المسار السوري بدون شروط مسبقة   
الأحد 7/11/1425 هـ - الموافق 19/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 15:27 (مكة المكرمة)، 12:27 (غرينتش)


عماد فوزي شُعيبي

 

مع ما نقله المبعوث الدولي لشؤون الشرق الأوسط تيري رود لارسن على لسان الرئيس السوري بشار الأسد من استعداد لاستئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة، يكون السوريون قد سببوا إحراجا نوعيا لأكثر من جهة دفعة واحدة.

 

"
سوريا بدأت تدرك المخاطر المترتبة على إدارة بلون واحد في أميركا تجمع اليمين الجديد والتيار اليميني المتشدد دينيا بغياب الاعتدال ممثلا بكولن باول وتياره ووزارة الخارجية الواقعية
"
فهم من ناحية قد فتحوا الصراع الداخلي في إسرائيل بين المؤسسة السياسية ممثلة بشارون والتي ترفض التفاوض مع السوريين تحت ذريعة أنهم في موقع ضعيف ولا يجوز إخراجهم منه، وبين المؤسسة العسكرية الأمنية التي ترى أهمية العودة للمفاوضات مع سوريا، واستغلال الوقت المناسب بعد أن سربت تفاصيل ما أنجز على المسار السوري في عهد باراك محملة الأخير مسؤولية تدمير هذه الفرصة التاريخية.

 

والواقع أن سوريا بدأت تدرك المخاطر المترتبة على إدارة بلون واحد في الولايات المتحدة الأميركية تجمع اليمين الجديد والتيار اليميني المتشدد دينيا بغياب الاعتدال ممثلا في كولن باول وتياره ووزارة الخارجية الواقعية.

 

وعلى هذا فإن دعوة الرئيس السوري بشار الأسد لاستئناف المفاوضات على المسار السوري بدون شروط مسبقة قد وضعت الطرف الإسرائيلي في حالة إحراج، لكنها وضعت أيضا الطرف الأميركي أمام استحقاق مسؤولية خصوصا وأن وزيرة الخارجية الأميركية الجديدة كوندوليزا رايس قد أعلنت أن أولى مهام الإدارة الأميركية الجديدة إعادة الاعتبار لعملية السلام وخصوصا على المسار الفلسطيني، الأمر الذي يستدعي بالدرجة الأولى التوجه نحو هذا المسار.

 

إلا أن الطرح السوري الذي ترافق مع مواقف إيجابية على صعيد انتقال السلطة الفلسطينية قد يثير شهية التيار العقلاني أو ما تبقى منه على الأقل في واشنطن للبحث في إمكانية استحداث إنجاز على المسار السوري طالما أن المناخ يفسح المجال أمام ذلك.

 

إلا أن هذا ليس مؤكدا بالضرورة نظرا لاختلاف التيارات في الإدارة الأميركية حول طريقة التعامل مع سوريا، وبالتالي فإن الإدارة الحالية بالإجمال ستجد نفسها محرجة أمام الطرح السوري المتعلق باستئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة.

 

"
الرد الإسرائيلي على لسان وزير الخارجية سيلفان شالوم لا يعكس عمليا أكثر من ترداد ببغائي لمقولات قديمة الهدف منها التنصل من استحقاق السلام على المسار السوري
"
وبالتالي لن تنفع معها تماما تلك الدعوات التي تعكس عمليا المنطق الإسرائيلي، والتي تتلخص في ضرورة أن تتخلى سوريا عما يسمى الإرهاب، أي دعم المنظمات الفلسطينية المعارضة وحزب الله، لأن في مثل هذه الدعوات تناقضا بارزا بين الدور الذي اضطلعت به دمشق لتهيئة الظروف في الأراضي الفلسطينية المحتلة أمام انتخابات تملأ فراغ غياب عرفات.

 

وهذا أمر لم يكن له أن يتم لولا تلك العلاقة الإيجابية بين سوريا وتلك المنظمات الفلسطينية، بمعنى أن قطع العلاقة مع تلك المنظمات سيعني غياب طرف يكون قادرا على أن يتعامل مع هذه الأطراف من موقع إيجابي، ثم ما معنى أن تتحاور القاهرة مع حماس ولا تفعل ذلك دمشق كما يردد الإسرائيليون أنفسهم!

 

وعلى هذا فإن الرد الإسرائيلي على لسان وزير الخارجية سيلفان شالوم لا يعكس عمليا أكثر من ترداد ببغائي لمقولات  قديمة الهدف منها هو التنصل من استحقاق السلام على المسار السوري، وبهدف إبقاء سوريا في ضائقتها الدولية والإقليمية حسب ما يقول شارون.

 

وعلى هذا فإن دعوة الرئيس السوري بشار الأسد لاستئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة، وهو تعبير يعني باللغة السورية العودة إلى المفاوضات من النقطة التي انتهت إليها وعلى أساس قواعد العملية السلمية، إنما يشكل أعلى درجات البراغماتية السياسية في هذا الزمن الصعب، لأن أحدا لا يستطيع طويلا أن يتجاهل العرض السوري خصوصا وأنه عرض يفسح المجال أمام استمرار المواقف الإيجابية التي أبدتها دمشق في الشأنين العراقي والفلسطيني، فضلاً عن أن سوريا من المؤكد أنها لن تنفذ القرار 1559 بدون ثمن، وهو أمر بحد ذاته ليس مطلوبا في العمل السياسي اللهم إلا إذا كان المطلوب هو تأسيس جمعية خيرية سياسية.

 

"
دعوة الرئيس السوري لاستئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة هي تعبير يعني باللغة السورية العودة إلى المفاوضات من النقطة التي انتهت إليها وعلى أساس قواعد العملية السلمية
"
وإذا ما تأكدت الأطروحات التي تتحدث عن تعامل سوري وفقا لهذا القرار بترتيبات خاصة ستظهر لاحقا تفاصيلها، فإن على هذا أن يكون جزءا من ترتيبات أوسع تشمل العملية السلمية على المسارين السوري واللبناني، وإلا فإن الانسحاب سيكون بمثابة تفجير للوضع في المنطقة بسبب مشكلة الفلسطينيين، إضافة إلى أن دمشق لن تضطلع بتفكيك حزب الله، ما سيعني –عمليا- دفع الولايات المتحدة أو إسرائيل للقدوم بنفسيهما للاضطلاع مباشرة بهذا الدور الذي سيكون أكثر من مكلف وربما شبه مستحيل، وقد جربته إسرائيل مرارا وفشلت في ذلك. بمعنى الاستجابة لمثل هذا القرار لا يجب أن تكون في إطار الواقعية السياسية بمعزل عن حل شامل أو استئناف للمفاوضات.

 

ولا نستطيع أن ننكر أن الموقف السوري يرفع عن سوريا الضغط العنيف الذي تتعرض له من السياسة الأميركية جراء مواقفها من الحرب على العراق، الذي لا يبدو أن الدور السوري على الحدود العراقية كاف لنزع فتيل هذه العلاقة التي تبدو أكثر من متوترة أحيانا، الأمر الذي يجعل من العودة لطاولة المفاوضات مادة ثرية لرفع لغة الضغط وهو أمر محمود بالنتيجة النهائية إذا ما نظر إليه من زاوية واقعية وسياسية عقلانية، خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن سوريا قد اتخذت قرارا إستراتيجيا بالذهاب إلى المفاوضات من أجل السلام وليس لاعتبارات تكتيكية محضة، فضلا عن أن استحداث إنجاز على المسار السوري هو أمر أسهل بكثير من أي مسار آخر، وعبارة العودة بدون شروط مسبقة لن تكون بمثابة "العود الأبدي أو الدور الأبدي" الذي يبدأ دائما من نقطة الصفر.

 

"
على إسرائيل أن تثبت أنها دولة تريد لنفسها مكانا تحت شمس الشرق الأوسط بحيث عليها أن تلتزم -كما تفعل كل الدول- بما يستدعيه ذلك من احترام ما تم إنجازه مع حكومات سابقة
"
هذا ليس هو واقع الحال بالنسبة لأي مفاوضات في الدنيا، ولن يكون بالنسبة للسوريين الذين يرون أن على إسرائيل أن تثبت أنها دولة تريد لنفسها مكانا تحت شمس الشرق الأوسط، لُيعترف بها كذلك، بحيث عليها أن تلتزم -كما تفعل كل الدول- بما يستدعيه ذلك منها باحترام ما تم إنجازه مع حكومات سابقة.

 

وبالتالي فإنه ليس من قبيل اللعب بالكلمات قول دمشق بأنها مستعدة  للعودة إلى المفاوضات بدون شروط مسبقة، وهي ليست مضطرة لأن تعلن ذلك صراحة لأنها تريد فعليا إنجاز السلام والعودة إلى المفاوضات ولا تريد أن تدخل في مهاترات لفظية تعطي شارون وصحبه فرصة للتنصل من المسؤوليات المترتبة على أمر كهذا تبدو الظروف ليست متيسرة له خصوصاً مع حكومة كحكومة  شارون.

 

إلا أن ضغط المؤسسة العسكرية التي تتميز بواقعية سياسية أكثر بكثير من شارون قد يساعد على تبلور موقف مختلف أو أقله أن تتبلور الظروف وتدفع باتجاه انتخابات إسرائيلية جديدة وقد تحسم الموقف باتجاه حكومة أكثر اقترابا من الوسط!

­­­­­­­­­­­­­­­­­­­______________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة