تدويل المسألة العراقية بين التعويل والتأويل!   
الخميس 1431/10/22 هـ - الموافق 30/9/2010 م (آخر تحديث) الساعة 22:18 (مكة المكرمة)، 19:18 (غرينتش)
عبد الحسين شعبان



أعاد الحديث عن الأزمة الراهنة، لاسيما تعذّر تشكيل الوزارة رغم مرور ستة أشهر على الانتخابات إلى الأذهان مجددا بقوة مسألة تدويل القضية العراقية، خصوصا أن العراق لا يزال يرزح تحت نير الفصل السابع ويئن من وطأته، فهل يمكنه الخروج من عباءة الأمم المتحدة؟

ومثلما هي العادة انقسمت النخبة السياسية بين معارض ومؤيد، فبعضها يعتبر العودة إلى الأمم المتحدة أو مطالبتها بلعب دور في حل الأزمة العراقية المستعصية، إنما هو تدخل في الشأن الداخلي العراقي ويلحق ضررًا بليغًا بالمسألة العراقية حاضرًا ومستقبلاً، وهذا الرأي أميل إلى كتلة دولة القانون التي تعتقد أن فرصتها أكثر حظًّا في تولّي منصب رئيس الوزراء، مع علمها بأن تسلّم منصب رئيس الوزراء غير ممكن دون موافقة دولية وإقليمية.

"
الوضع العراقي مدوّل منذ اجتياح الكويت في 2 أغسطس/آب1990، وهناك ما يزيد على 73 قرارًا دوليًّا مفروضًا على العراق منذ عقدين من الزمان، حيث يخضع لنظام عقوبات دولي
"
أما الفريق الثاني فيعتبر أن التدويل وتدخّل الأمم المتحدة هو الضمانة لتحقيق الاستحقاق الدستوري، وهو تحصيل حاصل، ولعل هذا الاتجاه هو أقرب إلى القائمة العراقية، خصوصًا أن المقصود بالتدخّل الدولي سيكون بالضرورة غير بعيد عن النفوذ الأميركي.

وبعيدًا عن القبول أو الرفض فإن الأمم المتحدة مسؤولة بهذا القدر أو ذاك قبل الاحتلال وبعده، عمّا آلت إليه أوضاع العراق، علمًا بأن الوضع العراقي مدوّل منذ اجتياح الكويت في 2 أغسطس/آب 1990، وهناك ما يزيد على 73 قرارًا دوليًّا مفروضًا على العراق منذ عقدين من الزمان، حيث يخضع لنظام عقوبات دولي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

كما أن توافقًا أوليًّا بمساعدة أممية وأميركية أساسًا، كان وراء تأسيس مجلس الحكم الانتقالي بعد عام 2003، ولذلك فإن المساعدة الخارجية، بغض النظر عن الموقف منها، تكاد تكون "مفروضة" إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي بين الكتل المتصارعة، إذْ ليس من المعقول أن يظلّ العراق بلا حكومة إلى ما لا نهاية، الأمر الذي سينعكس سلبًا على دول الجوار وعلى السلم والأمن الدوليين.

وخارج نطاق الاصطفافات المسبقة، فإن الكثير من الالتباس والإبهام يلفّ المسألة العراقية، لاسيما في جوانبها القانونية الدولية، ولعل الكثير من القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية أو من خارجها تقع في فهم خاطئ أحيانًا، إذا أخذنا الأمر بحسن نية أو بتبرير ساذج أحيانا لدور العامل الدولي سلبا أو إيجابا في محاولة لتدوير مصالحها، في حين يقتضي الأمر التوقف عند نظام العقوبات الدولي أولاً، وثانيا استمرار وجود القوات الأجنبية في العراق، على الرغم من إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما عن سحب القوات المقاتلة التي بلغ عددها 91 ألف جندي أميركي من العراق. ولعل ذلك يستوجب اعتماد معايير موضوعية في تقييم الأوضاع العراقية، بعيدًا عن التأييد أو التنديد.

إن عودة إلى قراءة الفصل السابع تعني فيما تعنيه التوقف عند حقيقة الوضع القانوني لعملية التدويل أو التأويل، سواء انطبق على الواقع العراقي الحالي أو لم ينطبق؟ وهنا تدخل السياسة كعامل مؤثر على القرار القانوني، خصوصًا دور القوى المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية.

لقد تناول الفصل السابع بمواده الـ13 الأحكام والقضايا والتدابير الواجب اتباعها في الحالات التي تؤثر على تهديد السلم والأمن الدوليين أو الإخلال بهما، لاسيما بوقوع عدوان من دولة ما على دولة أو دول أخرى (من المادة 39 إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة).

"
العراق لا يشكل عنصر تهديد أو عامل عدوان أو خطر على السلم والأمن الدوليين، كما أنه لا يمتلك أسلحة دمار شامل، ومع ذلك فالعقوبات باقية، والحجة هي الالتزامات التي أخذها العراق على عاتقه
"
وهنا تكمن المفارقة الحقيقية، فالعراق حاليا لا يشكل عنصر تهديد أو عامل عدوان أو خطر على السلم والأمن الدوليين، كما اتّضح أنه لا يمتلك أسلحة دمار شامل، حسبما أقرّت فرق التفتيش الدولية، وهو ما ذهبت إليه تقارير الخبراء الأميركان أيضا، ومع ذلك فالعقوبات باقية، والحجة هي الالتزامات التي أخذها العراق على عاتقه فضلاً عن مبدأ التعويضات، على الرغم من أن هذه ليست لها علاقة بمضمون الفصل السابع.

وإذا أخذنا بمبدأ التدخل الإنساني أو مبدأ التدخل لأغراض إنسانية، لاسيما إزاء الأخطار التي يمكن أن يشكّلها العراق على جيرانه، باستمرار الفوضى الأمنية وأعمال الإرهاب والعنف، فالأمر يتطلب حماية العراق والعراقيين أولاً، لاسيما السكان المدنيين الأبرياء، لا العكس حيث يتم ترويعهم، والأكثر من ذلك استمرار إخضاعهم للفصل السابع الذي ينتقص من سيادتهم، لكن الولايات المتحدة والجهات العراقية النافذة لا تعتبر تدهور الوضع الأمني واستفحال الإرهاب يؤثر على حال السلم والأمن الدوليين، فضلاً عن ذلك، فالجهات ذاتها تقول إن الوضع في تحسّن، ولذلك فقد تم الانسحاب الأميركي حسب الاتفاقية العراقية الأميركية الموقّعة بين الرئيس بوش ورئيس الوزراء المالكي في أواخر عام 2008، كما أن إجراء الانتخابات هو في حد ذاته مؤشرٌ على التقدّم في الوضع السياسي.

أما بقاء الفصل السابع حسب بعض التفسيرات فإنه يتعلق بالديون والتعويضات، التي لا تريد الكويت وغيرها التنازل عنها والتي تقدر بـ41 مليار دولار (11 مليار ديون و30 مليار تعويضات) علمًا بأن العراق ورث من النظام السابق ما يقارب 130 مليار دولار ديونًا، لكنه استطاع إطفاءها أو إلغاء غالبيتها الساحقة بعد عام 2003.

ولأن العراق لا يزال في قبضة الأمم المتحدة بموجب الفصل السابع، فيمكن لهذه الأخيرة أن تقرر القيام بتدخل مباشر أو غير مباشر، وتمارس ضغوطًا مختلفة، إذا بقي الوضع العراقي عائما ودون تشكيل حكومة، خصوصا إذا تم التوافق في إطار قرار دولي جديد يصدر عن مجلس الأمن وبموجب الفصل السابع، وإذا انحازت الولايات المتحدة لهذا الخيار، عندها يمكن التذرّع بأن بقاء الوضع الحالي معوّمًا يشكل قلقا وربما تهديدًا على السلم والأمن الدوليين، ولذلك يستوجب من مجلس الأمن اتخاذ التدابير اللازمة للحيلولة دون انفلات الوضع بما يؤثر على دول الجوار وعلى السلام والأمن الإقليمي والدولي.

لكنّ سؤالاً ملحًّا وقانونيًّا يظهر إلى الواجهة وهو أن المواد الخاصة بالفصل السابع تتحدث عن نزاع دولي مسلح يهدد السلم والأمن الدوليين وهو ما ذهبت إليه المادة 39 حين تقول "يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو عمل من أعمال العدوان، ما يجب اتخاذه من التدابير طبقًا لأحكام المادتين 41 و42 لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه". ولم تقل هذه المادة شيئًا بخصوص النزاع الداخلي، وهو الوضع الأقرب إلى الحال العراقي.

وأوكلت المادة 40 إلى مجلس الأمن اتخاذ التدابير قبل أن يتفاقم الوضع. أما المادة 41 فقد أعطت المجلس اتخاذ التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، مثل وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات والعلاقات الدبلوماسية وغيرها. وذهبت المادة 42 إلى إعطاء الحق لمجلس الأمن باستخدام القوة جويًّا وبحريًّا وبريًّا لحفظ السلم والأمن الدوليين أو إعادتهما إلى نصابهما.

"
لأن العراق لا يزال في قبضة الأمم المتحدة بموجب الفصل السابع، فيمكن لهذه الأخيرة أن تقرر القيام بتدخل مباشر أو غير مباشر، وتمارس ضغوطا مختلفة، إذا بقي الوضع العراقي عائما ودون تشكيل حكومة
"
ولعل هذه المواد لا تنطبق على الحالة العراقية الراهنة، الأمر الذي يغدو المشهد فيه سرياليا، فالعراق يخضع للفصل السابع الذي لا ينطبق عليه قانونيا باستثناء التعويضات والديون، وهذه الأخيرة يمكن معالجتها خارج الفصل السابع وعلى قاعدة قانونية تقول "تبدّل الأحوال بتبدّل الأزمان" و"التغييرات الجوهرية في الظروف"، تلك التي تجيز للعراق التذرّع بأن هذه الديون والتعويضات هو غير مسؤول عنها، بسبب تبدّل ظروف وأحكام الالتزام بها بعد زوال الحكم السابق، وهو ما حصل بالنسبة لمعاهدة بريست لستوفيسك في روسيا التي وقعتها الحكومة البلشفية بعد ثورة أكتوبر، ولكن بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى قامت بإلغائها بسبب تبدّل الظروف ولأنها معاهدة غير متكافئة، وكذلك إلغاء الاتفاقيات العراقية الأميركية، والعراقية البريطانية بعد ثورة 14 يوليو/تموز عام 1958، وهي اتفاقيات غير متكافئة ومجحفة وقّعها الحكم الملكي السابق في عام 1954، وقام العراق الجمهوري بإلغائها للأسباب ذاتها.

إن خروج العراق من أحكام الفصل السابع يتطلب اتخاذ قرار جديد من مجلس الأمن، ولا بدّ لهذا القرار أن يحظى بدعم واشنطن والقوى المتنفذة في مجلس الأمن، خصوصا بما له علاقة بالفصل السابع وتبعاته.

ومثل هذا الأمر في تقديري لن يتم بسهولة رغم كل الرطانة السياسية التي نسمعها، لأن واشنطن لم تحقق أهدافها من الحرب على العراق حتى الآن، والمسألة تحتاج إلى وضع العراق لسنوات قادمة قد تكون طويلة تحت الوصاية الفعلية المباشرة أو غير المباشرة، والتحكم بالنفط وأسعاره وضمان استثماره وحماية خطوط نقله، مع ضمان أمن إسرائيل، وبخاصة في إطار مخطط التسوية المطروحة، إذ لا يمكن الحديث عن التنمية المستدامة بمعناها الإنساني الشامل دون التخلص من شرنقة الفصل السابع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة