إشكالية "الشريعة" في الدستور المصري   
الخميس 1433/12/24 هـ - الموافق 8/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:26 (مكة المكرمة)، 10:26 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح

 

إصرار سلفي
أزمة ثقة
صدام مؤجل

على خلاف ما كان متوقعا بأن تغدو النصوص المتعلقة بصلاحيات الرئيس أو شكل نظام الحكم والعلاقة بين السلطات أو دور القوات المسلحة، مناطا للخلاف أو مثارا للجدل الحاد في مسودة الدستور المصري الجديد، برأسها أطلت قضايا الهوية، خصوصا موقع الشريعة الإسلامية في هذا الدستور، لتخطف الأضواء وتنذر صعوبة توافق القوى السياسية المختلفة حولها، بإرباك المخاض العسير والمستعصي لدستور الثورة الذي طال انتظاره.

إصرار سلفي
يتعاطى السلفيون، بشتى أطيافهم ومشاربهم، مع قضية الدستور الجديد وكأنهم رعاة الشريعة الإسلامية الأحرص على نصرتها عبر اعتماد أحكامها كمرجعية وحيدة لهذا الدستور، في مواجهة المحاولات العلمانية المدعومة من الغرب لحرف البلاد والعباد عن منهج الله وصراطه المستقيم. ويرون في الظرف الراهن فرصة تاريخية لتصحيح أوضاع يعتبرونها معوجة منذ عقود.

السلفيون يطالبون بإعادة النظر في كافة القوانين الوضعية المعمول بها منذ عقود والمستقاة من قوانين ودساتير غربية، لأنها تنطوي على تناقض واضح مع أحكام الشريعة الإسلامية

وفي الوقت الذي تمطرهم القوى المدنية باتهامات بتوظيف الدين لأغراض سياسية من خلال التمسك بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية والمطالبة بجعلها مصدرا وحيدا للتشريع بغية اكتساب تأييد قطاعات عريضة من المصريين، يسوق السلفيون حزمة من المبررات لتسويغ إصرارهم على هذا النهج، من أبرزها:

أن التطبيق الفعلي للشريعة الإسلامية سيحمي المجتمع المصري ومكتسبات الثورة من التداعيات السلبية الخطيرة لتطبيق النصوص الدستورية والقانونية المستندة إلى قوانين ودساتير غربية كما مواثيق الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية، كتدمير الأسرة المصرية وتشويه العقيدة الإسلامية على غرار ما حدث في الغرب طيلة العقود الماضية، علاوة على تكريس تبعية البلاد والعباد للغرب.

وانطلاقا من اعتقادهم بأن أحكام الشريعة الإسلامية منصفة ولا تتغير وفقا للأهواء كما هو الحال بالنسبة للقوانين الغربية الوضعية، التي أساءت إلى تلك المجتمعات روحيا وأخلاقيا وإنسانيا، يطالب السلفيون بإعادة النظر في كافة القوانين الوضعية المعمول بها في مصر منذ عقود والمستقاة من قوانين ودساتير غربية، لأنها تنطوي على تناقض واضح مع أحكام الشريعة الإسلامية، التي يتوسمون في البرلمان الجديد أن يتخذ منها مرجعية للتشريعات والقوانين التي سيسنها مستقبلا.

ويبرر السلفيون إصرارهم على أن يكون نص المادة الثانية من الدستور الجديد "أحكام الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع " بأن النص السابق لتلك المادة في دستور عام 1971، بأن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع" والذى تجنح غالبية القوى السياسية، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين لاعتماده في الدستور الجديد، لم يطبق فعليا على أرض الواقع، كما تم تفسير مصطلح "مبادئ الشريعة" من قبل المحكمة الدستورية العليا بطرق هي عن صحيح الإسلام وأحكامه أبعد، من وجهة النظر السلفية.

وبينما تزامن ارتياب الليبراليين والكنيسة من أن يكون الأزهر، خصوصا هيئة كبار العلماء، هو المرجعية الدينية الملزمة للدولة فيما يخص الأمور المتعلقة بالشريعة الإسلامية، مع تفسير المحكمة الدستورية العليا لمفهوم مبادئ الشريعة الإسلامية على أنها "الأصول الكلية للشريعة الإسلامية ومبادئها المقطوع بثبوتها ودلالاتها"، والذي يختزل بدوره عدد المبادئ الشرعية القابلة للتطبيق الفعلي اليوم في سبعة مبادئ فقط، أعلن السلفيون تمسكهم بتفسير محدد لذات المفهوم، اقترحه حزب البناء والتنمية وأورده في المادة 219 من مسودة الدستور الجديد، وهي المادة التي تنص على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية تعني الأدلة الكلية والقواعد الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة على مذاهب أهل السنة والجماعة"، بحيث ينصرف مفهوم الأدلة الكلية إلى الكتاب والسنة والقياس والإجماع.

ولم تكن مساعي السلفيين لفرض تطبيق أحكام الشريعة في الدستور الجديد مقتصرة على المادة الثانية منه فحسب، وإنما تجلت في غير موضع كالمادة 68، والخاصة بالمساوة بين الرجل والمرأة، إذ اقترحوا أن يكون نصها "تلتزم الدولة باتخاذ كافة التدابير التي ترسخ مساواة المرأة بالرجل في مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وسائر المجالات الأخرى بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو يتعارض معها".

وفي حين اقترح ممثلو القوى المدنية استبدال جملة "بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية " بأخرى مفادها "بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية فيما يخص الأحوال الشخصية والميراث"، أصر السلفيون على استبقاء نصهم المقترح مشددين على ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية على إطلاقها متذرعين بأن هناك أمورا أخرى في المساواة بين الرجل والمرأة تخالف أحكام الشريعة غير الأحوال الشخصية والميراث، كالتجنيد في الجيش والإمامة والدية وسفر الزوجة بإذن الزوج وتولي مشيخة الأزهر أو المناصب السيادية كرئاسة الدولة، علاوة على كيفية الجنازة والكفن.

والملفت أن هذا الجدل بشأن وضع المرأة المصرية في الدستور قد تزامن مع تردي أحوالها بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة المنقضية قياسا إلى مثيلاتها في المنطقة والعالم، حسبما أورد تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي في هذا المضمار، والذى وضع مصر في المرتبة الـ126 من بين 135 دولة بحث أوضاع المرأة فيها وفقا لمؤشرات محددة كالمشاركة الاقتصادية والتمكين السياسي والتحصيل التعليمي، كما أكد التقرير أن أوضاع النساء في مصر أسوأ من الرجال في كل شيء عدا متوسط العمر، والذى يصل عند المرأة إلى 71 عاما فيما يبلغ 68 فقط عند الرجل.

وفيما يتصل بالحريات العامة، يسعى الإسلاميون لإضافة مادة إلى مسودة الدستور تقضي بضمانها ولكن بما لا يتعارض مع النظام العام للمجتمع أو أحكام الشريعة الإسلامية. ويرون أن عدم ضبط حرية العبادة لغير المسلمين السنة كالمسيحيين واليهود والشيعة والبهائيين، قد يتسبب في إرباك استقرار البلاد وتشويه هويتها.

وهو الأمر الذي يهدد الحريات العامة في مقتل، خصوصا حرية الاعتقاد، لأنها قد تصادر على حق غير المسلمين في ممارسة شعائر عقائدهم، خصوصا وأن مسودة الدستور الجديد تكاد تخلو حتى الآن من أية مواد تؤكد التزام الدولة المصرية بكافة المواثيق والاتفاقات الدولية التي تضمن احترام حقوق الإنسان، مخافة احتواء بعضها على مواد أو نصوص تتعارض مع الشريعة الإسلامية.

أزمة ثقة
علاوة على ما أبرزه من اختلافات فكرية وسياسية عميقة بين ألوان الطيف السياسي المصري، فقد سلط الجدل بشأن موقع الشريعة الإسلامية في الدستور الجديد الضوء على مدى تعاظم أزمة الثقة بين تلك التيارات وافتقادها للقدرة على التوافق فيما بينها خلال مرحلة ما بعد مبارك.

فلقد ألقت تلك الأزمة بظلالها على الجميع منذ تشكيل الهيئة التأسيسية المنوط بها وضع الدستور الجديد. إذ رفضت طريقة اختيار أعضائها في الوقت الذى تضطلع لجان معينة أو غير منتخبة بوضع الدساتير في غالبية الدول الديمقراطية وتستفتى الشعوب على المسودات التي يسطرونها وتعتمد الدساتير بسلاسة ويسر.

لم يكتف السلفيون بأن يتم اعتماد نصهم المقترح بخصوص المادة الثانية من الدستور فقط وإنما سعوا بدأب إلى فرض تفسيرهم لأحكامها ومبادئها نظرا لعدم ثقتهم في أية تفسيرات ترد من أي مصدر شرعي أو قانوني آخر

وحينما اصطدمت سفينة الهيئة التأسيسية المطعون في شرعيتها بصخرة الشريعة الإسلامية، لم يكتف السلفيون بأن يتم اعتماد نصهم المقترح بخصوص المادة الثانية من الدستور فقط وإنما سعوا بدأب إلى فرض تفسيرهم لأحكامها ومبادئها من خلال مادة مستقلة، نظرا لعدم ثقتهم في أية تفسيرات ترد من أي مصدر شرعي أو قانوني آخر كالمحكمة الدستورية العليا أو سواها.

وبوازع من عدم الثقة في إمكانية تطبيق القائمين على أمر البلاد بتطبيق أحكام الشريعة حق التطبيق، عمد السلفيون إلى إقحام تلك الأحكام في مواد ونصوص أخرى عديدة في مسودة الدستور الجديد، خصوصا تلك المتعلقة بالحقوق والحريات، ورهن إتاحتها بعدم مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية، رغم أن هناك مشاكل قانونية وثقافية عديدة تقف أمام إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية كالافتقاد للتوافق المجتمعي ونمط العلاقات الاجتماعية السائد وطبيعة الأنشطة الاقتصادية والعلاقة مع المجتمع الدولي والقوانين ذات المرجعية الغربية.

وفي حين تلافت دساتير شتى حول العالم النص صراحة على المساواة بين الرجل والمرأة على اعتبار أن ذلك متضمن أصلا في النصوص الخاصة بالمساواة بين المواطنين في كافة الحقوق والواجبات، جاءت المادة الخاصة بالمساواة بين الرجل والمرأة مفخخة بألغام الشريعة الإسلامية لتفجر مواضع أخرى للخلاف وعدم التوافق.

صدام مؤجل
من رحم حرص الإخوان المسلمين والسلفيين على تلافي الانزلاق إلى غياهب المواجهة، على خلفية التباينات الفكرية والسياسية وعدم تلاقي مشاريعهما ، فضلا عما يشعر به السلفيون من غبن وتهميش سياسيين في نظام جديد بات بحوزة الإخوان، على نحو لا يتوافق وثقلهم الشعبي وحضورهم السياسي كما لا يتناغم ودعمهم وصول الرئيس مرسي إلى سدة السلطة، أطل الخلاف حول مشروع الدستور الجديد ليعجل من المواجهة المؤجلة بين الطرفين.

ولقد استمدت تلك المواجهة قدرتها على الإرجاء منذ سقوط نظام مبارك، من اصطفاف القوى المدنية والعلمانية في مواجهة التيار الإسلامي برمته من إخوان وسلفيين وجهاديين وتكفيريين سابقين، فضلا عن ترقب الطرفين الإخواني والسلفي لثمار ومخرجات المساومات والتفاهمات التي كانت تتم بين الجانبين حول أمور شتى، من أبرزها الدستور الجديد، غير أن الخلاف حول هوية الجمهورية الجديدة ونوع وصيغة وشكل الإسلام الذي سوف تتبناه وموقع الشريعة في الدستور الجديد، ربما يمنح السلفيين ذريعة للتحرر من إسار التفاهم الظرفي الطارئ مع جماعة الإخوان والبحث عن عنصر تمايز لمشروعهم السياسي المنبت الصلة عن البراغماتية الإخوانية.

فلقد عكس الجدل حامي الوطيس بشأن موقع الشريعة الإسلامية في هذا الدستور مقدار الاختلاف بين التيار السلفي وجماعة الإخوان. وما إن أعلنت الهيئة التأسيسية المعنية بوضع الدستور عزمها طرح مسودته للاستفتاء قريبا، حتى لاحت نذر المواجهة بين الطرفين، ففي الوقت الذي نظمت جماعة الإخوان حملات لحث المواطنين على التصويت بـ"نعم " على المسودة، دعا السلفيون بدورهم المواطنين إلى التصويت بـ"لا"، بل إن بعض الجماعات السلفية أفتت بتحريم التصويت بنعم، إذا ما خلت المادة الثانية من النص على أن أحكام الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع.

وفي تصعيد غير مسبوق، بدأ السلفيون يكيلون الاتهامات للإخوان بالانتهازية والتخاذل عن نصرة الدين وتطبيق الشريعة، تزلفا للغرب وللقوى المدنية والعلمانية واستجداء لدعمهم، وتوخيا لصرفهم عن مطالبة جماعة الإخوان بضرورة تقنين وضعها والكشف عن مصادر تمويلها.

ولم يسلم الرئيس مرسي من انتقادات السلفيين والجهاديين والتكفيريين السابقين، على اختلاف أفكارهم وخطاباتهم، والذين اتهموه بالتردد في تطبيق الشريعة الإسلامية. ويطوي دخول الجهاديين والتكفيريين على خط الخلاف بشأن وضع الشريعة في الدستور الجديد بين ثناياه مخاوف من انبعاث موجات العنف السياسي على أساس ديني.

رغم حرص الإخوان المسلمين والسلفيين على تلافي الانزلاق إلى غياهب المواجهة، أطل الخلاف حول مشروع الدستور الجديد ليعجل من المواجهة المؤجلة بين الطرفين

فلم يمنع إرجاء مليونية المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية من يوم الجمعة الموافق الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري إلى جمعة التاسع من الشهر ذاته، تيارات سلفية من تنظيم مظاهرة بجمعة الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني بميدان التحرير للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية وأن تكون حاكمة لا محكومة، وقد ظهرت خلال المظاهرة الأعلام السوداء المعروفة "برايات الجهاد" مكتوباً عليها "لا إله إلا الله"، بالإضافة إلى علم لمصر وقد حُذف من وسطه النسر، ووضع بدلا منه "لا إله إلا الله".

ولا يختلف اثنان حول عدم قابلية البلاد لتحمل أشياء من هذا القبيل حاليا، فعلاوة على ما يمثله ظهور بعض التنظيمات والحركات الدينية التي تنصب نفسها وصية على المجتمع وتهدد باستخدام العنف من تهديد للأمن المجتمعي، من شأن عودة العنف الديني والسياسي مجددا أن تجهض عملية انخراط التيارات الإسلامية، بشتى أطيافها ومرجعياتها، في العملية السياسية وتقوض جهود الدفع التدريجي بتلك التيارات صوب المدنية والديمقراطية بدلا من السقوط في براثن التكفير والعنف وتوخى الأسلمة القسرية للدولة والمجتمع.

ولقد بدأت عملية الانخراط هذه تؤتي أكلها على نحو تجلى في مبادرتين: أطلق أولاهما حزب الحرية والعدالة الإخواني بدعوته حزب النور السلفي من أجل الحوار بغية توحيد رؤى التيار الإسلامي فيما يخص أزمة الشريعة بمسودة الدستور الجديد، توطئة للاجتماع بممثلي القوى السياسية الأخرى بالجمعية التأسيسية والتفاهم معها لحلحلة تلك الأزمة. أما ثانيتهما، فكانت من نصيب الرئيس مرسي الذي دعا مرشحي الرئاسة السابقين كما عدد من رموز العمل الوطني للتباحث بشأن صيغة للتوافق تكفل الخروج بمشروع الدستور الجديد من النفق المظلم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة