عرفات وأبو مازن.. أزمة عابرة أم دائمة؟   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


* بقلم/ياسر الزعاترة

عرفات في مرحلة الضعف
أبو مازن رئيسا للوزراء ونداً لعرفات

معركة الصلاحيات
المعضلة إلى أين؟

من الصعب الحديث عن المعركة القائمة بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس وزراءه محمود عباس "أبو مازن" دون الخوض في شخصية الأول وطريقة تعامله مع منظمة التحرير الفلسطينية والقضية الفلسطينية، ومع أقرانه داخل المنظومة الفلسطينية منذ الستينيات ولغاية الآن.

فزعامة منظمة التحرير الفلسطينية والشعب الفلسطيني كانت هاجس عرفات الأساسي في كل حركته السياسية داخل الأطر الفلسطينية وخارجها، منذ أن أصبح رئيساً لها في منتصف الستينيات، حيث لم يكن يسمح لأحد بأن يمس تلك الزعامة أو ينتقص منها، وتعددت أسلحته في الحفاظ على هذه الزعامة، فبعضها داخلي وبعضها خارجي.

الذي لا شك فيه هو أن الرضى المصري كان بالنسبة لعرفات هو الملاذ الذي يقيه العثرات ويحافظ على زعامته. وعندما نقول الرضى المصري فنحن نتحدث عن مرادف ما للخضوع لسياسة ذلك القطر الكبير. أما الجانب الآخر، فهو ما يجلبه ذاك الرضى من غطاء عربي أوسع، وإن لم يصل حدود الغطاء العربي الشامل بوجود جبهة رفض عربية تراجعت في الأعوام الأخيرة.

والمؤكد أن لا أحد يمكنه الحصول على زعامة الشعب الفلسطيني والمحافظة عليها في ذات الوقت الذي يدير فيه الظهر لمصر. وقد تأكدت هذه النظرية أكثر في عهد الرئيس المصري حسني مبارك الذي نسق علاقته مع المحيط العربي على نحو معقول، لا سيما مع السعودية بعد أن اعترف لها بزعامة الخليج، ومع سوريا بعدما اعترف لها بحق وجودها في لبنان.

من هنا جاء عنصر القوة الأساسي لعرفات، أما العنصر الآخر فيتصل بداخل منظمة التحرير الفلسطينية، ولا شك في أن وجود المال بين يديه كان واحداً من أهم مصادر القوة، خاصة إذا علمنا أنه ما من ثورة في التاريخ حازت على قدر من القوة المالية كما حصل مع منظمة التحرير، لاعتبارات الصراع وحساسيته الإقليمية والدولية، وقبل ذلك العربية والإسلامية.

بسطوة المال كان عرفات الأقوى، وهو عن طريق المال جعل الآخرين رهن يديه تاركاً للتناقضات فرصة التراكم بينهم، فيما يتوافد الجميع إليه لحل المعضلات. وبذلك كان أشبه بالزعيم الذي يستمد قوته من ضعف الخصوم، والأهم من ذلك تناقضهم، فيما هو رجل "كاريزماتي" يملك قدرة فائقة على العمل والعطاء.


عنصران أساسيان حققا لعرفات ضمانا لاستمرار زعامته وهيمنته على حركة فتح والقضية الفلسطينية هما الرضى المصري عنه وهيمنته على أموال منظمة التحرير الفلسطينية
عرفات في مرحلة الضعف

طوال عقود تواصلت معادلة القوة لعرفات في الداخل الفلسطيني، لاسيما داخل منظمة التحرير التي بقيت رهن يديه يحركها كيف يشاء وعلى مختلف الصعد، واستمر الحال على هذا المنوال على تفاوت بين مرحلة وأخرى، كان من بينها مرحلة ضعف واضحة كما حصل عام 1982 وحتى أوسلو. عادت مرحلة القوة حتى شهر أبريل/نيسان 2002 عندما أنهى مرحلة حضور شعبي واضح، بسبب تصعيد المقاومة ضد الاحتلال، بتوقيع اتفاق ذليل لم يؤد إلى خروجه من دائرة الحصار، بل كان إيذاناً بمرحلة أسوأ، عنوانها الإصرار على عزله أو تهميشه إسرائيلياً وأميركياً.

كانت سطوة القوة الأميركية تزداد على الوضع الدولي الذي أخذ يتراجع أمام مطالب تهميش عرفات تحت عنوان إجراء إصلاحات في السلطة الفلسطينية، كان واضحاً أن لا هدف لها غير وقف المقاومة والحصول على زعامة فلسطينية جديدة أكثر طواعية للبرنامج الإسرائيلي الأميركي. ووصل الإذلال حداً صعباً عندما جرى تحديد اسم الشخص الذي يجب أن يكون رئيساً للوزراء، بل واسم الشخص الذي ينبغي أن يتسلم حقيبة المالية وكذلك الأمن.

كانت التهديدات الواردة للرئيس قاسية إلى حد كبير، حتى إن مبعوثين أوروبيين هددوه بالنفي وحتى القتل على يد شارون. أما المرجعية العربية التي كان عليها أن تسند الرجل فقد كانت في أسوأ أحوالها حيث لم تفعل له شيئاً وتركته نهب الضغوط والتهديدات، بل ساهمت فيها في بعض الأحيان بسبب الضغط الأميركي أيضاً.


سطوة القوة الأميركية فرضت على المجتمع الدولي أن يتجاوب مع مطالب تهميش عرفات لإجراء إصلاحات في السلطة تهدف إلى وقف المقاومة والحصول على زعامة جديدة أكثر امتثالا للبرنامج الإسرائيلي الأميركي
أبو مازن رئيسا للوزراء ونداً لعرفات
خضع عرفات وأجرى الإخراج "البروتوكولي" المطلوب لتعيين محمود عباس رئيساً للوزراء، وفيما حاول طويلاً الحيلولة دون استلام محمد دحلان مسؤولية الأمن فإنه اضطر للخضوع أيضاً، ومرة أخرى بتدخل مصري.

هنا أدرك عرفات أنه بإزاء معركته الحاسمة، فإما أن تكون المعركة الأخيرة ويخرج من الحلبة السياسية، وإما أن يثبت أنها مجرد معركة من المعارك الكثيرة التي سبق أن خاضها وخرج منها معافى على نحو ما.

تتركز المشكلة الراهنة في ارتباط مسألة محمود عباس ومحمد دحلان مع مسار سياسي على غرار مسار أوسلو، وهو مسار لا يرفضه عرفات، إذ لو عرض عليه ما هو أقل منه لما كان منه إلا الموافقة، وبالطبع أملاً في المراهنة على زمان أفضل يمكنه من تجاوزه، غير أن هذه اللعبة قد غدت مكشوفة بالنسبة للإسرائيليين، ولذلك فقد تجاوزوا شغفهم المعروف بالإبقاء على عرفات إدراكاً منهم بأن توقيعه على أي اتفاق معهم يمنحه شرعية لا تتوفر لو وقعه أي أحد آخر.. تجاوزوا ذلك وقرروا بحزم أن لا أمل في هذا الرجل ولا بد من إقصائه. وبالطبع فقد كان دوره في انتفاضة الأقصى هو السبب.

لم يستسلم عرفات، وليس واردا أن يستسلم لسبب بسيط هو إدراكه أن ذلك يعني النهاية، وهو لن يكتب نهايته بيده، فكما رفض أن يكون "ذكر النحل" الذي يوقع الاتفاق النهائي ويموت، كما كان ينبغي أن يحصل بكامب ديفد في يوليو/تموز 2000 فقد رفض الاستسلام،وأخذ يشاغب على محمود عباس للحيلولة دون نجاحه ونجاح المسار الذي ارتبط باسمه (خريطة الطريق)، غير أن فرصته في التحرك قد تراجعت بعد ضرب العراق واحتلال بغداد، ذلك أن انهيار الوضع العربي أمام سطوة القوة الأميركية، ومعه الوضع الدولي، لم يعد يسمح بكثير من المناورة، وهنا ضغط المصريون أيضاً عليه كي يسهل أمر الهدنة، هدنة الفصائل التي من ضمنها حركة التحرير الفلسطينية (فتح) وجناحها العسكري (كتائب الأقصى).


لم يستسلم عرفات لمطالب تهميشه وليس واردا أن يستسلم لسبب بسيط هو إدراكه أن ذلك يعني النهاية وهو لن يكتب نهايته بيده
معركة الصلاحيات

كانت هناك معركة هي الأهم تدور في الكواليس بين عرفات ومحمود عباس ما لبثت أن خرجت إلى العلن بعدما فضحها الإسرائيليون حينما جهر الثاني بشكواه. وقد كان جوهر المعركة يتعلق بالصلاحيات الخاصة بالرجلين. وأدرك عرفات أن خسرانه لـ"سيف المعز وذهبه" سيعني النهاية، فكان لا بد أن يتمسك على نحو حاسم بصلاحيات المال والعطاء والترفيعات في مختلف المناصب ومنها الأمن، فضلاً عن المشاركة في ملف المفاوضات وإن كان من باب إثبات الحضور والمناكفة عند الحاجة. لكن الوضع العربي والدولي لم يسمح بذلك أيضاً، فوجد الرجل في حلفائه من خصوم محمود عباس داخل فتح ملاذاً لمطاردة هذا الأخير والتشكيك فيه باستخدام ملف التفاوض ضمن خريطة الطريق، وعلى رأس ذلك قصة الأسرى التي تحظى بإجماع فلسطيني داخلي.

ضمن هذه الأجواء سافر شارون في جولة أوروبية عنوانها التحريض على عرفات والمطالبة بعزله، لكنه لم يجد آذاناً صاغية، لسبب بسيط هو أن الولايات المتحدة لاتزال تهمش الآخرين في سياق المفاوضات، فضلاً عن عدم قناعتهم بضرورة ذلك وفائدته.

في المقابل، تدخل المصريون مرة أخرى لحل الإشكال بين الرجلين بعدما غدا الشغل الشاغل لوسائل الإعلام وازدادت حدة التهديدات الإسرائيلية الأميركية، لكن واقع الحال كان أفضل قليلاً ربما بسبب انشغال الولايات المتحدة بالملف العراقي إثر تصاعد المقاومة وورطة الرئيس الأميركي جورج بوش وورئيس الوزراء البريطاني توني بلير في فضيحة أسلحة الدمار الشامل. ومن هنا جاءت الوساطة المصرية لصالح عرفات قياساً بالأوضاع السابقة، حيث لم يسلّم لمحمود عباس بما كان يريده، فيما حصل على نصف المطلوب أو أكثر قليلاً.

الوساطة المصرية أدت إلى إقرار مبدأ "المشاركة" في اتخاذ القرارات السياسية بين الرجلين، وكذلك القرارات الأمنية، وهو ما حصل مع ملف المفاوضات الذي بقي بيد الرجلين عبر لجنة مشتركة يترأسانها معاً، وكذلك حال اللجنة الأمنية. وذكرت مصادر إسرائيلية أن توزيعة الأمن قضت بمسؤولية محمد دحلان عن الأمن الوقائي والشرطة المدنية وقوات الإنقاذ، وهذه عملياً هي المرشحة للصدام مع قوى المقاومة، فيما سيكون عرفات مسؤولاً عن قوات الأمن القومي وجهاز الأمن العام، والخلاصة هي الإبقاء على قوة عرفات في مختلف الجوانب، وإن كانت مناصفة مع غريمه.

هذه النتيجة قد تفضي إلى تأكيد القناعة الإسرائيلية وحتى الأميركية بأن إمكانية إحداث تقدم في اللعبة السياسية بوجود عرفات ستكون محدودة إلى حد كبير، لا سيما وأن "أبو مازن" شخص ضعيف حسب السفير الأميركي في تل أبيب دان كيرتسر.

هذه القناعة قد تكون عنصر تهديد لعرفات، غير أن ذلك ليس مؤكداً، فشارون يعترف بأن واشنطن وإن رفضت زعامة عرفات فإنها لم تعط الضوء الأخضر لإبعاده من "المناطق". والحال أن الأزمة التي يعيشها الإسرائيليون والأميركيون أيضاً مع عرفات هي في أن أي إجراء صعب حياله لن يكون مفيداً للعملية السلمية، في الوقت الذي كان مديحهم لعباس ودحلان بمثابة حرق شعبي لهما، الأمر الذي لايزال يحدث حتى الآن، رغم تحذيرات بعض الكتاب الإسرائيليين.


الأزمة التي يعيشها الإسرائيليون والأميركيون مع عرفات أن أي إجراء صعب ضده لن يكون مفيداً للعملية السلمية، في الوقت الذي كان مديحهم لعباس ودحلان بمثابة حرق شعبي لهما
المعضلة إلى أين؟
من العبث الحديث عن أزمة عرفات-عباس في سياق داخلي عبر ميزان القوى بين الطرفين، فلو كان الموقف على هذا النحو لتفوق عرفات تفوقاً هائلاً، فهو أولاً مازال الأهم داخل حركة التحرير الفلسطينية (فتح) ولا مقارنة بينه وبين محمود عباس، ثم هو المفضل لدى الفلسطينيين ضمن المقارنة ذاتها بدليل أن عباس لا يحظى بأية شعبية تذكر، ثم هناك قوى المقاومة المعارضة التي تفضل عرفات على "أبو مازن" نظراً لشعورها بأن أجندة هذا الأخير أكثر مناهضة لها ولبرنامجها من الأول الذي تهمه الارتباطات العربية والسمعة الشخصية.

لذلك كله يبدو من الحكمة القول إن الأزمة بين الرجلين ليست منفصلة عن أزمة المفاوضات والقضية الفلسطينية وأزمة العلاقات العربية مع الولايات المتحدة الأميركية. ولا شك في أن مضي المسار في اتجاه مناهض لأحلام الأمة ممثلاً في نجاح الأميركيين في العراق، واتخاذه محطة نحو إعادة تشكيل المنطقة سيؤدي إلى مزيد من عزل عرفات وصولاً إلى شطبه نهائياً إذا لم يتدخل القدر في المسألة قبل ذلك تاركاً الساحة لفريق عباس-دحلان.

أما في حال تراجع السطوة الأميركية بعد التورط في العراق، فإن معنى ذلك أن محمود عباس سيفقد بريقه لصالح المقاومة من جديد، مع أن المسار الأول لا يعني نجاحه، بل ربما أفضى إلى الفشل والعجز عن تحقيق شيء ملموس للفلسطينيين بسبب رؤية شارون للتفاوض والتسوية، وإذا ما تزامن ذلك مع الفشل الأميركي فإن بريق عرفات سيعود من جديد وكذلك شأن سطوته على الوضع الفلسطيني، مع ضرورة الإشارة إلى أن مسلسل الأحداث في الفترة الأخيرة قد جعل من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قوة أساسية لا تقل حضوراً عن حركة التحرير الفلسطينية (فتح)، بل ربما تزيد في الحدث الفلسطيني.

مصير عرفات إذن وكما هو شأن التفاوض والقضية عموماً يرتبط بالوضع الإقليمي لا سيما في العراق، وإذا ما ذهبنا نحو خيار التفاؤل المرجح فإن عرفات سيعود من جديد، هذا إذا لم يكن للقدر مسار آخر، من دون أن يعني ذلك مصلحة للطرف الآخر الذي يرتبط مصيره كذلك بالمفاوضات وما تقدمه للفلسطينيين.
__________________
* كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة