الديمقراطية مذهب سياسي أم ابتكار بشري؟   
الخميس 1431/12/5 هـ - الموافق 11/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 22:47 (مكة المكرمة)، 19:47 (غرينتش)
عبد الفتاح ماضي


الديمقراطية تقييد لسلطة الحكام
هل الديمقراطية كنظام تصلح لكل المجتمعات؟
هل الديمقراطية مذهب سياسي؟

هل تتعارض الديمقراطية مع الإسلام؟

حينما يتحدث العرب عن الديمقراطية فهم يعنون أمورا مختلفة، فالبعض يعتبرها أداة في يد الغرب للسيطرة على العرب، والبعض الآخر يعتبرها طريقا لسيطرة رجال الأعمال، وثمة من يراها وسيلة للانتهازيين والوصوليين، والأخطر أن هناك من يفهمها على أنها تتناقض مع الإسلام.

هذه الاختلافات -التي تظهر بين المثقفين والمتعلمين والعامة- هي أحد أسباب تعثر التنمية السياسية وتأخر الحداثة عند العرب، إذ ليس هناك اتفاق بينهم على النظام السياسي المنشود في الوقت الذي حسمت فيه معظم شعوب الأرض مواقفها لصالح الديمقراطية.

السبب الأهم لتلك الاختلافات هو عدم فهم الديمقراطية. فبعد عقود من الاستبداد وتسطيح العقول وتخريب التعليم وسيطرة الإعلام السطحي ومن استغلال السياسة الخارجية الأميركية للديمقراطية لتحقيق مصالح ضيقة، صار الكثيرون يهتمون بالمسميات دون الجوهر، ويُعجبون بالرأي السائد في أوساط الفئة التي ينتمون لها، ولا يُجهدون أنفسهم في معرفة جوهر الديمقراطية ولا تطورها ولا أشكالها.

يطرح هذا المقال سؤالين: ما هو جوهر الديمقراطية كنظام للحكم؟ وهل يمكن تطبيق الديمقراطية في دول بمرجعيات أخرى غير الليبرالية؟

الديمقراطية تقييد لسلطة الحكام 
"
وُجدت الديمقراطية، في الأساس، لتقييد سلطة الحكام والحد من احتمالات تعسفهم، وإدارة الصراع السياسي بطرق سلمية, ولتحقيق هذين الهدفين تم إيجاد مجموعة مبادئ أو أسس عامة، وتم ابتكار مجموعة مؤسسات وآليات وضمانات وضوابط
"
وُجدت الديمقراطية، في الأساس، لتقييد سلطة الحكام والحد من احتمالات تعسفهم، وإدارة الصراع السياسي بطرق سلمية. ولتحقيق هذين الهدفين تم إيجاد مجموعة مبادئ أو أسس عامة، وتم ابتكار مجموعة مؤسسات وآليات وضمانات وضوابط لكل مبدأ من مبادئها:

1- فبدلا من شخصنة الحكم وتحكم فرد أو مجموعة أفراد، تفصل الديمقراطية بين المجالين العام والخاص وتحول الحكم إلى وظيفة لها قواعدها وضوابطها، يتولاها من يرى في نفسه القدرة على الحكم وتختاره جموع المواطنين. (أي الشعب مصدر السلطة أو السيادة الشعبية).

ولتطبيق هذا المبدأ -الذي يهتم بالأساس بمن يحكم وكيف يحكم؟- تم تطوير عدد من المؤسسات والآليات والقواعد المتصلة بشروط ومؤهلات الحكام (ونقصد بطبقة الحكام هنا كل المسؤولين بدءا من رئيس الدولة ونواب البرلمانات وحتى أصغر موظف منتخب في المحليات، وعدد هؤلاء في أميركا أكثر من خمسمائة ألف مسؤول منتخب وفي بريطانيا نحو مائة ألف)، وبحدود مسؤولية كل مسؤول، وبكيفية اختيار الحكام واختيار هيئات تمثيلية يشارك الشعب عبرها في السلطة، وبكيفية مراقبة الحكام ومحاسبتهم وإقالتهم عند الضرورة، وبقواعد عملية اتخاذ القرارات وصنع السياسات وتقويمها وسبل تنفيذها وتعديلها عند الضرورة.

2- وبدلا من الحكم بالهوى، استندت الديمقراطية إلى مبدأ حكم القانون، أي وجود دستور مسبق يخضع له الحكام والمحكومون ويتساوون أمامه. (الحكم الدستوري). ولتطبيق هذا المبدأ كان لا بد من وجود عدد من المؤسسات والآليات والضوابط في دستور ديمقراطي فعال ومطبق: يأتي بالتوافق بين كافة القوى السياسية والاجتماعية، ويتضمن آليات لتحييد الولاءات المذهبية والطائفية والعرقية والقبلية، وقواعد لاختيار الحكام ومحاسبتهم وإجراءات لاتخاذ القرارات والسياسات، وأدوات للرقابة السياسية والقضائية والقانونية والمالية والإدارية، وضمانات للفصل بين السلطات واستقلال القضاء وانصياع سلطتا التشريع والتنفيذ لأحكامه، وضمانات لعدم خضوع الهيئات المنتخبة لنفوذ هيئات غير منتخبة كالمؤسسات العسكرية أو الأمنية.

3- تمكين المواطنين من المشاركة السياسية الفعالة. ويقتضي هذا المبدأ آلية انتخابات ديمقراطية بضمانات حقيقية لكي تكون الانتخابات فعالة (بمعنى أن تؤدي وظائفها الحقيقية)، وحرة (أي تحترم السلطة الحريات والحقوق الأساسية)، ونزيهة (أي تتسم إدارة الانتخابات بالشفافية والحياد بجانب دورية الانتخابات). كما تحتاج المشاركة ضمانات للتداول على السلطة كتحديد مدة الرئاسة، وضمانات لوجود معارضة فعالة في البرلمانات، وضمانات للتعددية الحزبية ولحرية الصحافة والإعلام. هذا بجانب ضرورة احترام حق تقرير المصير وعدم الخضوع لأي نفوذ أجنبي كي لا تتكرر مأساة الانتخابات الفلسطينية والعراقية تحت الاحتلال.

4- وبدلا من التمييز بين الناس على أي أساس كان، انتهت الديمقراطية إلى فكرة مساواة جميع البشر في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي الالتزام بالواجبات (مبدأ المواطنة). ويستلزم هذا المبدأ عددا من الضمانات الدستورية والقضائية والسياسية وضمانات لتساوي الفرص أمام الجميع.

هل الديمقراطية كنظام تصلح لكل المجتمعات؟
الديمقراطية، على عكس ما يرى البعض، ليست منتجا غربيا صرفا، وإنما هي منتج إنساني شاركت الكثير من الحضارات في إنجازه، ولها جذور في الفكر الإغريقي والروماني قبل الميلاد، وفي الحضارة الإسلامية أيضا. غير أنه إحقاقا للحق فإن للدساتير والأنظمة الغربية الحالية الفضل في بلورة النظام الديمقراطي وابتكار الكثير من المؤسسات والآليات التي ساهمت في وضع جوهر الديمقراطية موضع التطبيق.

"
النظام الديمقراطي ليس النظام الأمثل، ولكنه أقل الأنظمة سوءا، وأفضلها في الحد من استبداد الحكام، وأكثرها توفيرا لآليات محاسبة المسؤولين المقصرين
"
والنظام الديمقراطي ليس النظام الأمثل، ولكنه أقل الأنظمة سوءا، وأفضلها في الحد من استبداد الحكام، وأكثرها توفيرا لآليات محاسبة المسؤولين المقصرين. ولا يوجد نظام ديمقراطي مكتمل الأركان يصلح لكل دول العالم كما أجهزة الحاسب، والديمقراطية لا يمكن تصديرها دون مراعاة للأوضاع الداخلية لكل مجتمع.

وللديمقراطية أشكال مختلفة، وهي (كما كل المؤسسات والقواعد) قابلة للتعديل والتطوير لتلائم أهداف كل مجتمع وأولوياته. ومن العيوب التي يجتهد الكثير من السياسيين الغربيين وغير الغربيين في إيجاد حلول لها: نفوذ المال السياسي، ودور اللوبيات وجماعات الضغط، وسيطرة الشركات الكبرى.

هل الديمقراطية مذهب سياسي؟
تتضمن أنظمة الحكم المرجعية العليا للنظام ومؤسسات الحكم التي تطبق هذه المرجعية. ووظيفة المرجعية هي أن الشعب يستند إليها في تحديد القيم والمبادئ العليا التي يؤمن بها وفي وضع الأهداف والأولويات التي يسعى إلى تحقيقها عن طريق المؤسسات. ففي الغرب هناك الأيديولوجية الليبرالية، وفي ألمانيا الهتلرية كانت النازية، وفي إيران اليوم هناك الإسلام الشيعي وهكذا.

ولهذا لا ينبغي الخلط بين الديمقراطية والليبرالية. ولكي نفهم العلاقة بينهما لا بد أن نعرف أن الفكر الليبرالي، الذي نادى به رواد التنوير الأوروبي، ساد في الغرب بعد الثورتين الأميركية والفرنسية، والتي آمن ثوارها بالقيم الليبرالية وعملوا على تطبيقها بوضع دساتير وأنظمة ومؤسسات تتماشى مع الليبرالية. ولهذا تطورت المؤسسات الديمقراطية في معية الأيديولوجية الليبرالية واستفادت كثيرا من قيمها ومبادئها.

لكن هذا لا يعني عدم صلاحية هذه المؤسسات والآليات الديمقراطية لمجتمعات لديها مرجعيات مختلفة عن الليبرالية، لسببين على الأقل:

السبب الأول أن الكثير من القيم الليبرالية الأساسية، كالحرية والعدالة والمساواة وغيرها، جاءت نتاجا لتطور الفكر السياسي الإنساني وبلورة لكثير من الأفكار التي جاءت في أديان وحضارات شتى. وبالتالي فجزء كبير من الليبرالية ينسجم مع مرجعيات مجتمعات أخرى.

والسبب الثاني هو أن دولا آسيوية ولاتينية استفادت من هذه المؤسسات والآليات الديمقراطية دون التنازل عن قيمها وتقاليدها المحلية. بل وهناك تباينات داخل مرجعية الحضارة الغربية ذاتها كما الحال بين السويد والنمسا من جهة وأميركا وبريطانيا من جهة أخرى.

هل تتعارض الديمقراطية مع الإسلام؟
لا تتعارض المبادئ الأربعة للديمقراطية وآلياتها وضوابطها مع الإسلام، ولا يجب المقارنة بين فكرة سيادة الشعب وفكرة الحاكمية. فالله، عز وجل، هو خالق الكون وحاكمه ومُشرّع دينه وقيمه العليا لهداية كل البشر. وهذا أمر أسمى وأعلى من أساليب إدارة الصراع السياسي وصنع القرارات لتنظيم شؤون دنيانا.

"
إن بعضا من مبادئ الديمقراطية وقواعدها مارسه المسلمون الأوائل الذين أعملوا عقولهم وفهموا دينهم على الوجه الصحيح وذلك قبل ألف سنة من وصولها إلى العقول الغربية
"
كما أن بعضا من مبادئ الديمقراطية وقواعدها مارسه المسلمون الأوائل الذين أعملوا عقولهم وفهموا دينهم على الوجه الصحيح وذلك قبل ألف سنة من وصولها إلى العقول الغربية. فحكم القانون (القرآن والسنة) هو ما كان يحكم علاقة الخلفاء الراشدين بعامة الناس، وحرية العقيدة والتسامح الديني والمساواة في الحقوق عرفها المسلمون ومارسوها انصياعا للآيتين الكريمتين: "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" (الآية 6/الكافرون)، و"لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (من الآية 256/البقرة)، وانسجاما مع فكرة الحقوق والحريات التي أقرها الإسلام لكل الناس. والتزم المسلمون بهذه الأمور لقرون عدة فازدهرت حضارتهم وازدهرت معهم الأقليات غير المسلمة.

ولقد ظل العقل المسلم منتجا ومبتكرا للأنظمة والقواعد، وظل الأوروبيون يتعلمون ويقتبسون منه حتى توقف المسلمون عن إعمال عقولهم وضعفت عزائمهم مع ضعف دولتهم وتشرذمها. ولقد جاء الوقت الذي نتعلم ونقتبس نحن منهم فهذه سنة كونية، لا يتجاوزها إلا متكبر أو غافل.

والاقتباس من الآخرين يتفق مع الطبيعة العالمية للشريعة الإسلامية ذاتها. فالله، عز وجل، جعل الإسلام دينا صالحا لكل زمان ومكان، وكان من مقتضيات هذه الحقيقة أنه سبحانه وضع في الإسلام أسسا عليا عامة للحكم وليس أنظمة تفصيلية، منها الشورى والعدل والحرية والمساواة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاشتغال بالعمل العام ومقاومة الظالمين.

وقد منح الله للإنسان العقل موجبا عليه استخدامه في ابتكار أو اقتباس الأنظمة والمؤسسات والآليات الكفيلة بتطبيق تلك الأسس العليا، أي إنزال الأحكام الكلية الثابتة على الواقع المتغير زمانا ومكانا. ولفقه المقاصد الشرعية مكان كبير هنا. وطبيعي أن دعوة الإنسان إلى التفكر والإبداع والابتكار دعوة متجددة، لأن الهدف هو مواكبة التغيرات والمستجدات. ولا يحد عمل العقل البشري هنا إلا ضابط واحد هو عدم تجاوز ما يبتكره الإنسان (أو يقتبسه) مبادئ الإسلام وقيمه العليا كأن يحل حراما أو يحرم حلالا.

وهنا نشير إلى أن وظيفة البرلمانات في سن القوانين ليست بلا قيود أو ضوابط. فالتشريع يتم في ضوء المرجعية العليا للبلاد وعلى هدي الدساتير التي جاءت إعمالا للمرجعيات. فلا يمكن للكونغرس الأميركي تشريع قانون يخالف أحد المبادئ الليبرالية كحرية التعبير أو الملكية الخاصة، وبالمثل، فالبرلمان في دولة ذات أغلبية إسلامية وتتخذ من الإسلام مرجعية عليا، لن يستطيع أن يضع تشريعا يخالف مبادئ الإسلام كتقنين الربا أو حماية المحتكرين. وينبغي هنا توفر مؤسسة محايدة، كالمحكمة الدستورية، للفصل في هذه الأمور.

وإن تُركت الحرية للشعوب للتعبير عن اختياراتها وقناعاتها، فإن مرجعياتها العليا لن تتجاوز المبادئ الأساسية للإسلام أو مقومات هويتنا العربية، كما أن تشريعات برلماناتها لن تتناقض مع مرجعياتها.

يجب أن ننتهي من هذه الاختلافات وأن نتفرغ لصياغة نظام سياسي يُبني على مرجعية مستمدة من هويتنا العربية والإسلامية، ويستفيد من المؤسسات والآليات الديمقراطية معا، ويُسهم في سد الثغرات التي أفرزتها الممارسة الغربية للديمقراطية.

"
إذا تُركت الحرية للشعوب للتعبير عن اختياراتها وقناعاتها، فإن مرجعياتها العليا لن تتجاوز المبادئ الأساسية للإسلام أو مقومات هويتنا العربية، كما أن تشريعات برلماناتها لن تتناقض مع مرجعياتها
"
وأعني هنا أن جهودنا لا بد أن تتجه نحو الاجتهاد في الربط بين المؤسسات والآليات الديمقراطية من جهة وبين القيم الأخلاقية والإنسانية التي جاءت في الإسلام من جهة أخرى. عقولنا ينبغي أن تهتم بابتكار نظام لإدارة الانتخابات يقلل من دور المال السياسي وجماعات المصلحة ومن نفاق السياسيين السائد في الغرب، وبإبداع نظام تمثيلي يضمن أن يخدم النواب المصلحة العامة، ويضع آليات لمحاسبة النواب والمسؤولين. واهتمامنا يجب أن ينصب على ربط الديمقراطية بقيم الشورى والعدل والأمانة والصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتجنب شهادة الزور.

لا يجب تسفيه الديمقراطية لمجرد أنها تطبق في الغرب أو أن الولايات المتحدة اتخذتها شعارا في احتلالها للعراق أو لمجرد الجهل بها.

إن الله يصلح أمر الذين يعلمون ويفهمون ويتدبرون ويعملون.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة