"عاصفة الحزم" وتحول القوة عربيا   
السبت 7/7/1436 هـ - الموافق 25/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:06 (مكة المكرمة)، 14:06 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح


لعلنا لا نبالغ إذا ما زعمنا بأن تحولا ملفتا قد اعترى علاقات القوة داخل منظومة العمل العربي المشترك خلال العقدين الماضيين.

فقد شهدت السنوات التي تلت غزو العراق للكويت عام 1990، ثم من بعد ذلك الاحتلال الأنجلو أميركي لبغداد في العام 2003، وصولا إلى اندلاع طوفان الحراك الثوري الشعبي العربي مطلع العام 2011؛ طفرة لا تخلو من دلالات، في الإمكانات الاقتصادية والقدرات التسليحية والاستعدادات العسكرية، على الصعيدين البشري والمادي لغالبية دول مجلس التعاون الخليجي، التي لم تتوان عن تجديد وتعزيز تحالفاتها واتفاقاتها الدفاعية وشراكاتها الأمنية مع القوى العالمية الكبرى.

ولما كان عالم السياسة الأميركي الشهير "آلفين توفلر"، قد ذهب في كتابه المعنَون "تحول القوة" (Power Shift)، إلى أن الركائز الثلاث لما أسماه بالقوة القصوى التي تبتغيها أية دولة إنما تكمن في امتلاك تلك الدولة لأسباب ثلاثة رئيسية مجتمعة للقوة تتمثل بالأساس في: القوة العسكرية إلى جانب الثروة والمعرفة، فإن نظرة متفحصة لموازين القوى في المنطقة هذه الأيام قد تفصح عن تحول لا تخطئه عين، في ركائز وعلاقات القوة بعالمنا العربي.

وفقا لآخر تقويم نشرته "غلوبال فاير باور" أضحى الجيش السعودي هو الأقوى في منطقة الخليج العربي، والثالث عربيا بعد كل من مصر والجزائر، كما يحتل المرتبة الـ28 ضمن قائمة تضم 126 دولة، وتقدر الموازنة الدفاعية السعودية بنحو 56.72 مليار دولار

وهذا الأمر من شأنه أن يتمخض بدوره عن ميل واضح وتحول مثير في الثقل والتأثير الإقليميين لمصلحة دول خليجية كالسعودية والإمارات وقطر، على حساب تقهقر نسبي ملحوظ في أدوار حواضر تقليدية للنفوذ والتأثير على الصعيد العربي والإقليمي كالقاهرة وبغداد ودمشق.

ففي ظل حالة السيولة الإستراتيجية التي تطبق على المنطقة منذ سنوات، وبفضل توظيف الفوائض المالية الهائلة التي تواكبت مع استمرار عوامل الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، برغم عواصف الفوضى والاضطرابات التي تجتاح المحيط الإقليمي وتأتي عليه كما تفعل النار في الهشيم، ظلت دول عربية خليجية -كالسعودية والإمارات وقطر- أكثر تماسكا وأشد صمودا، وأمضى جاهزية للإسهام بشكل فاعل في توجيه دفة الأحداث عربيا وإقليميا، كما باتت تلك الدول تمتلك طائرات حديثة ومتطورة للغاية وبأعداد متنامية وطرز فائقة التطور، كما تفاقمت أعداد جيوشها وتوسعت أنشطتها التدريبية العملياتية مما انعكس بالإيجاب على كفاءتها القتالية وقدراتها الردعية.

ووفقا لآخر تقويم نشرته "غلوبال فاير باور"، وهي إحدى أبرز المؤسسات البحثية الأميركية المتخصصة في تقديم قواعد بيانات تحليلية عن القدرات العسكرية لدول العالم، أضحى الجيش السعودي هو الأقوى بمنطقة الخليج العربي، والثالث عربيا بعد كل من مصر والجزائر، كما يحتل المرتبة الـ28 ضمن قائمة تضم 126 دولة، وتقدر الموازنة الدفاعية السعودية بنحو 56.72 مليار دولار.

وفي العام الماضي قدر مركز "ستوكهولم" لأبحاث السلام أن السعودية أصبحت رابع أكبر دولة على مستوى العالم من حيث الإنفاق العسكري، إذ أنفقت عام 2013 نحو 67 مليار دولار، مما يشكل زيادة بنسبة 118% مقارنة بعام 2004 و14% مقارنة بعام 2012.

وفي حين طفقت بعض دول الخليج العربي تجني ثمار ذلك التطور الكمي والنوعي البارز في قدراتها التسليحية والقتالية، والمؤيد بمستوى لا بأس به من الاستقرار السياسي والاقتصادي وسط أجواء التخبط والسيولة الإستراتيجية التي تلقي بظلالها على المنطقة فتنال من استقرارها ووحدة أراضيها وتماسك جيوشها النظامية، منذ اندلاع الحراك الثوري العربي في يناير/كانون الثاني من العام 2011.

أفضت تطورات السنوات الأخيرة إلى تعاظم تدريجي في الأدوار الإقليمية لدول كالسعودية والإمارات وقطر، فضلا عن تنام واضح لتأثيرها في عملية صنع القرار العربي أمنيا وسياسيا واقتصاديا، على حساب التراجع التدريجي في تأثير وحضور دول مركزية كمصر والعراق وسوريا في هذا المضمار
كانت دول عربية مركزية طالما ارتكنت إلى جيوش نظامية قوية عددا وعتادا -مثل مصر والعراق وسوريا واليمن- غارقة حتى أذنيها، إما في مواجهة التداعيات السلبية العارضة للثورات الشعبية التي اجتاحتها عبر محاربة الإرهاب والتصدي للتدخلات والمؤامرات الخارجية، أو العمل بدأب لاستعادة الدولة الوطنية وحمايتها من السقوط في براثن الانهيار والتفكك والتقسيم، أو من خلال الاقتتال الداخلي على السلطة والأرض والموارد الطبيعية.
 
وقد كان من شأن المعطيات التي ذكرت آنفا أن أفضت إلى تعاظم تدريجي في الأدوار الإقليمية لدول كالسعودية والإمارات وقطر، فضلا عن تنام واضح لتأثيرها في عملية صنع القرار العربي أمنيا وسياسيا واقتصاديا، على حساب التراجع التدريجي في تأثير وحضور دول مركزية كمصر والعراق وسوريا في هذا المضمار، كما استتبعت تطورا ملفتا في إستراتيجيات تعاطي تلك الدول الخليجية الصاعدة مع التحديات الإقليمية لا سيما الأمنية والعسكرية منها.

ولأجل هذا بدأت تتحول من سياسة الاكتفاء بالدعم المالي المصحوب بالتأكيد المتواصل على مبدأ الحوار والتحلي بالحكمة وضبط النفس، إلى إستراتيجية المبادرة والمواجهة عبر آليات مغايرة وناجزة على نحو ما جرى في سوريا أو ليبيا، ثم بشكل أكثر وضوحا وجرأة ومباغتة في اليمن من خلال "عاصفة الحزم".

وفي هذا السياق، هرعت تعليقات وطروحات محللين وخبراء ومسؤولين كثر بدول مجلس التعاون تتواتر لسبر أغوار ما اصطلح على وصفه إعلاميا بـ"الحقبة السعودية"، حيث تباروا من خلالها في تسليط الضوء على ما اعتبروا أنه تنام في الدور الإقليمي للمملكة العربية السعودية وصعودا منها إلى قمرة قيادة ما جرى العرف على تسميته بالعمل العربي المشترك، ليس فقط من خلال الدعم المالي أو الدور التنموي، ولكن أيضا عبر التحركات العسكرية والأمنية المؤثرة.

في غضون ذلك لم يتوان كاتب سعودي كجمال خاشقجي، عن الإشارة في مقال له على صفحات جريدة "الحياة" اللندنية، تزامن بدوره مع بدء انطلاق عملية "عاصفة الحزم"، إلى ما أسماه "مبدأ سلمان"، على غرار "مبدأ أيزنهاور"، الذي يقوم على التزام الولايات المتحدة بالنصرة وتقديم العون ماديا أو عسكريا لأي دولة تتعرض للتهديد من دولة أخرى.

وانطلاقا من تعريف "المبدأ" في السياسة الدولية، على أنه سياسة تقوم على مبادئ والتزامات أخلاقية، اعتبر خاشقجي قرار السعودية شن وقيادة "عاصفة الحزم" استجابة لطلب الرئيس الشرعي لليمن، وبموجب بيان دول مجلس التعاون الخليجي الخمس وضمن عمل عسكري جماعي لم تشهد المنطقة له مثيلا منذ عقود؛ بمثابة تأسيس لقاعدة جديدة في العلاقات الدولية، وتدشين لنظام أمني عربي إقليمي جديد بمنأى عن الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي نعته خاشقجي بـ"مبدأ سلمان".
سواء صدقت نبوءات أصحاب فكرة "الزمن العربي الجديد" أو "الحقبة السعودية" أو انتقل مراكز الثقل والتأثير في صناعة القرار العربي من القاهرة وبغداد ودمشق إلى الرياض وأبو ظبي والدوحة، فما من شك أن موازين القوى كما علاقات القوة بين دول المنطقة لن تبقى كما كانت

ذهب خاشقجي أيضا إلى أن الملك سلمان قد فرض مبدأه على الأميركيين، مشيرا إلى أن ولي ولي العهد وزير الداخلية السعودي الأمير محمد بن نايف، أكد للأميركيين قبل إطلاق "عاصفة الحزم" أن السعودية ستقدم على عمل عسكري في اليمن، سواء بالأميركيين أو من دونهم شاء من شاء وأبى من أبى، كما عرض عليهم أسماء الدول التي ستشارك المملكة في تنفيذ ذلك العمل. واستشهد خاشقجي في طرحه هذا بتصريح السيناتور الأميركي المخضرم جون ماكين بعد ساعات من بدء "عاصفة الحزم" بأن "الدول العربية لم تعد تثق بالولايات المتحدة، ولذلك خططت لهذا التحالف الذي اضطلع بعملية عاصفة الحزم بمعزل عنها".

وعلى ذات الدرب سار صالح القلاب، الكاتب والمحلل السياسي ووزير الإعلام الأردني السابق، إذ اعتبر في مقال له بصحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية في اليوم السابع لاندلاع عاصفة الحزم، أن تلك العملية العسكرية التي تحمل بين ثناياها رسائل إستراتيجية مهمة لإيران وداعميها وأذرعها في داخل المنطقة وخارجها، من شأنها أن تعيد صياغة معادلة موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط.

وطالب القلاب الشعوب العربية وحكامها باستحضار ذكريات معركة "ذي قار" التي انتصر فيها العرب على الفرس قبل عدة قرون خلت من الزمن، لافتا إلى أن "عاصفة الحزم" قد أعادت للعرب ثقتهم بأنفسهم، كونها تشكل انتفاضة ضد ما وصفه "العصر الفارسي الجديد" في المنطقة.

وسواء صدقت نبوءات أصحاب فكرة "الزمن العربي الجديد" أو "الحقبة السعودية" أو انتقل مراكز الثقل والتأثير في صناعة القرار العربي من القاهرة وبغداد ودمشق إلى الرياض وأبو ظبي والدوحة، رغم أنها لم تسلط الضوء على المدى الزمني المتوقع لحدوث واكتمال واستمرار تلك التحولات الإستراتيجية المصيرية، كما تتجاهل مواقع وأدوار أطراف إقليمية فاعلة كدول الجوار العربي في خضم هذه الصيرورة، أو أن الطروحات التي ما برحت تخوض في هذا الجدل الحامي الوطيس قد انطوت على قدر كبير من المبالغة؛ فما من شك في أن موازين القوى كما علاقات القوة بين دول المنطقة وما تستتبعانه من تأثير على الأدوار الإقليمية لكل منها، لن تبقى في مقبل الأيام، وتحديدا بعد "عاصفة الحزم" وما سوف يتمخض عنها من تداعيات سياسية وجيوستراتيجية، ليست بالهينة على الصعيدين الإقليمي والدولي، بنفس الشاكلة التي كانت عليها فيما مضى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة