الترابي يذهب إلى القاهرة   
الاثنين 1432/9/17 هـ - الموافق 15/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:23 (مكة المكرمة)، 12:23 (غرينتش)
عبد الله علي إبراهيم

لا أدري ما كان بوسع علاقات الدكتور حسن الترابي العامة فعله خلال زيارته لمصر لتفادي الانطباع الذي تركه بأنه جعل أكثر أهمه خذلان حواريه له في الحركة الإسلامية السودانية. ومن عادة الترابي ألا يهتم بانطباع الناس عنه. وسبق لي عام 1988 أن ناشدت حواريه أن يعتنوا بصورة شيخهم بين الناس حين جلست إلى بعض خصومه ووجدتهم يخوضون في ما لا يصح حتى للخصم الأشر من سيرة خصمه.. فالاستثمار في الخصم من حسن السياسة.
 
استمعت للترابي خلال "العاشرة مساء" الذي تقدمه منى الشاذلي على قناة دريم ووجدته أسير المفاصلة مع حواريه في 1999 يبدي ويعيد ما وصفته مرة "بثورته الثقافية"، وهي ثورة على غرار ثورة ماوتسي تونغ في الصين. والثورة الثقافية هي ما  يسترد بها الزعيم الأيدولوجي البراءة الأولى بخروجه كالشعرة من عجين نظامه السياسي الفاسد ليحمّل الكادر المتسلط في الحكم أو الحزب كساد العقيدة الأصل وخبو نارها، فالثورة الثقافية باختصار هي عودة الشيخ إلى صباه في محمول فكري لا جنسي.
 
"
يريد الزعيم الأيدولوجي بالثورة الثقافية أن يتنزه عما ارتكبه من خطايا نظامه حتى تاريخه, فهو قد يقبل ببعض الذنب عن حكمه مكراً ليتخلص منه بوعد ثورته الثقافية
"
يريد الزعيم الأيدولوجي بالثورة الثقافية أن يتنزه عما ارتكبه من خطايا نظامه حتى تاريخه، فهو قد يقبل ببعض الذنب عن حكمه مكراً ليتخلص منه بوعد ثورته الثقافية.
 
فقد قال الترابي إنه يتحمل وزر بعض متاعب السودان، ولكنه سرعان ما التف على ذلك بطريقين: أولهما بتقرير مجاني عن أن حسابه عن ذلك عند الله يوم القيامة. وثانيهما أنه نفى عن نفسه الذنوب الأكابر (وهذه من لغة الترابي نفسه).
 
فقد قال إنه بريء من فصل الجنوب مثلا، ولسنا نعرف في السودان من باعد بين شقي السودان مثل الترابي، فقد ألح الرجل على تطبيق الشريعة بلا أناة. ونستغرب لذلك من رجل دخل السياسة من باب الجنوب حين جهر في الندوة المعروفة قبيل ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964 بأن مشكلة الجنوب لن تحل إلا في شرط الديمقراطية الغائبة آنذاك تحت ظل نظام الفريق إبراهيم عبود (1958-1964).
 
وصار بالكلمة زعيماً للحركة الإسلامية ونائباً برلمانيا نال أعلى الأصوات في الدوائر المخصصة لخريجي الجامعات والثانويات. وما دخل البرلمان حتى رمى بشرط "الديمقراطية" لحل مسألة الجنوب عرض الحائط، ودعا إلى الدستور الإسلامي بغير هوادة.
 
ونجح في إجازة مشروع الدستور الإسلامي لعام 1968 في البرلمان، وانسحب النواب الجنوبيون من الجلسة احتجاجاً. واشتهرت بين الناس قوله للنائب عن جبال النوبة الأب فيليب عباس غبوش وفي البرلمان إنه لن يكون على سدة الحكم في السودان غير المسلم.

يكفي الترابي في ذنب فصل الجنوب أنه وحركته احتفلا بقوانين الرئيس نميري الشرعية الإسلامية المعروفة باسم "قوانين سبتمبر 1983" التي اعترف في البرنامج أنها من صنع الرئيس نميري وحده أخفى خبرها عنه وهو نائب الدولة العام.
 
فقد أسقم الناس وهم يرون قادة الحركة الإسلامية -التي هي آخر من علم بتلك القوانين- يبايعون المستبد في المنشط والمكره ويحشدون للاحتفال بشريعته بالمسيرة المليونية، ويرتبون مؤتمراً عالمياً لتدارس بركتها على الأمة.
 
وحتى حين سقط الدكتاتور بانتفاضة أبريل/نيسان 1985 وظن الناس أن بوسعهم التفكير في التشريع السوداني برحابة، تمسك الترابي "بقوانين سبتمبر" في نسخة معدلة هي "القوانين البديلة" التي فرقت القوى السياسة شيعاً أيدولوجية متصارعة. وارتكب الترابي خطيئة الانقلاب حفاظاً على تلك القوانين البديلة التي بدا له أنها ستؤدي إلى عزلته السياسة، فسلم البلاد لضابط هو الرئيس البشير قال إنه لم يلتق في حياته به سوى مساء الانقلاب.
 
وهذا منشأ العبارة الذائعة عن الترابي "فمضى للقصر (يقصد البشير) ومضيت للسجن" لذر الرماد في عيون الناس عن من وراء الانقلاب، وهي عبارة استخفت بالسودانيين وسيطارد سقمها الترابي مدى الزمان.
ومع ذلك كان بوسع علاقات الترابي العامة أن ترتب لزيارته لمصر بصورة يكف فيها عن إعادة إنتاج ثورته الثقافية ليقدم خدمة مثلى لمن ألقوا إليه السمع من المصريين. فغير خاف تلبد سماء فكر مصر بنزاع العلمانيين والإسلاميين الذي بدا من مطالعه أن مصر على وشك التورط في "حرب أهلية ثقافية"، وهي حرب تدور حول المادة الثانية من الدستور بمنطوقها في أن دين الدولة الإسلام واللغة العربية هي اللغة الرسمية والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.
 
ولا أعرف من اجتهد في مشمول المادة الثانية أعلاه مثل الترابي، ولكنه ظل يؤخر هذا الاجتهاد ويقدم غيره في باب "النكاح". فقد اجتهد بإضافة "الدولة" كركن من أركان الاجتهاد في الشريعة إلى جانب مصادره الأخرى المعروفة. وكان هذا بعض أسباب تكفير الدكتور جعفر شيخ إدريس -رفيقه اللدود منذ ستينيات القرن الماضي- له في التسعينيات. فمؤدى اجتهاد الدولة -في رأي الترابي- في تَنَزٌل الشريعة -كمصدر للتشريع- من خلال سلطة الدولة التشريعية المنتخبة مثل الجمعيات التأسيسية والبرلمانات.
 
ولن يستقيم فهم هذا الاجتهاد إلا في سياق جوهر لاهوت الترابي الحداثي المرموز له بـ"الابتلاء". فمن رأيه أن الحداثة التي استأثرت فيها الدولة بأدوار في التربية والاقتصاد وغيرها لم تكن لها من قبل، ابتلاء رباني للمسلمين النجاح فيه ضرب من العبادة. وهي دولة صبأت عن الدين، وعلى المسلمين ردها إليه في ما أسماه "أوبة الدولة للدين".
 
"
مروق الدولة عند الترابي قديم بدأ بتسلط الملوك الكسروية على دولة المسلمين، فانفصل أهل الدين والفضل عن الدولة الظالمة وراحوا يضعون فقهاً لدولة إسلامية مرتجاة اتصف بما أسماه الترابي الطوباوية
"
ومروق الدولة عند الترابي قديم بدأ بتسلط الملوك الكسروية على دولة المسلمين فانفصل أهل الدين والفضل عن الدولة الظالمة، وراحوا يضعون فقهاً لدولة إسلامية مرتجاة اتصف بما سماه الترابي "بالطوباوية"، حتى قال مرة إنه ليس بوسع مسلم أن يدير دولة معاصرة بفقه العدالة المثالية التاريخي (المفارق للدولة) الذي استولى على أفئدة الناس.
 
ولذا وجدنا الترابي في القاهرة يقول إنهم جاؤوا إلى الحكم بعد انقلاب 1989 "بقلة الفقه" الذي عزا إليه خطأ دولته الإسلامية وخطاياها.
وأراد الترابي بجعل الدولة منصة اجتهاد للجم طبقتين من المثقفين عن التشريع كفاحاً هما صفوة الثقافة الحداثية وطبقة الفقهاء رجال الدين.
 
وصب جام نقده على رجال الدين الذين هم في نظره فئة طرأت عليه وليست منه، فهي عنده من "أمراض التدين" الذي هو -خلافاً للدين الأصل- حصيلة كسب المسلمين التاريخي. ومن رأيه أن هذه المشيخية استلبت التشريع من الدولة ومن الأمة جمعاء وجعلته حكراً لها تقرر وحدها في ما يوافق الدين من الحادثات وما لا يوافقه.
 
وسعى الترابي من الجهة النظرية إلى لجم هذه الطبقة في حركته الإسلامية وفي الدولة، فجردها من سلطات ثلاث كانت سبب وجودها وشوكتها: أولاها احتكار الفٌتيا في مسائل ابتلاء المسلمين بالحداثة دون سائر المثقفين والمهنيين. وثانيتها رفعه للمذاهب (شافعية ومالكية.. إلخ) والنحل الإسلامية (شيعة وسنة) التي وصفها بأنها من التدين لا من الدين. وثالثتها هي الزعم بعصر ذهبي إسلامي مضى ولم يبق منه سواهم بمثابة سدنة يحفظون بقية الدين.
 
فمن عقيدة الترابي أن هذا العصر في رحم المستقبل. أما من جهة الممارسة فقد سعى الترابي لكي لا تستقل  المشيخة بمنظمة سلطانية قابضة، فقد وقف بقوة ضد قيام المجمع الفقهي بالخرطوم بعد قيام دولة الإنقاذ حتى لا يطرأ لأهله -من فوق هذا المنبر السلطاني- أنهم سدنة التشريع يجترحونه غير مبالين بضروب علوم الدنيا الأخرى.

لن يجد معارضو جعل الشريعة مصدراً -أساسياً أو سواه- للتشريع حجة عليها طالما اقترن تنزيلها من خلال مؤسسة التشريع في الدولة-الأمة. فمتى اتفق لهؤلاء المعارضين هذا التنزيل المؤسسي للشريعة أمنوا من خوف المباغتة. فقد جاءتنا شريعة نميري عام 1983 بليل تهامس بها "رجلان وامرأة" -في قول الدكتور منصور خالد- من ناشئة القانونيين حذرهم نميري من الخوض في أمرها مع الترابي كما مر.
 
وغير خافٍ أن صورة المادة الثانية من الدستور المصري كانت "مقايضة" (trade-in) للرئيس السادات مع الإسلاميين: لهم الدين وله الدنيا. ومتى زال هذا الحاجز النفسي سيخلو وفاض معارضي الشريعة من الحجج عليها.. فهي تقليدنا القانوني الذي لا مندوحة منه. وأقباس عدالتها واضحة ومشرقة. فمن اعترض على بعض أنماط العقوبات فيها وجب أن يتذكر أنه لم تمنع غلظة القانون الروماني أن يكون المرجع في بلاد تعد في أقاليم النور مثل فرنسا. وقد نبه الي ذلك بصفاء مولانا المرحوم مدثر الحجاز في مذكرة له عام 1956 يلتمس من لجنة الدستور اصطحاب الشريعة في عملها.
فالمعارضون لتصبح الشريعة مصدراً للتشريع حكموا جزافاً بمدابرتها للحداثة. فحتى الحداثة الاستعمارية نفسها قبل بعضها بالشريعة كإرث قانوني. ففي الهند انقسم الإنجليز إلى مدرستين حول صلاح الشريعة كإرث قانوني للهند، وانتصرت في عام 1884 المدرسة التي رأتها تؤسس للاستبداد الشرقي على تلك التي استصفت صلاحها لدولة حديثة.
 
ولم يغلق الإنجليز بذلك الاجتهاد في صلاح الشريعة للقانون الهندي فحسب، بل نقلوا هذه الحزازة إلى كل بلاد المسلمين التي استعمروها لاحقاً. فاستبعدها الإنجليز عندنا في السودان -إلا في الأحوال الشخصية- جزافاً، كما بيّن ذلك بجلاء طائفة من أساتذة القانون.
 
فقد تعجب زكي مصطفى لماذا استورد القضاة الإنجليز قانونهم العام وطبقوه في السودان، في حين لم يلزمهم القانون المدني السوداني بغير الالتزام بشرط العدالة والقسط وإملاءات الوجدان السليم في أحكامهم متى استعانوا بأي تقليد قانوني. ولم يجرب أيّ من القضاة الإنجليز وخلفهم من السودانيين أحكام الشريعة للغرض ليخلص إلى مدابرة مقاصدها للحداثة. خلافاً لذلك، وفي الحالات القليلة التي لجأ فيها قاض إلى الشريعة، وجدها أبر من القانون الإنجليزي وأقسط.
 
ومن جهة أخرى، وجد الدارسون الشريعة الإسلامية -حيث قصرها الاستعمار قانوناً للأسرة- أرأف بالنساء من غيرها، فأثنت الباحثة الأميركية كارولين فلوهر لوبان بالنشاط القانوني الشرعي السوداني (1898-1975) كتقليد تضمن تفكيرًا تقدميًا وجرى تطبيقه بصورة إنسانية.
 
"
وقف الترابي بقوة ضد قيام المجمع الفقهي بالخرطوم بعد قيام دولة الإنقاذ حتى لا يطرأ لأهله -من فوق هذا المنبر السلطاني- أنهم سدنة التشريع يجترحونه غير مبالين بضروب علوم الدنيا الأخرى
"
ولا غرابة فقد كان قاضي قضاة السودان بحكم اتفاقية الحكم الثنائي الإنجليزي المصري لعام 1899، مصرياً وتخيره الإمام محمد عبده من خلص تلاميذه من أمثال القاضي شاكر ومصطفى المراغي ليتنزل بإصلاحه الديني في بلد لم تستأثر به طبقة فقهية محافظة بعد. ولهذا لم تجد حتى زعيمة الاتحاد النسائي اليساري الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم سبباً لتخاصم شريعة الأسرة المطبقة في السودان.
أضاع الترابي بانشغاله بمضاضات ثورته الثقافية فرصة أن يتدراس مع إسلاميي مصر وأقباطها وعلمانييها واحدة من أميز اجتهاداته الفقهية عن رد التشريع للأمة-الدولة، وهو اجتهاد موفق نير لامس مخاوف أطراف "الحرب الأهلية الثقافية" بأن عززها في الأصل من مطلبها وأسقط الزوائد.
 
فأعطى للإسلاميين ما لهم -ولنا جميعاً كمسلمين- أن تكون الشريعة مصدراً للتشريع (بين تقاليد قانونية أخرى)، وأمن غيرهم بأن جعل تنزيلها عن طريق مؤسسات الشعب المنتخبة. لقد كان في جعبته بعض كيمياء تفكيك التباغض الفكري في مصر، ولكنه اختار أن يثقل على مستمعيه بأم الدنيا بشكواه من خذلان نفره.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة