السلام السوري المستحيل   
الثلاثاء 1434/4/16 هـ - الموافق 26/2/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:20 (مكة المكرمة)، 11:20 (غرينتش)
غازي دحمان

 

نشرت مصادر إعلامية عربية نص مبادرة مجهولة المصدر سميت "اتفاق 2013" أو "السلام السوري"، والمبادرة عبارة عن محاولة استنساخ شبه كامل لاتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب اللبنانية، ولعل الأمر اللافت في هذه المبادرة أنها تأتي في سياق حديث، يبدو أنه متماسك ومتكامل، عن تسوية محتملة في سوريا تؤدي إلى ما تسميه المبادرة بـ"السلام السوري"، فإلى أي مدى يبدو هذا الأمر واقعيا، وهل ثمة إمكانية، إذا افترضنا توفر النية لدى مختلف الأطراف لتحقيق مثل هذا الأمر؟

على زخم المبادرات التي يطرحها رئيس الائتلاف الوطني معاذ الخطيب، وحالة التفاؤل التي تشيعها التصريحات الأميركية الروسية عن ضرورة البحث عن مخرج سلمي لحل الأزمة السورية، ثمة مساحة هائلة من التضليل السياسي تتخلق على هامش الأزمة، تشبه تماما حالة إطلاق القنابل الدخانية لإبعاد التركيز عن منطقة الحدث الحقيقية.

تستدعي الواقعية السياسية، قبل الخوض في آليات الحل وطرق ووسائل تنفيذه، وتحديد أماكن التفاوض، تفحص البيئة التفاوضية نفسها، ومواقف الأطراف المختلفة وتطلعاتها وأهدافها، لمعرفة إمكانية تحقق هذا الأمر.
تستدعي الواقعية السياسية، قبل الخوض في آليات الحل وطرق ووسائل تنفيذه، تفحص البيئة التفاوضية نفسها، ومواقف الأطراف المختلفة وتطلعاتها وأهدافها، لمعرفة إمكانية تحقق هذا الأمر

على المستوى الداخلي، تتميز أوضاع الأطراف في هذه المرحلة بالتكتل حول شروطها التي باتت أسيرة لها، حتى يمكن وصفها بأنها شروط حياتها، ومشكلة هذه الشروط أنها مترابطة بعضها ببعض ترابطا عضويا، ولا يمكن فصم أي منها عن الآخر، فشرط المعارضة تنحي الأسد لا يوجد له معادل في داخل النظام لعدم توفر قوى حاملة لهذا وداعمة له، فضلا عن قدرتها ورغبتها في تحقيق هذا الشرط.

فالنظام متماسك، وهذه حقيقة لا يمكن المراهنة على عكسها، وقد فشلت كل الجهود لخلق تيارات داخله، وفي ظل هذه الحالة يصعب تصور أن يقبل النظام بالتفاوض، وإن قبل ما طبيعة القضايا التي سيقبل التفاوض عليها، هل سيتطرق إلى تفكيك الأجهزة الأمنية؟ هل سيبحث في إعادة ما سرقه الأقربون والأبعدون من أفراد العائلة من أموال الشعب السوري ومقدراته؟ هل سيرسم خريطة طريق إلى نظام مدني ديمقراطية يستعيد فيه السوريون حرياتهم وكراماتهم المهدورة.

أما من جهة المعارضة فإن الأمر يبدو أكثر تعقيدا، ذلك أن هامش مناوراتها تبدو ضعيفة، ولا هامش صلاحيات لديها، وتبدوا طرفا وكيلا، إذ إن أي خروج عن النص ولو بقصد المناورة يمكن أن يؤدي إلى فرطها نهائيا.

على المستوى الدولي، ثمة حقائق مهمة ولم تعد خافية على أحد، لا تساعد في دفع العملية التفاوضية، منها عدم تأثر الولايات المتحدة الأميركية بالأزمة السورية وشبكة مصالحها لم تتأثر بعد، ومن المقدر ألا تتأثر في المستقبل القريب، ذلك أن ترتيباتها اللوجستية تتيح لها حماية مصالحها، كما أن تقديراتها المستقبلية بخصوص الأزمة تأتي في صالح أهدافها.

وقد أظهرت التسريبات الأخيرة عن الجدل داخل الإدارة الأميركية في شأن الوضع السوري بين الرئيس باراك أوباما وبعض مستشاريه ووزرائه، أن الرئيس أوباما لا يرى الوضع في سوريا تهديدا إستراتيجيا للولايات المتحدة بعد ولا يتفق حتى مع وزرائه وكبار مستشاريه على تقييم هذا الخطر وكيفية مواجهته، إن الرئيس أوباما، في أحسن الأحوال، يضع الحالة السورية في إطارها الإنساني فقط ككارثة إنسانية ولا يقاربها كأحد أهم التحديات الإستراتيجية التي تواجه المنطقة والمصالح الأميركية فيها.

أما روسيا وإيران فإن حجم استثماراتهما الكبيرة في الأزمة جراء دعمهما للنظام، وما زالت سياستهما تجاه الأزمة تبنى على أساس أنها ورقة مفتاحية للكثير من الملفات المتراكمة مع الغرب، وتعتقدان أن النظام ما زال لديه القدرة على الصمود وتعملان على تزخيم هذا الصمود لفتح ملفات التفاوض الجدي.

إذن لماذا طرح هذه المسألة في هذا الوقت؟ تشير مختلف المعطيات المتوافرة على قناعة مختلف أطراف الأزمة الداخلية والخارجية بصوابية مواقفها، وكل طرف يعتقد أن ثمة فرصة لتطوير هذه المواقف والانتقال بها إلى مجال التطبيق العملياتي على الأرض بعد حوالي عام ونصف على القتال العسكري على الأرض.

ويمثل التفاوض في هذه الحالة جزءا من عملية سبر المواقف أو عملية لاستكشاف التوجهات والقدرات والإمكانيات، فضلا عن طبيعة رهانات كل طرف للسير في مواقفه، ولعل الرئيس الأميركي كان الأكثر وضوحا بهذا الخصوص عندما سئل في معرض حديثه الصحفي في 28 الشهر الماضي "في وضع كوضع سوريا هل يمكن للتدخل أن يحدث أي فارق؟"، وأكد أنه يأخذ في الاعتبار ليس القدرات الأميركية بل حدودها أيضا.

إذن وحدها طاولة المفاوضات من شأنها أن تزود صناع القرار بمعطيات حقيقية عن قدرة الأطراف وحقيقة رهاناتها، غير أن التفاوض في هذه الحالة لن يكون سوى جولة جديدة الهدف منها إعادة تفعيل وبلورة التصورات عن جولة الصراع المقبلة، وبهذا الخصوص يهم أميركا فحص مدى التورط الروسي والإيراني في الوضع السوري، ويهمها أكثر استمرار إغراق الروس في هذا المستنقع مقابل توسيع إستراتيجيتها في المحيط الهادئ.

وبموازنة الفرص والمخاطر، تبدو فرص أميركا أكبر، في حين أن روسيا لن تحصد منافع إستراتيجية كبيرة من الملف السوري ما دامت أهدافها دفاعية بحتة تنحصر في الدفاع ضد تمدد الربيع العربي ومنعه من الوصول إلى تخومها ومناطق وجودها وليس نفوذها، وهي في ظل ذلك لن يكون لديها ترف بناء إستراتيجية معادية لأميركا.

وفي هذه الحالة، فإن روسيا وبفعل ضغط الواقع على تخومها فإنها ترى في التفاوض فرصة بالمعنى الإستراتيجي للولوج إلى عالم التفاوض من موقع تكون فيه هي الطرف الذي يحصل على المكاسب، لتعديل المسار التفاوضي الخاسر مع أميركا في السنوات الأخيرة، ولن تقبل موسكو بالحديث عن سوريا في فراغ من دون أن تكون جزءا من صفقة متكاملة تضم الدرع الصاروخي في أوروبا وتخفيض الترسانة النووية ولائحة طويلة على جدول أعمال البلدين، والدليل على ذلك أن موسكو التي تكلمت دائما عن وثيقة جنيف، باعتبارها أساسا للحل هي التي حالت دون الذهاب إلى مجلس الأمن، واتخاذ قرار تحت الفصل السابع بإنفاذها.

روسيا لن تحصد منافع إستراتيجية كبيرة من الملف السوري ما دامت أهدافها دفاعية بحتة تنحصر في الدفاع ضد تمدد الربيع العربي ومنعه من الوصول إلى تخومها

إيران من جهتها تعمل على تثمير خياراتها وبلورتها، ويعطيها التفاوض فرصة لاستكمال إحداث الترتيبات التي تقوم بها في المقلب السوري، حيث يعمل الإيرانيون على تشكيل قيادة مستقلة بسوريا مكونة من العناصر الإيرانية، ومن فيلق القدس المكون من (إيرانيين وعراقيين)، وكتائب "حزب الله"، لضمان استمرار وجودها المستقبلي في سوريا، مهما تكن طبيعة توجهات النظام الذي يحكمها مستقبلا. باختصار تحاول إيران خلق بؤرة توتر وانفصال جديدة بسوريا شأن ما فعلته بلبنان والعراق واليمن والبحرين وغزة.

لا يختلف الأمر كثيرا لأطراف الأزمة الداخلية، فإذا كان التفاوض يمثل فرصة للمعارضة يكرسها طرفا تعترف به دول العالم والقوى الفاعلة فيه، ويخفف عنها الضغوط ويعطيها فرصة للظهور بمظهر القوى السياسية البراغماتية القادرة على التعامل مع القضية وفق قواعد وأصول سياسية، فضلا عن إدراكها أن عرض التفاوض يضع النظام في خانة تظهر للجميع أنه لا يريد التفاوض، في المقابل فإن التفاوض من شأنه أن يمنح النظام فرصة لموازنة خياراته التي صار أغلبها باتجاه الكيان العلوي، في ظل خسارته المتزايدة للجغرافيا السورية، وصعوبة، إن لم يكن استحالة، قدرته على إدارة البلاد اقتصاديا في ظل أزمة موارد خانقة باتت تحيط به من كل القطاعات.

والحال، فإن ظروف البيئة الدولية وتعقيداتها المحيطة بالأزمة السورية، غير جاهزة في هذه الآونة لإنتاج حلول سياسية، كما أن دعاوى التفاوض والحوار لا تنتج بالضرورة الحلول، مثال الأزمة اللبنانية ما زال حاضرا في الذاكرة، جولات التفاوض والتفاهم كانت تنهار لعدم تحقق شروطها الداخلية والدولية. السلام السوري لم يحن أوانه بعد، لا تجهيزات أطراف الصراع ولا قناعاتهم تشي بمثل هذا الأمر، ثمة دم سوري ينزف، وثمة وعد باستمرار هذا النزف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة