العلاقات الأميركية الإسرائيلية في دائرة الضوء   
الأربعاء 1431/5/8 هـ - الموافق 21/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:05 (مكة المكرمة)، 13:05 (غرينتش)
نبيل السهلي


إسرائيل والبحث عن حليف قوي
الإيباك وظهور اللوبي اليهودي
عوامل تغلغل اللوبي في المجتمع الأميركي
آفاق العلاقات الأميركية-الإسرائيلية

قبل الخوض في حقيقة نفوذ اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية وأثر ذلك على اتجاهات العلاقات الأميركية-الإسرائيلية لا بد من تعريف اللوبي كمصطلح سياسي، حيث يشير إلى مجموعة من النشطاء الذين لهم مصالح خاصة، ويمارسون الضغوط على الموظفين الرسميين خاصة المشرعين، وذلك للتأثير عليهم، أثناء ممارسة عملهم.

أما الطبعة الدولية من قاموس "ويبستر"، فتذكر التعريف التالي: أشخاص يترددون على ردهات المجلس، أو أشخاص ليسوا أعضاء في المجلس التشريعي ولا يحملون صفة رسمية ولا يشغلون مناصب حكومية، يحاولون التأثير على المشرعين أو الشخصيات العامة، من خلال الصلات الخاصة، وذلك بهدف تشريع معين أو اتخاذ قرارات محددة.

قد يكون هذا مدخلا لمعرفة مستوى نفوذ اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية وبالتحديد في مواقع القرار، وكذلك حقيقة المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، وآليات عملها لاستمالة العلاقات الأميركية الإسرائيلية لصالح إسرائيل في إطار المصالح الأميركية الشرق أوسطية.

إسرائيل والبحث عن حليف قوي
يلحظ المتابع لأداء الحركة الصهيونية بوضوح أن النهج الصهيوني، من أجل إبقاء حليف له وزنه في إطار العلاقات الدولية ومن أجل الوصول إلى الغاية المذكورة، هو تركز الأداء السياسي والدبلوماسي على أنماط متعددة، بعضها رئيسي وبعضها فرعي، وأهم هذه الأنماط إطلاقا وأشدها سيطرة على النهج بأكمله هو النمط المرحلي الذي اعتمدته الحركة الصهيونية ووليدتها إسرائيل.

فالمرحلية هي اللون السائد في لوحة الصهيونية أو النغم السائد في معزوفتها أو الخيط المتصل في نسيجها، والحديث عن النهج الصهيوني أو البرنامج الصهيوني هو في أصدق معانيه الحديث عن النمط المرحلي الذي يتخلله بأكمله ويتجلى في كل لحظة من لحظاته وفي كل حركة من حركاته، وقوام فكرة المرحلية في نظرية العمل الصهيوني، تفاعل أربعة مبادئ:

"
يتركز الأداء السياسي والدبلوماسي الصهيوني على أنماط متعددة، بعضها رئيسي وبعضها فرعي، وأهم هذه الأنماط إطلاقا وأشدها سيطرة على النهج بأكمله هو النمط المرحلي الذي اعتمدته الحركة الصهيونية ووليدتها إسرائيل
"
أولا: الواقعية، التي تحدد الحد الأقصى لما تطالب به الحركة الصهيونية في كل ظرف، طبقا للأوضاع والإمكانات المتاحة.

ثانيا: المرونة التي تقوم بتكييف الأشكال والوسائل.

ثالثا: مبدأ اللاتراجع الذي يعين الحد الأدنى للمطالب الصهيونية في كل ظرف.

رابعا: التصاعد أو الانتقال، بعد استنفاد مكاسب ذلك الظرف إلى مرحلة جديدة، تفصح فيها الحركة الصهيونية عن مطالب جديدة، يكون حدها الأدنى ما كان في المرحلة السابقة حدا أقصى ومطلبا كاملا مدعوما.

وتبعا لتلك المبادئ يمكن فهم العلاقات الصهيونية والإسرائيلية مع دول العالم، ففي حين كان التوجه الصهيوني لبريطانيا قبل العام 1948، أصبح فيما بعد للقطب الأميركي بعد التاريخ المذكور، نظرا للنفوذ والقوة الأميركية في إطار العلاقات الدولية.

وقد أفادت الحركة الصهيونية من وجود غالبية اليهود في العالم في الولايات المتحدة، حيث زاد عددهم عن (5.7) ملايين نسمة في السنوات الأخيرة، واستطاعت الإفادة من إنشاء لوبي يهودي ضاغط في الولايات المتحدة الأميركية، بالاعتماد على القانون الأميركي الصادر في العام 1946 الذي أعطى الحق للجماعات المختلفة في تشكيل مجموعة ضغط، بهدف ضمان مصالحها من خلال إستراتيجيات وتكتيكات متعددة منها:

أولا: التأثير المباشر، مثل الاتصال بكل من السلطة التنفيذية والتشريعية، والمقصود هنا رموز الإدارة الفاعلون فيها فضلا عن الكونغرس بشقيه النواب والشيوخ.

ثانيا: التأثير غير المباشر، مثل تعبئة الرأي العام، وخلق اتجاه عام يؤثر على صانعي السياسة الأميركية لإقناعهم بقرار يحقق مصلحة مثل هذه الجماعات وبالتالي إسرائيل.

الإيباك وظهور اللوبي اليهودي
وتبعا للقانون المذكور استطاعت الجماعات اليهودية بدعم من الحركة الصهيونية تشكيل لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) AIBAC عام 1959، وسجلت لدى الدوائر الأميركية بحسبانها لوبي صهيونيا.

ويعد (سي كنن) الذي سجل اسمه في سجلات وزارة العدل الأميركية مؤسسها، وفي الوقت نفسه يعد وكيلا لدولة أجنبية، وتتألف لجنة إيباك من رئيس ومدير تنفيذي، ويقوم مجلس الاتحاد الفدرالي اليهودي ومنظمة بناي بريث بدعم لجنة إيباك لخدمة الحركة الصهيونية وإسرائيل، وذلك من خلال دعم اللوبي اليهودي، وزحف نفوذه في الكونغرس الأميركي ومواقع القرار الأخرى في الولايات المتحدة الأميركية.

وتحرص لجنة إيباك على أن يحضر ممثل عنها كل اجتماع مفتوح في الكونغرس الأميركي، ليوزع البطاقات، ويتصل دون وجل بكل موظف من أعلاهم درجة إلى أدناهم. أما الاجتماعات المغلقة فيحضرها دائما عضو من التجمع المؤيد لإسرائيل في المجلس ويطالع سجل الكونغرس بانتظام، وكل ملاحظة تدعو إلى القلق تستتبع زيارات من اللجنة.

ويتضح من هذه الأمثلة مدى قوة اللوبي الصهيوني في تأثيره على الكونغرس الأميركي. غير أنه من الواضح تماما أن المساندة الأميركية لإسرائيل تتجاوز حدود مجموعات اللوبي الضاغطة، وهذا ما أكده رئيس الوزراء المقتول إسحاق رابين أثناء عمله سفيرا لإسرائيل في واشنطن، حيث قال "أعتقد أن ارتباط الشعب الأميركي وإدارته بإسرائيل يفوق وزن الجالية اليهودية ونفوذها".

"
 استطاع اللوبي اليهودي على الدوام الضغط على الإدارات الأميركية ورفع حجم المساعدات الأميركية الحكومية التراكمية منذ العام 1951 وحتى نهاية العام 2009 إلى 104 مليارات دولار
"
واستطاع اللوبي اليهودي على مدار السنوات السابقة محاربة أعضاء الكونغرس الأميركي الذين حاولوا الوقوف إلى جانب الحق العربي، ويتهمون عضو الكونغرس الذي يقف إلى جانب الحق الفلسطيني بمعاداة السامية، وكذلك بمناهضة إسرائيل، ونجح اللوبي اليهودي في إبعاد المشرعين الأميركيين عن زيارة البلدان العربية، بقدر نجاحه في عرض وجهات نظر إسرائيل دون سواها.

ويستخدم اللوبي اليهودي عبر منظماته العديدة في الولايات المتحدة، المال لاستمالة بعض أعضاء الكونغرس إلى جانب إسرائيل، واستطاع هذا اللوبي على الدوام الضغط على الإدارات الأميركية ورفع حجم المساعدات الأميركية الحكومية التراكمية منذ العام 1951 حتى نهاية العام 2009 إلى (104) مليارات دولار.

عوامل تغلغل اللوبي في المجتمع الأميركي
ثمة عوامل متعددة استطاع من خلالها اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية توسيع دائرة نفوذه، ويمكن إجمالها بالتالي:

العامل الأول: البعد الديني، حيث تعد الحركة الصهيونية حركة عنصرية تنادي بوحدة ونقاء اليهود في العالم، وتعتقد الحركة الصهيونية بوجود قومية يهودية، وتدعو اليهود في جميع أنحاء العالم للعودة إلى فلسطين، وقد كانت الظروف مواتية في الولايات المتحدة لطرح هذه المقولات.

العامل الثاني: طبيعة النظام الحر في الولايات المتحدة، حيث يمتاز النظام الذي يسود في الولايات المتحدة الأميركية بإطلاقه للحريات الفكرية والسياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا ما اصطلح على تسميته بالنظام الديمقراطي الليبرالي الحر.

العامل الثالث: تقاطع المصالح الأميركية واليهودية إزاء فلسطين: حيث تقاطعت المصالح الاستعمارية الأميركية مع المصالح اليهودية فيما يخص منطقة الشرق الأوسط عموما وفلسطين خصوصا، وكان لالتقاء المصالح الدور الأكبر والأهم في تبني الولايات المتحدة لمشروع قيام دولة يهودية في فلسطين، تقوم بحماية المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، التي بدأت تحتل مكانا متميزا في العالم نظرا لوجود ثروة نفطية هائلة فيها، فضلا عن موقعها الإستراتيجي.

وبذلك يمكن تفسير أن الدعم الأميركي لإسرائيل يفوق نفوذ اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعد إسرائيل رأس حربة، باتجاه تحقيق مصالح أميركية شرق أوسطية، وبقي هذا الدور لإسرائيل رغم انهيار المنظومة الاشتراكية.

آفاق العلاقات الأميركية-الإسرائيلية
يتضح أن الحركة الصهيونية أسست لإنشاء العديد من المنظمات والنوادي اليهودية بين أفراد الجالية الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية، وأداء تلك المنظمات والمؤسسات هو في خدمة التوجهات الصهيونية، ناهيك عن دعم خطوات إسرائيل في المنطقة العربية، والملاحظ أن للجنة "إيباك" الأميركية اليهودية الدور الأبرز في التأثير في اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك في الانتخابات الأميركية، وعلاقات الولايات المتحدة الخارجية خاصة مع إسرائيل، حيث بقيت تلك العلاقات إستراتيجية في سياقها رغم بروز بعض المؤشرات عن أزمات، لكنها بقيت في حدود ضيقة.

"
هناك تداخل بين أهداف اللوبي اليهودي والإدارة الأميركية، الأمر الذي يفسر العلاقة المتميزة والاستثنائية في إطار العلاقات الدولية الراهنة، وقد تبقى العلاقات متينة وإستراتيجية على الأقل في المدى المنظور
"

فللوبي اليهودي هناك تأثير كبير عبر رأسماله وبالتالي نفوذه المنظم من خلال المنظمات اليهودية المذكورة، فضلا عن دور إسرائيل في إطار المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، فهناك تداخل بين أهداف اللوبي اليهودي والإدارة الأميركية، الأمر الذي يفسر العلاقة المتميزة والاستثنائية في إطار العلاقات الدولية الراهنة، وقد تبقى العلاقات متينة وإستراتيجية بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، على الأقل في المدى المنظور، وذلك رغم مؤشرات أزمة باتت ماثلة للعيان مع صعود باراك أوباما إلى ريادة الإدارة الأميركية الحالية، وذلك على خلفية رفض طلب حكومة نتنياهو لتجميد فعلي مؤقت للاستيطان في الضفة الغربية وخاصة في مدينة القدس.

لكن ثمة دلائل تشير إلى أن الأزمة لن تصل بأي حال إلى أزمة مستعصية، حيث أكدت رموز عديدة من إدارة أوباما على عمق العلاقة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهذا يشير إلى أن إسرائيل ماتزال مصلحة أميركية عليا في منطقة الشرق الأوسط، وهي بذلك تؤدي دور الذخر الإستراتيجي في إطار المصالح الأميركية الشرق أوسطية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة