حماس في مواجهة حرب الفتنة والتفتيت   
الاثنين 1427/7/6 هـ - الموافق 31/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 17:41 (مكة المكرمة)، 14:41 (غرينتش)
ياسر الزعاترة


لم يعد سرا أن حرب فتنة وتفتيت واستدراج تشن بلا هوادة على حركة المقاومة الإسلامية حماس بهدف ضرب حصونها من الداخل بعد فشل ضربات الخارج الإسرائيلي في إنهاء قدرتها على الصمود والعطاء.

وفي حين بدا أن ما جرى في لبنان بعد عملية الوعد الصادق قد خفف الضغط على الحركة، فإن ذلك لم يغير في حقيقة المعركة واستمرارها على أمل النجاح في تحقيق أهدافها المعلنة.

ما يبعث على القهر والأسف في آن هو أننا إزاء حرب تشارك فيها أطراف فلسطينية وعربية ودولية تحت رعاية وتوجيه ودعم الطرف الإسرائيلي الذي يمسك بالكثير من الخيوط في الساحة الفلسطينية، والذي طالما تمكن عبر لعبة الاغتيال والاعتقال من تحديد شكل الحراك السياسي في الفصائل الفلسطينية، كما تؤكد ذلك تجربة حركة فتح والفصائل الأخرى طوال عقود.

عندما نتحدث عن الفتنة والتفتيت والاستدراج، فنحن نتحدث في واقع الحال عن لعبة واحدة هدفها إخراج حماس من دائرة الفعل والتأثير إلى دائرة التهميش، وبالطبع في سياق استعادة حركة فتح لنفوذها بعدما تمكن الإسرائيليون من ترسيم حراكها الداخلي في اتجاه برنامج جديد عنوانه حزب سلطة يبدي استعدادا للتعامل (السياسي فقط) مع أي معطيات على الأرض مهما بلغ هزالها، والنتيجة هي نزاع يطول لكن المحتل مرتاح البال لا يدفع ثمنا لاحتلاله.

يحدث ذلك تبعا لهيمنة تيار رفض العسكرة (المقاومة) على الحركة ومقدراتها، وهو تيار يبدو في طريقه إلى السيطرة على منظمة التحرير كما تبشر بذلك بعض الصفقات التي تعقد هنا وهناك (صفقة عباس/ القدومي في تونس لإعادة تشكيل اللجنة المركزية للحركة على أساس من إدخال محمد دحلان ومجموعته أو مجموعة الرئيس مقابل منح القدومي ملف السياسة الخارجية كاملا).

ولا يتبقى كي تطبع الساحة الفلسطينية على قبول واقع فك الارتباط الذي يبشر به أولمرت غير ضرب حركة حماس، ومعها الجهاد، أي ضرب تيار المقاومة والرفض في الشارع الفلسطيني.

"
في المعركة ضد حماس ليست ثمة خطوط حمراء على الإطلاق، فكل الأدوات ستستخدم من القتل إلى الاعتقال إلى منح الامتيازات وتقديم التسهيلات والاستدراج وبث الفتنة بمختلف الطرق إلى لعبة العلاقات العامة التي تقرب هذا وتقصي ذاك
"
في هذه المعركة ضد حماس ليس ثمة خطوط حمر على الإطلاق، فكل الأدوات ستستخدم، من القتل إلى الاعتقال إلى الكذب والحملات الإعلامية إلى منح الامتيازات وتقديم التسهيلات والاستدراج وبث الفتنة بمختلف الطرق، إلى لعبة العلاقات العامة التي تقرب هذا وتقصي ذاك.

وبالمناسبة فهي لعبة يجيدها تماما قادة فتح، وقد تمرسوا عليها من أيام الرئيس الراحل ياسر عرفات، مع العلم بأن الأدوات الرئيسة لإنجاح مهمات من هذا النوع، غالبا ما تتوفر من الطرف الإسرائيلي، ومن الأميركان وبعض الأوروبيين.

من أوضح فصول المعركة التي انطلقت منذ شهور، مع أنها قائمة منذ قرار اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، ذلك المتعلق باللعب على وتر الداخل والخارج، واستهداف الخارج في الحركة بمختلف الوسائل.

وقد كان الرئيس الفلسطيني واضحا عندما تحدث كفتحاوي متعصب قبل شهور في أحد اللقاءات في الأردن معتبرا أن تماسك الحركة يكمن في الخارج، مطالبا مستمعيه بأن يكفوه الخارج وأنه كفيل بعد ذلك بجعل حماس الداخل "عشر حماسات".

مع العلم بأن تسرب أخبار اللقاء المذكور عبر بعض حضوره لم يدفع مكتب الرئيس إلى التعليق أو النفي.

طوال الشهور الأخيرة عزف الجانب الفتحاوي على وتر الداخل والخارج، حيث جرى التركيز على رموز الداخل بتحريضهم على إخوانهم في الخارج بدعوى عدم التفاتهم إلى هموم الداخل والمطالبة بسقف أكبر من القدرة على الاحتمال لحساب أجندة إيرانية سورية.

وهذه النقطة الأخيرة كانت ولا تزال معزوفة يرددونها منذ سنوات، مع العلم أن حماس الخارج لم تكن يوما خاضعة لأجندة أحد، وبالذات للأجندة الإيرانية.

تركزت لعبة التحريض في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع أن بعض فصولها قد وصلت حد التعاطي مع الوضع في الخارج بشكل من الأشكال، عبر التفريق بين فريق متشدد في الخارج مقابل آخرين أكثر ليونة وقابلية للحوار.

وقد تخصص بعض قادة فتح في استقطاب بعض رموز حماس هنا وهناك عبر التغزل باعتدالهم وقدرتهم على التقاط هموم الشعب الفلسطيني، إلى جانب إقناعهم بالمزيد من المرونة بوصفها الوحيدة القادرة على فك الحصار من حول الحكومة.

وما من شك في أن مسألة الحصار المضروب حول الحكومة قد أخذت حيزا كبيرا من لعبة الاستدراج، لا سيما أن أكثرية قادة حماس في الضفة الغربية قد تحولوا إلى نواب ووزراء يبدون اهتماما كبيرا بمصير الحكومة ومصير التجربة الجديدة برمتها.

كانت وثيقة الأسرى هي اللعبة التي ألقى فيها قادة فتح بثقلهم مستخدمين رصيدهم الكبير من التجربة والذكاء في استدراج حماس إلى التوقيع عليها بعد تعديلات بدت عاجزة عن التأثير في نص فتحاوي لا يمت بصلة إلى حماس ولا لغتها ولا خطابها، بدليل حديث الوثيقة عن الشرعية العربية التي لا تعني فقط قرارات قمة بيروت الشهيرة، بل تعني أي تراجع عربي جديد يمرر تحت العنوان المذكور.

صحيح أن الفقرة التي أضيفت إلى مقدمة الوثيقة "الحقوق لا تسقط بالتقادم وعلى قاعدة عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال"، هذه الفقرة ستمنح حماس فرصة القول إنها لم تتخل عن ثوابتها، لاسيما في ظل إضافة أخرى تؤكد أن بنود الوثيقة تشمل المقدمة.

لكن ذلك لن يغير في حقيقة أن الحركة قد تراجعت أمام سطوة الابتزاز والاستدراج، وهو أمر لم يكن خافيا على حماس وقادتها، سواء كانوا في الداخل أو في الخارج.

لكن ضغوط الواقع، والأهم، مخاوف الاقتتال الداخلي التي كان قادة فتح وبعض المتحمسين للوثيقة في حماس يحذرون منها هي التي فرضت عليهم التراجع، ما يشير إلى معادلة بالغة البؤس تقول إنه منذ خسرت فتح الانتخابات وهي تمارس دور المنتصر الذي يملي شروطه!!

"
وثيقة الأسرى هي اللعبة التي ألقى فيها قادة فتح بثقلهم مستخدمين رصيدهم الكبير من التجربة والذكاء في استدراج حماس إلى التوقيع عليها بعد تعديلات بدت عاجزة عن التأثير في نص فتحاوي لا يمت بصلة إلى حماس ولا لغتها ولا خطابها
"
في سياق الحوار حول الوثيقة لعب قادة فتح لعبة الداخل والخارج أيضا، الأمر الذي اضطر قادة المكتب السياسي في الخارج إلى قبول الصفقة على مضض من دون قناعة بها، إذ كيف يقتنع قادة متمرسون في العمل السياسي بالتوقيع على نص فتحاوي بوصفه وثيقة إجماع وطني؟!

بدهي أن ذلك لا يعفي هذا الفريق من مسؤولية التوقيع على الوثيقة، بل حتى اعتبارها محور الحديث لا توجها يؤخذ في الاعتبار في سياق إقرار أو كتابة وثيقة جديدة تنسجم مع روح الموقف الجماعي الفلسطيني الحقيق، وليس ذلك الذي يدعي الإجماع زورا.

بعد عملية الوهم المتبدد البطولية وقضية الأسير بدا أن لعبة المطاردة والفتنة والاستدراج قد ذهبت إلى أبعد مدى ممكن، خلافا لظاهر الموقف، وها هي التصريحات الإسرائيلية والأميركية تمنح الغطاء لعملية اغتيال خالد مشعل الذي ينظر إليه بوصفه عنصر القوة والتماسك في الحركة، فيما يبدو أن غطاء عربيا قد توفر أيضا من بعض الجهات لعملية الاغتيال.

وقد تم ذلك تحت لافتة مسؤوليته عن العملية وعن مفاوضات الإفراج عن الأسير، مع أن الإسرائيليين هم أكثر من يعرفون أن العملية لم تكن خارج سياق التوافق بين محاور الحركة جميعها، بدليل استقبالها بفرح وتأييد من قبل الجميع، وإن تباينت المواقف قليلا بعد ذلك فيما يتصل بالتعامل مع قضية الجندي.

الآن تقف الحركة عند منعطف بالغ الخطورة، ليس فقط لجهة منح الغطاء لاغتيال خالد مشعل، وما يترتب على النجاح في ذلك من ضربة قاسية للحركة، بل أيضا لجهة المضي في لعبة استدراجها سياسيا وصولا إلى تسهيل عملية إقصائها.

وبالطبع استنادا إلى الخط الذي تبلور في حركة فتح منذ الأيام الأولى لظهور نتائج انتخابات فبراير/ شباط الماضي القائم على التشويه قبل الإقصاء.

صحيح أن عملية الوعد الصادق وتداعياتها اللبنانية والإقليمية قد خففت الضغط عن حماس، لكن ذلك لن يغير في حقيقة الاستهداف الذي سيتواصل بكل الأشكال.

لا يستبعد بالطبع أن يصار إلى اغتيال أو اعتقال قادة آخرين من الداخل والخارج تحس القيادة الصهيونية، ربما بنصائح فلسطينية وعربية، بثقلهم في الحركة وقدرتهم على ضبط بوصلتها، ما يفرض عليها مزيدا من التراجع وصولا إلى تهيئة الأجواء أمام عودة مظفرة لفتح وهيمنة لخطاب المجموعة المتنفذة فيها على الساحة الفلسطينية، وهذه المرة في ظل تراجع مفترض للمنافس الرئيس، ليس شعبيا بسبب التنازلات السياسية، بل أيضا من حيث القدرة والتنظيم بعد غياب القادرين على ضبط المسار وتوجيهه الوجهة السليمة.

في ظل هذه المعادلة الصعبة ليس أمام قادة حماس في الداخل والخارج غير التفاهم على آليات فاعلة لمواجهة الموقف تستند إلى رؤية واضحة للوضع القائم ومآله القادم.

وهذا الأمر لن يتم إلا بكثير من التجرد في المواقف بعيدا عن النوازع الشخصية لقلة ممن أخذتهم حكاية الحكومة ونسوا أنها لم تكن على الأجندة ولا في الحسبان، وتجاهلوا تبعا لذلك مشهد القضية بشموليته بعيدا عن حشره في واحد ونصف في المائة من فلسطين يتوهمون أنها تحررت (غزة)، أو أوهام التقدم صوب تحرير فلسطين والفلسطينيين من خلال حكومة وبرلمان يستطيع الاحتلال أن يشطبهما في غضون ساعات.

وفي حال الإصرار على الحكومة أو حتى تشكيل حكومة وحدة وطنية فإن على حماس أن تحيل إلى الرئيس مهمة تدبير الرواتب بعد أن استولى على الأمن والمعابر والسياسة الخارجية والإعلام، مع العلم أن حكومة الوحدة ستعني عمليا عودة فتح إلى الهيمنة على السلطة والحكومة في ظل هيمنتها أصلا على الملفات المشار إليها آنفا.

الأكيد أن أفكار وبرامج حزب الخلاص الذي أسسه بعض رموز حماس عام 1996 لا تصلح لمواجهة الموقف، وإذا سارت قيادة حماس في الداخل والخارج على إيقاعها، وهي التي خاضت الانتخابات بشعار حماية برنامج المقاومة، فإن النتيجة هي ضرب الحركة ومصداقيتها وتسهيل عملية إقصائها من قبل فتح التي لن تتوقف عن العمل على استعادة وضعها القديم مدعومة من قبل الجميع.

"
أمام حماس فرصة حقيقية لتجاوز المأزق، لكن ذلك لن يتم بالمرونة والليونة وبيع الثوابت والاستماع إلى دعاة الفتنة، بل باستعادة أسس الخطاب الذي سارت عليه الحركة منذ نشأتها
"

وإذا اعتقد البعض إمكان تبني برنامج لقطاع غزة يختلف عن الضفة الغربية خلال المرحلة المقبلة، فهو إنما يغامر بوحدة الحركة ووحدة القضية، مع أن ذلك لن ينفعه، ومحمد دحلان لن يتركهم، وبالطبع مدعوما من مصر، اللهم إلا إذا وافقوا على أن يكونوا مجرد مطايا للجهات المتنفذة في القاهرة.

ليس أمام حكومة حماس إذا أرادت الخروج "مؤقتاً" من الحصار غير تقديم تنازلات تفوق ما يمكن أن تقدمه المجموعة المتنفذة في فتح، فتقبل بدولة الجدار على 10% من فلسطين مجزأة إلى كانتونات، وتنسى، بل تتجاهل عمقها العربي والإسلامي، وعندها لن يكون أمام جيل انتفاضة الأقصى غير برنامج القاعدة.

على من يجدون في أنفسهم قابلية التضحية بجبال من التضحيات يتقدمها الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي مقابل وهم الحكومة البائسة، أو من أجل وهم غزة المحررة، على هؤلاء أن يتمعنوا جيدا في تجربة فتح ونهاية ياسر عرفات، و"من يجرب المجرب عقله مخرب"، كما يقول المثل.

أمام حماس فرصة حقيقية لتجاوز المأزق، لكن ذلك لن يتم بالمرونة والليونة وبيع الثوابت والاستماع إلى دعاة الفتنة، بل باستعادة أسس الخطاب الذي سارت عليه الحركة منذ نشأتها، وهو خطاب يتحدث عن صراع وجود لا صراع حدود، كما يتحدث عن أن حماس هي رأس حربة الأمة في مواجهة المشروع الصهيوني.

أما الهدنة التي طرحها الشيخ ياسين فكانت بالغة الذكاء، لأن جوهرها هو الاعتراف بالعدو، مع حشره في زاوية لو قبل بها، والشيخ يعلم أنه لن يقبل، فإنه يوقع على نهاية مشروعه.

حماس أمام منعطف خطير، لا يستدعي وحدتها وتماسكها فقط، بل يستدعي دعمها بكل قوة من قبل الحركات الإسلامية الأخرى، لأن فشلها سيشكل ضربة للجميع، تماما كما كانت مقاومتها الرائعة رافعة للمشروع الإسلامي في كل مكان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة