تفجيرات طابا.. محطة مهمة في مسلسل العنف الأممي   
الأحد 1425/10/23 هـ - الموافق 5/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 16:21 (مكة المكرمة)، 13:21 (غرينتش)




















 
عندما قامت الأجهزة الإسرائيلية باغتيال أحد قادة حماس في دمشق (عز الدين الشيخ خليل) نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، توقع كاتب هذه السطور في مقال نشر في صحيفة الدستور الأردنية أن تكون هناك ردود على الإسرائيليين في الخارج، ليس من قبل حماس أو قوى المقاومة الفلسطينية، وإنما من أفراد ومجموعات وقوىً إسلامية ستشعر أن من واجبها الرد على الإسرائيليين والأميركان باللغة التي يفهمونها.

والحال أن الردود التي توقعناها لم تكن بسبب واقعة الاغتيال المذكورة على وجه التحديد، وإنما كنوع من الرد على سياسة أميركية بات واضحا أنها قد تخصصت في مطاردة المسلمين وإذلالهم من دون خلق الله أجمعين، وإن بدا أن نهج مطاردة المتمردين على سياساتها لا تتوقف عند أحد، من كوبا إلى فنزويلا، ويبقى أن معظم الدم الذي يسيل في العالم بقنابل الطائرات الأميركية لا زال مسلما.
 
ما ينبغي قوله ابتداء هو أن الموت والإذلال "المتلفز" الذي يواجهه العرب والمسلمون قد بات خبزا يوميا للإنسان العربي والمسلم في ظل ثورة الفضائيات التي أتاحت للناس التواصل المباشر، ليس مع الموت اليومي للأطفال والنساء فقط، وإنما مع اللغة المتغطرسة التي تنضح بها خطابات قادة الاحتلال الأميركي في العراق وأفغانستان، والاحتلال الإسرائيلي في فلسطين الذي يعيش على المعونات العسكرية الأميركية ومعها الغطاء السياسي الكامل.

لدى متابعة حيثيات الموقف نجد أن الولايات المتحدة قد تخصصت بالفعل في مطاردة العرب والمسلمين، من دارفور واستهداف السودان من أجل السيطرة على النفط والضغط على الصين إلى جانب شطب ما تبقى من المشروع الإسلامي هناك، ومن ثم مطاردة مصر، إلى إيران ومطاردة قدراتها النووية، إلى ليبيا وابتزاز ثرواتها بمساعدة العقيد الذي لا هدف له سوى البقاء في السلطة، إلى سوريا ولبنان بهدف شطب أي موقف عربي يحاول أن يقول لا للأميركان والإسرائيليين.

"
لا خلاف على أن الإذلال حين يكون جماعيا فإن الموقف من ردة الفعل سيكون جماعيا أيضا، والفرح العارم الذي اجتاح الأمة بسبب تفجيرات طابا ناتج عن الحقد الذي يملؤ النفوس
"
من المؤكد أن العراق وفلسطين وربما أفغانستان تبقى حالات مختلفة، فهنا موت يومي للأطفال والنساء يتابعه الناس عبر شاشات الفضائيات، ولا يتوقف الأمر عند ذلك بل يتجاوزه إلى المطاردة السياسية وحيث يراد للاحتلال أن ينجح في تمرير ما يريد، الأمر الذي يضيف الملفات المذكورة إلى ما سبق كمادة دسمة لقرارات دولية تفرضها الولايات المتحدة وأخرى تمنع بالفيتو حين تكون لصالح الطرف العربي والمسلم، كما هو الحال مع القرارات الخاصة بفلسطين على وجه التحديد.

ليس هذا مجال التفصيل في حيثيات المطاردة الأميركية للأمة في الملفات المذكورة ومعها مطاردة ما تبقى من الأنظمة ومطالبتها بمطاردة الظاهرة الإسلامية وتغيير المناهج، إلى غير ذلك من المطالب التي تستهدف هوية الأمة ودينها ومصالحها، لكننا نحاول إيجاد مدخل للحديث عن ردة الفعل العربية والإسلامية في سياق الحديث عن تفجيرات طابا التي استهدفت السياح الإسرائيليين.

ثمة بعد في غاية الأهمية بالنسبة لما يجري من إذلال للأمة، ويتعلق هذا البعد بواقع الظروف الموضوعية التي يتم خلالها، ولعل أهم تلك الظروف هو ما أشرنا إليه سابقا بشأن ثورة الإعلام التي جعلت ذلك الإذلال مشاهدا ومسموعا ومقروءا في آن، الأمر الذي خلق روحا جمعية للأمة وحيث أخذت تتحرك على إيقاع واحد في القضايا الرئيسة.
 
لا خلاف هنا على أن الإذلال حين يكون جماعيا سيكون الموقف من ردة الفعل جماعيا أيضا، ولا نظن مراقبا عاقلا يمكنه الحديث عن شيء غير الفرح العارم الذي اجتاح الأمة من المحيط إلى الخليج ومن طنجة إلى جاكرتا بسبب تفجيرات طابا، وهو موقف لا يتوسل القراءة السياسية بالضرورة وإنما هي ردة الفعل الناتجة عن الحقد الذي يملؤ النفوس.

أما البعد الثاني فيتمثل في الوضع العام للصحوة الإسلامية التي يشهدها الشارع العربي والإسلامي هذه الأيام، وهنا يمكن القول إن واقع الصحوة الإسلامية في الشارع هو الأكبر والأوسع منذ قرنين من الزمان، تشهد بذلك موجة التدين العارمة التي تجتاح الأمة والمظاهر الإسلامية التي لا تخطؤها العين في الشوارع العربية والإسلامية رغم محاولات العلمنة والإفساد المحمومة التي تتحرك هنا وهناك، أكان مباشرة من خلال سياسات الأنظمة أم من خلال الفضائيات وأجهزة الإعلام.

لكن الأهم من ذلك كله في سياق الظروف الموضوعية المشار إليها وربما في سياق ذي صلة بمسألة الصحوة الإسلامية إنما يتمثل في المد الجهادي الذي يجتاح الشارع العربي والإسلامي، وهو مد غير مسبوق على الإطلاق سيما في بعده الاستشهادي على وجه التحديد، وحيث يمكن العثور على جحافل لا حصر لها من شباب الأمة الذين يملكون القابلية للذهاب إلى الموت والابتسامة تعلو شفاههم.

يتجلى هذا البعد في فلسطين التي يتسابق الشبان فيها على المقاومة والاستشهاد، كما يتجلى في العراق أيضا، وصولا إلى أفغانستان التي لم تعرف هذا اللون من الفعل في السابق، إلا أنها تعيشه هذه الأيام. ولا تسأل عن الحالة الشيشانية التي تسجل فعلا استشهاديا مثيرا للدهشة هي الأخرى.

"
المد الجهادي الذي يجتاح الشارع العربي والإسلامي مد غير مسبوق، لاسيما في بعده الاستشهادي، حيث يمكن العثور على جحافل من الشباب يملكون القابلية للموت والابتسامة تعلو شفاههم
"
ليس هذا مجال التفصيل في أسباب هذه الصحوة وهذه الروح الاستشهادية، أكانت الأسباب الداخلية ممثلة في فشل الأنظمة وقمعها أم الخارجية من حيث الاستهداف الأميركي للأمة ودينها وهويتها بعد 11 سبتمبر/ أيلول، وقبل ذلك ما فعلته انتفاضة الأقصى بالروح الجمعية للأمة في ظل ثورة الفضائيات.

ما هو أهم من ذلك هو تداعيات هذا الواقع على الردود المتوقعة من الأمة على الغطرسة الأميركية الإسرائيلية. وهنا يمكن الحديث عن لونين من الردود، يتمثل الأول في الردود الخاصة بجبهات القتال كما يحدث في فلسطين والعراق وأفغانستان، أكانت ردودا من قبل الشعب المعني بشكل مباشر، أم من خلال القادمين من الخارج كما يحدث بشكل خاص في العراق وحيث يمكن للمقاتلين أن يتسللوا إلى هناك، أم كانت ردوداً إشكالية ومرفوضة بشكل واضح مثل تلك التي تستهدف زعزعة أمن الدول العربية كما يجري في السعودية على سبيل المثال، وكما جرى من  تفجيرات في عدد من الدول العربية، أم كانت ردودا من النوع الملتبس كتلك التي وقعت في طابا، وحيث لم يكن الهدف هو الأمن المصري أو السياحة المصرية بقدر ما كان الهدف هو إصابة الإسرائيليين دون سواهم، وإن بدا ذلك مستحيلا في مثل هذه الحالة بوجود آخرين في المكان من المسلمين ومن سواهم.

كل ذلك، أعني الغطرسة الأميركية الإسرائيلية، هو ما يفسر حالة النشوة التي قوبلت بها التفجيرات في الشارع العربي والإسلامي، رغم أن ذلك لم يكن ليحدث لو أصابت التفجيرات سياحا أجانب من أي جنسية أخرى، ربما باستثاء الأميركان، وإن بدا أن ذلك سيكون أقل كثيرا من الحالة الإسرائيلية، وحيث تسود قناعة بأن المجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري، وأن هؤلاء الذين كانوا يستجمون في طابا ربما كان بعضهم قد فرغ من عمله في قتل الفلسطينيين وجاء ليرتاح.

من المؤكد أننا لا نتحدث هنا عن الصواب والخطأ فيما  يجري، ولو كان الموقف كذلك لما ترددنا في اعتبار أن الجبهات الأساسية لمواجهة الهجمة الأميركية الصهيونية هي العراقية والفلسطينية والأفغانية، لكننا نتحدث عن أمة تتعرض لأسوأ أنواع الغطرسة والإذلال فيما هي تعيش صحوة إسلامية عارمة تتخللها حالة غير مسبوقة من الإقبال على الجهاد والاستشهاد.
 
ولا يمكن تبعا لذلك أن نتوقع أن الجميع سيذهبون في ردود فعلهم مذهبا عقلانيا كاملا، فضلا عن أن كثيرين منهم قد لا يجدون سبيلا للوصول إلى الجبهات الواضحة فيلجؤون إلى فتح جبهات هنا وهناك تفرغ ما لديهم من غضب وطاقة للعمل. وإذا أضفنا إلى ذلك أن ثمة مجموعات كالقاعدة مثلا يمكنها أن توفر التمويل والدعم والغطاء الشرعي والسياسي لمثل هذه الأعمال فإن الموقف يغدو أكثر إثارة بكثير.

في هذا السياق جاءت تفجيرات طابا، وحتى لو كان لبعض الجهات العربية الرسمية أو غير الرسمية الملتزمة بعدم العمل في الخارج صلة بما جرى فإن توفير الاستشهاديين بهذه السهولة هو تأكيد على ما قلنا من حيث إمكانية العمل في الخارج ضد المصالح الأميركية الإسرائيلية.

هذا البعد قرأه الإسرائيليون أيضا، ودعونا نأخذ هاهنا عينة من تعليقات المحللين السياسيين في الساحة الإسرائيلية.

"
ستزداد ظاهرة العنف الإسلامي خلال المرحلة المقبلة، ما يؤكد أنه ما من حل لإنهاء الأزمة القائمة سوى زوال الاحتلال وانتهاء لعبة الاستهداف للأمة
"
يقول المحلل الإسرائيلي المختص بشؤون حقوق الإنسان في صحيفة هآرتس جدعون ليفي "الآن ودفعة واحدة تبدد السحر والوهم إلى شظايا مبعثرة، لم يعد هناك مكان آمن للإسرائيليين، ولا يوجد لهم ملجأ للراحة والسكينة، بضع عبوات ناسفة قوية فجرت كل شيء".
 
أما سيفر بلوتسكر وهو محلل وخبير استطلاعات في صحيفة يديعوت أحرونوت فقد قال "إسرائيل لم تكن في الماضي الهدف الأساس للإرهاب الجهادي بل مجرد هدف ثانوي، ولكن الأمور تتغير بالتدريج في غير صالحنا، لقد وضعنا في مركز الجهاد العالمي وليس على جانبه. متزمتو الإسلام يجعلون النزاع الإسرائيلي الفلسطيني هتاف القتال الكبير لديهم، وهم يعرضون أنفسهم كمحررين لفلسطين". ويضيف بلوتسكر قائلا "هذا تطور خطير، من شأنه أن يكون مريحا للجميع باستثنائنا".

عوزي بنزيمان،وهو كاتب رئيسي في صحيفة هآرتس ومحلل معروف أيضا، قال إن "النهج الذي يعتبر أن الإرهاب الإسلامي في الشيشان وإندونيسيا والدول الغربية وإسرائيل بركانا واحدا يلفظ من فوهته الكراهية والقتل الدموي دون تمييز إنما يعد مواطني هذه الدولة بمستقبل رديء ويائس وطريق مسدود".

أحد كبار المسؤولين الإسرائيلين في جهاز الأمن حسب وصف صحيفة معاريف قال للصحيفة إن هذه "عملية صعبة جدا، لا ريب أنه يوجد هنا أمور لم نرها من قبل، يوجد رفع للدرجة، لعبة جديدة تماما مع لاعبين جدد".

ما يمكن قوله بناء على ما تقدم هو أن الحديث عن كون العملية خاطئة وفي غير المكان والزمان الصحيحين، لا يعني بالضرورة أن الإسرائيليين قد فرحوا بها أو أرادوها، فضلا عن الهراء القائل بأنهم يقفون خلفها، لأن وجود فائدة ما لهم منها لا يعني أن محصلة الخسائر والأرباح ستكون لصالحهم.
 
والحال أن توسيع الجبهة بالنسبة إليهم من أناس غير الفلسطينيين ممن يطاردون في كل الأحوال من قبل الأميركان وسواهم لا يمكن أن يكون مريحاً حتى لو وصمت الحالة الإسلامية برمتها بالإرهاب، الأمر الذي يبدو واقعا بشكل من الأشكال في زمن المحافظين الجدد بالولايات المتحدة.

لذلك كله فإن من حق المراقب لما يجري أن يقرأ الموقف من زاوية أخرى تقوم على أن الإرهاب الذي تطارده الولايات المتحدة سيزدهر أكثر فاكثر خلال المرحلة المقبلة، لسبب بسيط هو أن الملاحقات الأمنية ومعها مطاردة الحالة الإسلامية عموما لا يمكن أن تشكل معالجة للظاهرة بقدر ما هي استثارة إضافية لها، فضلا عن استمرار الغطرسة والإذلال للأمة في مواقع لا تحصى.

من الواضح أن ظاهرة العنف الإسلامي ستزداد خلال المرحلة المقبلة، وستغدو أكثر تركيزا في المواقع التي تهم الولايات المتحدة والدولة العبرية على وجه الخصوص، الأمر الذي يعني فشلا لاحتلالهما للعراق وفلسطين وتأكيدا لجمهورهما بأنه ما من حل لإنهاء الأزمة سوى زوال الاحتلال وانتهاء لعبة الاستهداف للأمة.
ــــــــــ
كاتب فلسطيني
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة