترة

لا يمر شهر، وأحياناً أقل من ذلك، إلا ونسمع عن تحالف جديد أو بيان مشترك بين عدد من الكيانات السياسية العراقية، بينما تتواصل تحت السطح معارك متعددة الأشكال والألوان، وكثير منها بالسلاح بين تلك الكيانات والمجموعات، الأمر الذي أخذ يتصاعد على نحو لافت خلال المرحلة الأخيرة.

والحال أن سياسة فرّق تسد الإنجليزية الشهيرة قد غدت كلمة السر في التعاطي الأميركي مع الشأن العراقي، مع العلم أن السياسي الأميركي الصهيوني الشهير مارتن إنديك كان قد نصح بها إدارة بوش بعد شهور قليلة على الاحتلال، على أن تطبيقها على هذا النحو الأكثر احترافاً قد استغرق وقتاً لا بأس به تمكن الأميركان خلاله من الغوص في دهاليز الحالة السياسية واكتشاف معظم تفاصيلها وتناقضاتها.

ولو تابعنا الأداء السياسي الأميركي منذ مجيء الاحتلال إلى الآن لوجدناه يتطور شيئاً فشيئاً في سياق فهمه لتناقضات الساحة العراقية، الأمر الذي يمكن للمراقب أن يلمسه من خلال كتاب بول بريمر والآراء التي تنطوي على بعض الدقة في تقييمه لعدد من السياسيين العراقيين.

"
لو تابعنا الأداء السياسي الأميركي منذ مجيء الاحتلال إلى الآن لوجدناه يتطور شيئاً فشيئاً في سياق فهمه لتناقضات الساحة العراقية، الأمر الذي يمكن للمراقب أن يلمسه من خلال كتاب بول بريمر والآراء التي تنطوي على بعض الدقة في تقييمه لعدد من السياسيين العراقيين
"
مع العلم أن واقع التعاطي الأميركي مع الشأن العراقي قد أثبت أن ساسة واشنطن لم يكونوا يملكون الحد الأدنى من الخبرة في شؤون البلد، عندما قدموا إليه محتلين.

للوهلة الأولى تبدو الساحة العربية السنية هي الأكثر استجابة لسياسة فرّق تسد، لكن مزيداً من التدقيق في المشهد برمته لا بد سيظهر أن الساحة الشيعية قد استجابت هي الأخرى للسياسة المذكورة، وإن على نحو أقل حدة من نظيرتها السنية.

وحدها الساحة الكردية التي نجت من مفاعليها ربما لأن الأميركان لم يشتغلوا عليها، وبالطبع لأن جميع فرقائها يبدون تبعية للهواجس الأميركية من جهة، ومن جهة أخرى لأن ثارات الأكراد مع العرب قد وحدتهم على نحو من الأنحاء، من دون أن ينفي ذلك ما يمور تحت السطح في الساحة الكردية من سخط على الحزبين الكبيرين اللذين تتميز قيادتهما بالكثير من الفساد.

ولولا وجود ملفات كثيرة عالقة، على رأسها قضية كركوك بين الأكراد والعرب، لبدأت مسيرة الانفجار الشعبي الكردي في وجه مسعود البارزاني وجلال الطالباني. مع العلم أن أمراً كهذا لا بد له من دعم خارجي، الأمر الذي لا يتوفر في الوقت الحالي بسبب الرضا الأميركي عن مسار القيادتين في أربيل والسليمانية.

ولا ينبغي إغفال حقيقة أن الاستهداف الأميركي للساحة العربية السنية قد جاء نتاجاً لكونها الأكثر استنزافاً للاحتلال؛ هي التي احتضنت خيار المقاومة، بما في ذلك طبعاتها الأكثر تشدداً ممثلة في تنظيم القاعدة.

في حين انحصرت مشكلة الساحة الشيعية في التيار الصدري الذي لم يشكل عقبة كبيرة في واقع الحال في ظل تعاون الكيانات الأخرى، بما في ذلك المراجع الدينية الرئيسة ضده، أقله من أجل جذبه بعيداً عن مسار المقاومة المسلحة للاحتلال.

خلال العام الماضي اشتبكت الساحة العربية السنية مع بعضها البعض على نحو مريع، لعله الأسوأ على الإطلاق منذ مجيء الاحتلال. وإذا كان البعض قد رد ذلك إلى سلوك تنظيم القاعدة، فإن القوى الأخرى في الساحة لم تكن بريئة من ذنبه، إذ تورطت هي الأخرى في توفير الأرضية الخصبة للاشتباك.

لا خلاف على أن سعي تنظيم القاعدة إلى فرض نموذجه أو مشروعه (دولة العراق الإسلامية) على الآخرين قد تسبب في دماء كثيرة وتفريق للجموع وتشتيت للجهود، لكن أطرافاً أخرى ساهمت في ذلك، يتصدرها المغامرون الذي منحوا الشرعية لعملية سياسية حشرت العرب السنة في دائرة الأقلية، وجعلتهم كالأيتام على موائد اللئام يتسوّلون حصة بائسة في حكومة طائفية يقودها نوري المالكي، ويطرقون باب جلال الطالباني كي يضغط من أجل تحسين أحوالهم.

وعندما فشلوا لم يجدوا غير إلقاء كل بيضهم في سلة الاحتلال متجاهلين حقيقة مشروعه، ومتجاهلين حقيقة أنه لن يبيع حلفاءه من القوى الشيعية تبعاً للتداعيات الكبيرة لخطوة من هذا النوع، ومتجاهلين أيضاً مصير المتعاونين مع المحتل كما تحكيها تجارب التاريخ.

كان الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الشيخ حارث الضاري قد دعا إلى الحوار مع تنظيم القاعدة لأن معظم عناصره من العراقيين، وكان في الإمكان التوصل بالفعل إلى صيغة تفاهم معه بعد أن غدا في مواجهة جميع قوى المقاومة والقوى العشائرية. لكن الآخرين هم الذين اختاروا مسار القتال الشامل، الأمر الذي كرّس ارتماءهم في أحضان المحتل ودفع بعضهم إلى الارتزاق من ماله الحرام والقتال من على ظهر دباباته وبجوار جنوده.

من هنا يصعب القول إن القوى التي أسست لبرنامج (الصحوات العشائرية) كانت مسكونة بالرد على القاعدة حتى لو حضر هذا البعد في وعيها، إذ أن البعد الأكثر أهمية لسلوكها هو ذلك المتمثل في الردة عن برنامج المقاومة والشروع في التعاون مع المحتل على أمل تحصيل وضع أفضل على حساب الخصوم من القوى الشيعية، وهو ما تم بإيحاء من رموز الاحتلال كما يدرك المعنيون.

"
أدى برنامج الصحوات إلى تحول أساسي في بوصلة العرب السنة من دعم المقاومة ومنحها الحاضنة الضرورية للاستمرار، إلى الانقلاب عليها بشكل من الأشكال وإن لم يشمل ذلك جميع القوى
"
ربما كان الدفاع عن بعض المناطق أساسياً فيما جرى لاسيما بعد تورط القاعدة في استهداف العديد من الرموز بتهمة التعاون مع الاحتلال، متجاهلة الأبعاد العشائرية للمناطق التي تعمل فيها والتي لم تكن لتقتنع أن رموزها عملاء فضلاً عن أن تسمح بقتلهم.

لكن ذلك لم يكن ليدفع نحو تحويل الملف برمته إلى عنوان لترك المقاومة والتعاون مع المحتل.

لقد أدى برنامج الصحوات إلى تحول أساسي في بوصلة العرب السنة من دعم المقاومة ومنحها الحاضنة الضرورية للاستمرار، إلى الانقلاب عليها بشكل من الأشكال وإن لم يشمل ذلك جميع القوى.

وفي هذا السياق ينبغي الاعتراف أن القاعدة هي الأكثر استهدافاً للاحتلال، وإلا لما طاردها بقاذفات (بي 1) العملاقة، لكنها تخلط ذلك باستهداف المدنيين غير المقاتلين، الأمر الذي عزز فقدانها الحاضنة الشعبية، من دون أن يعني ذلك أن القوى الأخرى قد تخلت عن المقاومة، إذ ما زالت فاعلة وإن بقدر أضعف من نشاطها القديم.

هنا يمكن القول إن هيئة علماء المسلمين -ومعها بعض قوى المقاومة- ما زالت تحافظ على بوصلتها الصحيحة برفضها أية مصالحة مع المحتل، في ذات الوقت الذي ترفض فيه أي شكل من أشكال استهداف الأبرياء.

ما يجب التذكير به في هذا السياق هو المصير الذي ينتظر ما يعرف بالصحوات العشائرية، ذلك أن "الإنجازات" التي حققتها بشهادة المحتلين لم تدفع إلى مكافأتها على النحو الذي توقعته أو توقعه القائمون عليها.

إذ رفضت حكومة المالكي دمجها في الجيش والأجهزة الأمنية، والسبب هو أن الإنجاز الأكبر بالنسبة للعقل الطائفي العراقي يتمثل في السيطرة على الجيش وبدرجة أكبر على الأجهزة الأمنية، وهو لن يسمح بإعادة التوازن إليها من خلال دمج مليشيات الصحوة فيها.

وهكذا باتت تلك المليشيات رهينة انتقام القاعدة، فيما أخذت تتمتع بقدر كبير من الرفض في الأوساط العربية السنية تبعاً لتحول عناصرها إلى أعمال "البلطجة" من أجل تحصيل الأموال أو لأغراض الثأر وإخضاع الآخرين.

في الساحة الشيعية فعلت سياسة فرّق تسد فعلها أيضاً، وما الانسحابات المتوالية من حكومة المالكي سوى شاهد على ذلك (حزب الفضيلة، التيار الصدري، القائمة العراقية) فضلاً عن الخلاف حول مشروع الفدرالية، إلى جانب الصراع المسلح على نفط الجنوب وعوائد المراقد ومعها المناصب والمكاسب الأخرى، وقد جاء البيان الشهير لمئات من الفعاليات والرموز في الجنوب والذي استهدف إيران بالنقد ليعكس جزءاً من ذلك التشتت الذي تعيشه الساحة.

يبدو التيار الصدري واحداً من أهم القوى التي اشتغلت عليها سياسة فرّق تسد، إذ استـُهدف عدد من رموزه بلعبة الاستدراج والبيع والشراء، الأمر الذي ساهم في المزيد من إرباك أدائه السياسي وقفزه من مربع إلى آخر، وتحويل عناصره من جبهة إلى أخرى.

ولعل من العبث رد ذلك إلى محدودية القدرات السياسية للسيد مقتدى، إذ أن مثل هذه الألعاب كثيراً ما تنجح حتى مع القوى ذات الخبرة والقيادة المركزية القوية.

نفتح هنا جملة معترضة لنشير إلى محاولة الأكراد اللعب على التناقضات بين القوى السياسية الشيعية والسنية من أجل السيطرة على كركوك، ومن أجل تعزيز مكاسب المنطقة الكردية على حساب الحكومة المركزية وما تبقى من العراق، الأمر الذي تبدى من خلال انقلاب البارزاني والطالباني على اتفاقهم مع الحكيم والمالكي ومن ثم توقيعهم لاتفاق مع زعيم الحزب الإسلامي طارق الهاشمي.

"
لعل الخطر الأكبر الذي يتهدد الساحة العراقية برمتها هذه الأيام هو أن سياسة فرّق تسد قد خففت العبء عن القوات الأميركية بسبب تراجع المقاومة، فيما قد تمنح واشنطن فرصة الحصول على تشريع لوجود عسكري دائم لها في العراق من خلال قواعد عسكرية تتحكم بالبلد
"
لعل الخطر الأكبر الذي يتهدد الساحة العراقية برمتها هذه الأيام هو أن سياسة فرّق تسد قد خفّفت العبء عن القوات الأميركية بسبب تراجع المقاومة، فيما قد تمنح واشنطن فرصة الحصول على تشريع لوجود عسكري دائم لها في العراق من خلال قواعد عسكرية تتحكم بالبلد.

ولا قيمة هنا لكلام وزير الدفاع الأميركي النافية لنوايا وضع تلك القواعد. وفي حين تندر المقاومة في المناطق الشيعية، فإنها لم تعد كما كانت عليه في المناطق العربية السنية.

لا يعني ذلك بالضرورة أن قراراً قد اتخذ بتخفيف وتيرتها لاعتبارات سياسية، لكن المؤكد أن بعض القوى قد حولت جهدها في اتجاه القاعدة، فيما ساهمت حوارات بعضها الآخر السرية مع الأميركان في ضرب تماسكها الداخلي، وبالتالي غياب الوحدة الضرورية لاستمرار المقاومة بوتيرة معقولة.

كل ذلك يفتح الأفق من جديد على فرصة لنجاح مشروع الاحتلال، الأمر الذي يضر بالعراق؛ أولاً، إذ يبقيه تحت الوصاية العسكرية الأميركية بصرف النظر عن صيغتها المعلنة، فيما يضر أيضاً بإيران وبالمحيط العربي أيضاً.

ومن هنا لا بد أن نعيد القول إنه من دون توافق عربي إيراني على سياسة حكيمة للتعاطي مع الشأن العراقي، فإن الخسارة ستكون من نصيب الجميع.

وفي حين يتخبط السياسيون من الشيعة والعرب السنة في سياق تسابقهم على الحضن الأميركي، تبدو هيئة علماء المسلمين شاهدة على الجميع ببوصلتها السياسية الواضحة، ومعها وإلى جانبها عدد من قوى المقاومة التي تصر هي الأخرى على مواصلة الفعل ورفض أي تعاون مع المحتل تحت أي لافتة كانت.

ولا شك أن ذلك وحده هو ما يمكن أن يفشل برنامج الاحتلال القائم على تكريس الهدوء الأمني، ومن ثم الانتقال إلى قواعد عسكرية يتحكم بالبلاد من خلالها مستفيداً من تعميق الشروخ بين أبنائها.
ــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة