إسرائيل في مواجهة تبعات تراجع مكانة أميركا   
الثلاثاء 9/7/1433 هـ - الموافق 29/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 12:59 (مكة المكرمة)، 9:59 (غرينتش)
صالح النعامي

مظاهر تراجع الدور الأميركي
العامل الاقتصادي
انعكاسات التراجع على إسرائيل
آليات التحرك الإسرائيلي
إصلاح العلاقة مع تركيا

لا خلاف بين النخب الحاكمة ودوائر التقدير الإستراتيجي في إسرائيل على أن مكانة الولايات المتحدة في المنطقة قد تراجعت بشكل واضح في أعقاب تفجر ثورات التحول الديمقراطي في العالم العربي. وقد كان وزير الحرب إيهود باراك الأوضح في تعبيره عن مشاعر المرارة بسبب التداعيات الخطيرة لتراجع الدور الأميركي في المنطقة على "الأمن  القومي" الإسرائيلي، لدرجة أنه طالب بإعادة صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية بحيث تأخذ بعين الاعتبار هذا التحول.

فما هي مظاهر تراجع مكانة الولايات المتحدة كما ترصدها إسرائيل، وانعكاساتها على أمنها "القومي" وآليات العمل التي ترى تل أبيب أن عليها اتباعها لتقليص الأضرار الناجمة عن هذا الواقع؟

مظاهر تراجع الدور الأميركي
يرصد الإسرائيليون جملة من المظاهر التي تعكس تراجع مكانة الولايات المتحدة في المنطقة، وعلى رأسها: عجز الولايات المتحدة عن الحفاظ على الأنظمة العربية التي كانت تدور في فلكها، والتي كانت تسهم في تحقيق المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، سيما نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك.

من مظاهر تراجع مكانة أميركا بالمنطقة عجزها عن الحفاظ على الأنظمة العربية التي كانت تدور في فلكها, وتراجع العسكر في تركيا, وتشكيل حكومة في لبنان وتوصل فتح وحماس لاتفاق مصالحة

فقد كان هذا النظام يمثل رأس الحربة في المنظومة الإقليمية المتحالفة مع الولايات المتحدة، وكان يؤدي جملة من الأدوار الوظيفية، على رأسها التصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة. ومما زاد الأمور تعقيداً بالنسبة للإسرائيليين اضطرار الإدارة الأميركية لإجراء حوارات رسمية مع ممثلي الحركات الإسلامية التي صعدت للحكم أو التي في طريقها للحكم في الدول التي احتضنت الثورات العربية، حيث إن الأميركيين رأوا في الحوار مع الإسلاميين محاولة لتقليص الأضرار الناجمة عن سقوط أو إضعاف الأنظمة المتحالفة معهم.

وعلى الرغم من أن إسرائيل الرسمية قد عبرت بشكل واضح وصريح عن انزعاجها من هذه الحوارات، على اعتبار أن إضفاء شرعية دولية على ممارسة الإسلاميين الحكم يمثل تحولاً خطيراً في البيئة الإستراتيجية لإسرائيل، إلا أن الأميركيين أوضحوا أنه ليس في حكم الوارد لديهم التراجع عن هذا التوجه.

ويرى الإسرائيليون أن الضربة التي تلقاها قادة العسكر في تركيا الموالون للغرب على يد حكومة رجب طيب أردوغان، دون أن تتمكن واشنطن من التدخل للدفاع عنهم، هي مظهر آخر من مظاهر الضعف الأميركي. والمفارقة التي تغيظ الإسرائيليين تتمثل في أن مكانة أردوغان تحديداً قد تعاظمت إلى حد كبير في أعقاب تفجر الثورات العربية، حتى أن الرئيس الأميركي باراك أوباما قد صرح مؤخراً بأن أردوغان من زعماء العالم القلائل الذين يحرص على الاتصال بهم في فترات متقاربة جداً.

ويعد الإسرائيليون أن نجاح حزب الله وحلفائه في تشكيل حكومة في لبنان وتوصل حركتي فتح وحماس لاتفاق لإنهاء حالة الانقسام، رغم الاعتراض الأميركي، مؤشران إضافيان على تراجع الدور الأميركي. صحيح أن اتفاقات المصالحة الفلسطينية لم تجد طريقها للتطبيق، إلا أن مجرد جرأة رئيس السلطة محمود عباس على التوصل لها تدلل –في نظر الإسرائيليين - على تراجع واضح في تأثير الولايات المتحدة.

العامل الاقتصادي
يعي الإسرائيليون أن الأسباب التي تقف وراء مظاهر الضعف الأميركي التي تمت الإشارة إليها مرتبطة بتحولات ذاتية في المنطقة، حيث إنه لم يكن بوسع الإدارة الأميركية الحيلولة دون تفجر ثورات التحول الديمقراطي في العالم العربي، وهو ما أفضى تبعاً لذلك إلى تعاظم مكانة تركيا، وأصاب أبو مازن بالحرج ودفعه نحو التوقيع على المصالحة حتى وإن أضمر في قرارة نفسه عدم إنجازها.

لكن الإسرائيليين يعون أيضاً أنه لا يمكن تجاهل العامل الاقتصادي كمحدد لفهم تراجع الدور الأميركي في المنطقة. فبسبب الأزمة التي تعصف بالاقتصاد العالمي، فإن الإدارة الأميركية الحالية باتت حساسة جداً لأي تطور ترى أنه قد يؤثر سلباً على الاقتصاد الأميركي.

ونظراً لأن الأميركيين باتوا متوجسين من قدرة الصين على زيادة تأثيرها في منطقة جنوب شرق آسيا، ومحاولتها إملاء سياقات محددة في المنطقة تهدد المصالح الاقتصادية الأميركية، فإن الرئيس أوباما قد استنتج أن مصالح أميركا الحيوية باتت مهددة بالخطر في هذه المنطقة، وهذا ما دفعه لنقل مركز الاهتمام من الشرق الأوسط إلى جنوب شرق آسيا. والذي يدلل على هذ التوجه بشكل واضح هو قرار أوباما نقل جزء كبير من القوات الأميركية المتمركزة في أوروبا إلى جنوب شرق آسيا.

تراجع أميركا يمس بقوة الردع الإسرائيلية حيث إن إسرائيل لا تعتمد في ردعها لأعدائها على قوتها العسكرية فقط، بل أيضاً على عوائد العلاقة مع الولايات المتحدة

انعكاسات التراجع على إسرائيل
مثل التحالف مع قوة عالمية كبيرة، دوماً إحدى ركائز نظرية الأمن الإسرائيلية، حيث تم التعامل مع العلاقة مع الولايات المتحدة كذخر إستراتيجي من الطراز الأول. ويسود اعتقاد في دوائر التقدير الإستراتيجي في إسرائيل أن تراجع مكانة الولايات المتحدة ودورها سيؤدي إلى:

أولاً: المس بقوة الردع الإسرائيلية، حيث إن إسرائيل لا تعتمد في ردعها لأعدائها على قوتها العسكرية فقط، بل أيضاً على عوائد العلاقة مع الولايات المتحدة. فنظراً لإدراك الأطراف الخارجية طابع العلاقة الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة، فإنها ستحسب ألف حساب قبل اتخاذها قرارا بمهاجمة إسرائيل، على اعتبار أن هذا قد يؤدي إلى تدخل أميركي مباشر أو غير مباشر يضمن خروج إسرائيل منتصرة من هذه المعركة.

ثانياً: أدى تراجع مكانة الولايات المتحدة في المنطقة بالفعل إلى غرق إسرائيل في عزلة إقليمية، حيث إن بعض دول الإقليم كانت تحرص على تحسين علاقاتها مع إسرائيل، على اعتبار أن هذه هي الوسيلة الأنجع للوصول إلى واشنطن. ومع تراجع مكانة واشنطن ودورها لم يعد هناك ما يغري هذه الدولة بمواصلة هذا النهج. وهناك خشية جدية في إسرائيل أن تضطر الدول العربية التي لم تشهد ثورات، والتي ارتبطت بعلاقات خاصة مع إسرائيل، لإعادة تقييم علاقاتها مع إسرائيل بعد أن لمست تأثير تراجع الدور الأميركي.

ثالثاً: زيادة الأعباء الإستراتيجية على كاهل إسرائيل، وتقلص هامش المناورة أمامها. فلقد تمكنت إسرائيل من شن حروب وحملات عسكرية ضد أطراف عربية بسبب حرص دول عربية على توفير الظروف الإقليمية المناسبة لذلك من منطلق الحرص على استرضاء للولايات المتحدة.

وخير مثال على ذلك الحرب على لبنان 2006 والحرب على غزة 2008، مما يعني أن تراجع مكانة الولايات المتحدة سيؤثر سلباً على البيئة الإستراتيجية لإسرائيل ويقلص قدرتها على العمل ضد أعدائها. ومما يثقل على كاهل إسرائيل انضمام الرأي العام كعامل مؤثر على دوائر صنع القرار في العالم العربي في أعقاب الثورات العربية، بحيث إن إسرائيل باتت ترى أنه يتوجب عليها قبل الشروع في عمل عسكري ما أن تأخذ بعين الاعتبار ردة الرأي العام العربي عليها.

رابعاً: نسفت تأثيرات تراجع مكانة الولايات المتحدة في المنطقة صحة الافتراض الذي حاولت إسرائيل وحلفاؤها في الغرب تسويقه بأنها تمثل ذخراً إستراتيجياً للغرب وتحديداً للولايات المتحدة، إذ تبين بشكل لا يقبل التأويل أن العكس هو الصحيح. بدليل أن إسرائيل هي الطرف الأكثر تضرراً من تراجع مكانة الولايات المتحدة. وهذا ما يشير إليه بشكل واضح كل من الباحث الإسرائيلي في الشؤون الإستراتيجية عومر جنندلر، وكبير المعلقين العسكريين في صحيفة "يديعوت أحرونوت" رون بن يشاي.

آليات التحرك الإسرائيلي
يتبين من الجدل الداخلي في إسرائيل أن تل أبيب تستنفر لمواجهة تبعات تراجع مكانة الولايات المتحدة في المنطقة عبر مجموعة من آليات التحرك:

-شراكة إستراتيجية مع القوى الصاعدة: حيث ترى محافل التقدير الإستراتيجي في إسرائيل أنه يتوجب الدفع نحو بلورة شراكة إستراتيجية مع قوى دولية صاعدة، وعلى وجه الخصوص روسيا والهند والصين. وترى هذه المحافل أن الكيان الصهيوني سينضم قريباً إلى نادي الدول المصدرة للغاز في العالم إثر اكتشاف احتياطات الغاز الضخمة مؤخراً بالقرب من شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وعليها توظيف ذلك في تعزيز مكانتها لدى القوى الصاعدة.

ترى الكثير من المحافل الإسرائيلية أنه يتوجب محاولة التوصل لتفاهمات سرية مع الأطراف العربية التي تضررت من تراجع مكانة أميركا واقناعها بأن التقاء المصالح يمكن أن يشكل أساساً للتعاون الإقليمي

وعلى سبيل المثال يرى الجنرال المتقاعد إسرائيل زيف، الرئيس السابق لشعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي، أن إسرائيل بإمكانها أن تقترح على الروس التعاون في مجال تسويق الغاز. وفي الوقت ذاته ترى دوائر التقدير الإستراتيجي أن تحول إسرائيل إلى دولة مصدرة للغاز سيرفع مكانة إسرائيل لدى كل من الصين والهند، في الوقت الذي تتقلص فيه مكانة إيران، التي تعتبر مصدر الغاز الرئيس لهاتين الدولتين.

وهناك في إسرائيل من يدعو إلى التوسع في مجال تصدير التقنيات المتقدمة الإسرائيلية للقوى العالمية لتوظيف ذلك في تعاظم مكانة إسرائيل العالمية. وفي الوقت ذاته شرعت إسرائيل بالفعل في توسيع نطاق تحالفاتها مع دول البلقان كرد على تدهور علاقاتها مع تركيا، لكن في أعقاب تراجع مكانة الولايات المتحدة، فإن تطوير العلاقات مع هذه الدول بات يكتسب أهمية كبيرة.

-استغلال التقاء المصالح مع القوى الإقليمية: ترى الكثير من المحافل الإسرائيلية أنه يتوجب محاولة التوصل لتفاهمات سرية مع الأطراف العربية التي تضررت من تراجع مكانة الولايات المتحدة وإقناعها بأن التقاء المصالح بينها وبين إسرائيل يمكن أن يشكل أساساً للتعاون الإقليمي، سيما في مجال مواجهة صعود الحركات الإسلامية للحكم في أعقاب الثورات العربية.

فصناع القرار في تل أبيب يعون تماماً أن عدداً من الدول العربية، وبعضها دول مؤثرة غير مرتاحة تماماً لصعود الإسلاميين للحكم في أعقاب الثورات العربية، ومعنية بإفشالهم، كما هو الحال بالنسبة لإسرائيل. فعلى سبيل المثال دعا "مركز أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي إلى توظيف جهد دولي لإقناع الدول العربية الغنية بعدم تقديم المساعدات للدول التي يصعد الإسلاميون للحكم فيها. ومن نافلة القول إن الإسرائيليين ينطلقون من افتراض مفاده أن هناك رغبة مشتركة بين إسرائيل وبعض الدول العربية في محاصرة النفوذ الإيراني في المنطقة.

إصلاح العلاقة مع تركيا
ترى الكثير من دوائر صنع القرار في إسرائيل أنه يتوجب العمل على إصلاح العلاقة مع الأتراك، ولو بثمن الاستجابة للطلب التركي بالاعتذار عن الهجوم على أسطول الحرية أواخر مايو/أيار 2010، وذلك من أجل التخفيف من حدة تبعات تراجع الدور الأميركي.

وليس سراً أن وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك يقود تياراً داخل الحكومة الإسرائيلية يدعو إلى بذل كل جهد من أجل إصلاح العلاقة مع الأتراك. ويدرك الإسرائيليون أنه حتى لو استجابت تل أبيب لمطالب أنقرة، فإنه لا أمل أن تعود العلاقات معها لسابق عهدها، لكن في المقابل، هم يأملون أن يؤدي ذلك إلى وقف تدهورها، وإلا فإن حجم التحديات التي تواجهها إسرائيل سيتعاظم فقط.

قصارى القول، تدرك إسرائيل خطورة التبعات الناجمة عن تراجع مكانة الولايات المتحدة في المنطقة وتسعى لتقليص الأضرار الناجمة عن ذلك، لكن نجاحها في ذلك لا يتوقف فقط على مخططاتها وجهودها. فمما لا شك فيه أن الربيع العربي يسمح للعرب باستعادة زمام المبادرة وقد يقنع القوى العالمية بخطورة وضع بيضها في السلة الإسرائيلية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة